انتقدت الناشطة الحقوقية المغربية خديجة الكور الأوضاع التي تحول دون التمكين السياسي والاجتماعي والاقتصادي للنساء في المجتمع والحياة العامة. كما لفتت الانتباه إلى عدم الاستثمار الأمثل لطاقات الشباب وكفاءاتهم، معتبرةً ـ من جهة أخرى ـ أن الأحزاب السياسية تخلّت عن مهمتها الأساسية في تأطير المواطنات والمواطنين سياسيًا.
الكور التي ترأس اليوم «منظمة النساء الحركيات»، لها عدة اهتمامات، فهي صحافية، وأستاذة باحثة في علم الاجتماع، ومفتشة عامة ـ سابقًا ـ لوزارة الثقافة، وعضوة سابقة في المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري. التقتها «القدس العربي»، وأجرت معها الحوار التالي:
○ لماذا اخترتِ الانخراط في العمل السياسي، وأنتِ القادمة من عالم الصحافة والتدريس والبحث الجامعي والمجتمع المدني؟
• منذ البدء كنت حالمة بالتغيير، وكنت وما زلت أؤمن إيمانًا عميقًا بقدرة النساء على إحداث التحول، على كسر الجمود، وعلى حمل قضايا العدالة والمساواة بجرأة وإصرار.
لقد بدأتُ نضالي من بوابة الصحافة المكتوبة، حيث كتبت كثيرًا عن ظواهر الإقصاء واللامساواة الاجتماعية والعنف ضد النساء، وكل أشكال الظلم والحكرة في المجتمع.
لكنني، في لحظة ما، شعرت بحاجة قوية إلى الفهم، إلى أن أتجاوز الكتابة والملاحظة نحو الغوص في أسباب الظواهر وسبل معالجتها. قادتني هذه الرغبة إلى دراسة علم الاجتماع، فقد كنت أبحث عن أدوات لفهم ما يجري حولي، لا من أجل المعرفة فقط، بل من أجل أن أكون قادرة على التغيير من الداخل، وعلى معالجة الأسباب وليس فقط الأعراض.
بعد ذلك، اتسع فضاء نضالي، فالتحقت بعدة جمعيات مدنية، وركزت عملي على قضايا المرأة والتنمية وهموم الشباب التي كانت دائمًا تشغلني، وكذا قضايا الديمقراطية التي كنت أراها جوهر بناء أي مستقبل أفضل. ومن خلال هذا المسار، أدركت أن العمل الجمعوي ضروري للترافع والتوعية، لكنه لا يمنحنا القدرة على الفعل والتأثير في القرار، إذ لا يكفي أن نحلم بالتغيير، بل يجب أن نمتلك الأدوات لنُنجزه على أرض الواقع.
ومن هنا، جاء دخولي لعالم للسياسة. لم أكن أبحث عن موقع أو منصب، بل عن الفعل، عن القدرة على المساهمة في صياغة القرار العمومي وحَوْكَمة الوطن. كنت أعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، وأنني كامرأة وكمناضلة قادمة من المجتمع المدني، سأواجه الكثير من العقبات. ومع ذلك، اخترت المضي، واخترت أن أواصل هذا المسار بإيمان راسخ بأن صوت النساء يجب أن يُسمع، وأن فعلهن يجب أن يكون حاضرًا ومؤثرًا.
لقد مضت خمس عشرة سنة منذ دخلت عالم السياسة، بعد سنوات من النضال في الصحافة والمجتمع المدني، وما زلت أؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الشغف، ويستمر بالإصرار، ويتحقق بالفعل السياسي الواعي والمسؤول.
○ وكيف تنظرين إلى دور «منظمة النساء الحركيات» التي ترأسينها في الدفاع عن حقوق النساء وتعزيز مشاركتهن السياسية؟
• «منظمة النساء الحركيات» تنظيم مُوازٍ داخل حزب الحركة الشعبية، وهي جمعية سياسية قائمة منذ عشرين سنة، تأسست من قبل المناضلة حليمة عسالي التي تعتبر الرئيسة المؤسسة لها. ووفق نظامها الأساسي، تسعى المنظمة للمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا المرأة، وبلورة برامج تمكين سياسي للنساء داخل الحزب، والترافع عن قضايا النساء.
لكن دور المنظمة يبقى محدودًا لعدة أسباب، منها افتقارها إلى ميزانية مستقلة، واعتمادها على تمويل الحزب، مما يقيد قدرتها على تنفيذ برامجها والتزامها بها بشكل كامل. كما أن المنظمات النسائية الحزبية لا يتم إشراكها في اللجان الوطنية للانتخابات ولا في تدبير اللوائح الجهوية للنساء ولا في تحديد معايير النساء المرشحات للانتخابات أو المسؤوليات الحزبية أو العمومية ولا يتم طلب رأي المنظمات في القوانين والسياسات العمومية ذات الصلة بقضايا المرأة، مما يضعف مجال تأثيرها ويقلل من مصداقيتها.
رغم ذلك، استطعنا تنظيم دورات تدريبية في مجالات التواصل السياسي ودعم القدرات، وتنظيم ندوات فكرية حول العنف السياسي ضد النساء، وأخرى حول العدالة المجالية وإسهام المرأة في بناء النموذج المغربي للتصوف والهوية الوطنية قضايا الأسرة وبلورة مذكرة حزب الحركة الشعبية، المرتبطة بتعديل مدونة الأسرة وتعديل المسطرة الجنائية.
ونقوم حالياً بهيكلة الفروع الجهوية والإقليمية والمحلية للمنظمة، بهدف تعزيز عمل القرب، والمساهمة في النقاش العمومي وضمان حضور فاعل للنساء في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
عقبات أمام النساء
○ طيب، وهل من نجاعة للسياسة العمومية المتعلقة بالنهوض بأوضاع المرأة، على مستوى التشريعات، وكذا على مستوى التمكين الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي؟
• حقق المغرب تقدماً ملحوظاً في مجال التشريع الذي يضمن تمثيل النساء في مختلف مستويات القرار، بدءاً بالدستور الذي كرّس مبدأ المناصفة، مرورًا بالقوانين الانتخابية التي تفرض على الأحزاب تقديم لوائح نسائية متوازنة. وقد تُرجم ذلك بزيادة حضور النساء في المجالس الجماعية (المجالس البلدية) والجهوية وعلى مستوى العمالات (المحافظات)، لا سيما في إطار الجهوية المتقدمة التي خصصت مقاعد للنساء بشكل واضح.
غير أن هذه المكتسبات التشريعية لم تُترجم بعد إلى مشاركة نوعية وفعالة. فما زالت عدة عقبات تعيق تحقيق تمثيل نسائي حقيقي وفاعل. أولى هذه العقبات استمرار الثقافة الذكورية داخل الأحزاب السياسية، التي تحول دون وصول النساء فعليًا إلى مراكز القرار. علاوة على ذلك، فإن نسبة النساء المنتميات للأحزاب السياسية لا تتجاوز 8 في المئة، وهو رقم منخفض جداً يعكس صعوبة الانخراط الحقيقي للنساء في العمل السياسي المنظم.
كما تشكل ظاهرة العنف السياسي، التي تتزايد بفعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، عائقاً كبيراً أمام انضمام النساء إلى الأحزاب السياسية وتحمل المسؤوليات السياسية، حيث تتعرض النساء لكثير من المضايقات والتهديدات التي تؤثر على رغبتهن وقدرتهن على المشاركة الفاعلة.
على الرغم من أن النساء يشكلن حوالي 21 في المئة من مجموع المنتخبات في المجالس الجماعية والجهوية، فإن عدد النساء اللواتي يتولين رئاسة هذه المجالس لا يتجاوز نسبة ضئيلة جداً، حيث لا تتعدى نسبة النساء رئيسات المجالس 2 إلى 3 في المئة فقط، مما يعكس هشاشة تمكين النساء من الوصول إلى مواقع القيادة الفعلية.
أما بالنسبة لتمثيل النساء في الأجهزة القيادية للأحزاب، فتشير البيانات، عند توفرها، إلى أن حضور النساء فيها لا يتناسب مع حجمهن السكاني، وغالبًا ما يكون تمثيلهن ضئيلاً، مما يزيد من ضعف تأثيرهن السياسي الحقيقي.
رغم أن نسبة مشاركة النساء في الاقتراع تصل إلى حوالي 54 في المئة، فإن الأمية ونقص التكوين غالباً ما يحدان من فعالية التعبئة النسائية خلال الحملات الانتخابية.
والملاحظ أن لوائح الترشيح، خاصةً اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، تُدار في كثير من الأوقات بطريقة تفتقر إلى الشفافية، حيث تعتمد الأحزاب في غالب الأحيان على القرابات العائلية أو القدرات المالية في اختيار المرشحات، بدلاً من الاعتماد على معايير موضوعية قائمة على الكفاءة والالتزام السياسي، مما يحوّل العملية الانتخابية أحياناً إلى سوق سياسية.
في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، لم يتجاوز عدد النساء اللائي فزن بمقاعد عبر الترشح المباشر (خارج لوائح الكوتا أو المحاصصة) ست نساء فقط، ما يعكس هشاشة التمثيل النسائي الحقيقي خارج إطار اللوائح.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن التشريع وحده لا يكفي لضمان مشاركة سياسية نوعية للنساء، بل يتطلب الأمر إرادة سياسية حقيقية داخل الأحزاب، ووجود آليات شفافة لإدارة الترشح، وتعزيز التمكين السياسي للنساء ودعم مشاركتهن المستمرة بما يضمن الانتقال من التمثيل العددي إلى مشاركة نوعية تليق بتاريخ وكفاح المرأة المغربية، وتخدم تطلعات المغرب في العدل والمساواة والديمقراطية.
○ غالبًا ما يُوصَف الشباب المغربي بأنه جيل تائه، في قطيعة مع المؤسسات، يبحث عن المعنى والاعتراف. كيف يمكن فهم هذا القلق الجيلي العميق؟ وأين تكمن مسؤولية السياسات العمومية في هذا الشرخ؟
• ما يُطلَق عليه اليوم «أزمة الشباب» في المغرب ليس مجرد انزعاج عابر أو ضيق وجودي مؤقت، بل هو صرخة وجودية عميقة نابعة من شعور متجذّر بالإقصاء وغياب الاعتراف وانسداد الأفق.
ولعلّ ما يُعزّز خطورة هذا الوضع هو أن المغرب يتوفر اليوم على معطى ديموغرافي استثنائي، إذ تفوق نسبة الشباب دون 34 سنة 42 في المئة من السكان، ما يشكّل فرصة كان بالإمكان تحويلها إلى رافعة استراتيجية للتنمية. غير أن هذه القوة البشرية الهائلة لم تجد في السياسات العمومية سوى الغياب أو التشتت أو الطابع المناسباتي، ما أدى إلى ضياع هذه الفرصة التاريخية.
في ظل هذا الفراغ، تتفاقم أوجه الهشاشة في صفوف الشباب. فنِسب البطالة تبقى مقلقة للغاية، إذ تتجاوز 40 في المدن لدى حاملي الشهادات في المدن، في حين يُسجل الانقطاع المبكر عن الدراسة مستويات مرتفعة، خاصة في الوسط القروي (الأرياف). الأخطر من ذلك أن ما يقارب 30 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة ينتمون إلى فئة «نيت» (NEET)، أي أنهم خارج المدرسة وسوق الشغل والتدريب المهني، ما يجعلهم عرضة للتهميش والضياع.
ولا تقتصر مظاهر الأزمة على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فقط، بل تتعداها إلى أزمة قيم وهوية وانتماء. فقد ارتفعت في السنوات الأخيرة مؤشرات العنف في الأوساط الشبابية، وانتشر تعاطي المخدرات بشكل مقلق، وتنامت مظاهر القلق والاكتئاب والانطواء والانتحار، بدون أن تُقابل هذه الظواهر بسياسات وقائية أو آليات للرعاية النفسية. بل إن النظام الوطني للصحة النفسية شبه غائب، والبنيات القريبة من الشباب محدودة أو غير موجودة.
في المقابل، يستمر إقصاء الشباب من مواقع التأثير وصنع القرار، ويُنظر إليهم أحيانًا كجزء من المشكلة بدل أن يُعتَرف بهم كجزء من الحل. وتتكرّس صور نمطية جائرة تصفهم بـ«جيل العنف» أو «جيل المخدرات» أو «جيل اللامبالاة»، رغم أن الواقع يُظهر بوضوح أن الدولة والمجتمع لم يوفّرا لهم لا البدائل ولا شروط الثقة والاندماج.
إننا هنا أمام فشل جماعي، لا يمكن تحميل تبعاته لجيل وُلد في سياق لم يختره؛ فتجاهل طاقات الشباب، أو محاكمتهم خارج سياقهم، هو تهديد مباشر لاستقرار المجتمع ولمستقبل البلاد.
لذلك، أصبح من الضروري تبني مقاربة جديدة، شاملة ومندمجة، تراهن على الشباب كفاعل أساسي في التنمية؛ مقاربة تدمج التمكين الاقتصادي والتحصين الثقافي والدعم النفسي والحماية الاجتماعية ضمن رؤية واضحة المعالم تتجاوز الحلول الترقيعية. كما أن الحاجة أصبحت ملحّة إلى آليات مؤسساتية دائمة للحوار بين الأجيال تُبدّد سوء الفهم وتُعزّز الثقة، وتُعيد بناء الروابط بين مختلف مكونات المجتمع.
ومن ثم، يجب أن نُقرّ بجرأة أن الأزمة ليست أزمة شباب، بل أزمة خيارات، وأزمة نموذج تنموي لم ينصت ولم يُدرج هذه الفئة في قلب أولوياته. وإذا استمر الوضع على حاله، فإننا سنكون قد فرّطنا في فرصة ديموغرافية لا تُقدّر بثمن، وتركناها تتحوّل إلى قنبلة اجتماعية تهدد الحاضر والمستقبل معًا.
الاغتراب السياسي
○ وأي تفسير يمكن إعطاؤك في رأيك لأزمة فقدان الثقة في الفاعل السياسي المغربي؟ وما هي الأسباب البنيوية التي ساهمت في هذه الأزمة؟
• إن فقدان الثقة في الفاعل السياسي يعود في الأساس إلى شعور عميق بالخيبة والإحباط لدى المواطنات والمواطنين. أولاً، لأن الحكومات المتعاقبة غالباً ما لا تفي بالتزاماتها التي تعلن عنها ضمن برامجها السياسية، ما يجعل الناس تشعر بأن وعود التغيير مجرد شعارات غير قابلة للتحقق على أرض الواقع.
ثانياً، عندما يصبح شخص ما منتخبًا، لا توجد آليات فعالة للتواصل المستمر بينه وبين المواطنين، إذ يقتصر تواصله معهم غالباً على الفترات الانتخابية فقط، مما يقطع الحوار ويضعف الرابط بينهم.
ثالثاً، هناك ممارسة سيئة تطبع المشاركة السياسية، وهي شراء الأصوات. عندما يشتري السياسي صوت المواطن، فإنه في الواقع يحوّله إلى مواطن فاسد من الأساس، لأن العملية تقوم على مبادلة البيع والشراء وليس على الثقة والاحترام المتبادل. هذا النوع من العلاقات يحطم جوهر الديمقراطية، ويعني أن المواطن لا يعد شريكاً أو فاعلاً سياسياً حقيقياً، بل مجرد سلعة تُشترى وتُباع.
إن تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة، لا ينتهك فقط القوانين والأخلاق السياسية، بل يعتدي على كرامة الإنسان. عندما أشتري صوتك، فأنا أعتبرك مجرد شيء لا قيمة له، وهذا الإحساس بالاستعباد السياسي لا يليق بأي نظام ديمقراطي يحترم الإنسان وحقوقه.
كما أن فقدان الثقة يعود أيضاً إلى أن الأحزاب السياسية تخلت عن مهمتها الأساسية التي أنشئت من أجلها، وهي تأطير المواطنات والمواطنين سياسياً. فالأحزاب اليوم لم تعد تقوم بهذه المهمة الحيوية التي تمكن المواطنين من الوعي بأهمية الفعل السياسي والمشاركة فيه. إذ باتت الأحزاب السياسية اليوم منشغلة أكثر بالانتخابات، وابتعدت عن دورها التربوي والسياسي في توعية الموطن وتأطيره.
علاوة على ذلك، كانت الأحزاب السياسية في السابق حاملة لمشاريع مجتمعية واضحة ومنتجة لمعانٍ عميقة في خطابها السياسي. أما اليوم، فهناك تدهور حقيقي في الخطاب السياسي، حيث لم تعد هناك مكانة داخل الأحزاب للنخب المثقفة، ولا لمراكز الدراسات والبحوث التي تمكن الحزب من بلورة أجوبة واضحة وقابلة للتحقيق لقضايا المجتمع وتقديم مشروع مجتمعي متكامل وخطاب سياسي محكم ومقنع. هذا الفقر في الخطاب وغياب التأطير يجعل المواطنين يشعرون بأن الأحزاب لم تعد قادرة على تمثيلهم فعليًا، مما يزيد من تآكل الثقة ويعمق الشعور بالاغتراب السياسي.
لهذا، فإن استعادة الثقة تستدعي إصلاحات عميقة في طريقة إجراء الانتخابات، وفتح قنوات شفافة للتواصل المستمر، واحترام إرادة المواطنين، والعمل بجدية على إرساء ثقافة سياسية جديدة ترتكز على القيم والبرامج والمبادئ، لا على العلاقات المادية أو المصالح الشخصية. بدون ذلك، سيظل الشعب ينأى بنفسه عن السياسة، وسيظل نظامنا الديمقراطي يعاني من أزمة مصداقية حقيقية تهدد استقراره.
○ في هذا الصدد، ماذا تنتظرين من انتخابات 2026 في المغرب؟ وهل ثمة خريطة طريق ترينها مفيدة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
• الانتخابات التشريعية لسنة 2026 ستُجرى في سياق اجتماعي وسياسي دقيق، تطبعه حالة من التذمر الجماعي والاحتقان الشعبي المتزايد بسبب الارتفاع المهول في كلفة المعيشة، واتساع رقعة الفقر، وتدهور أوضاع الشباب والنساء، وتعمق الفوارق الاجتماعية، إلى جانب ضعف أثر البرامج الحكومية في تحسين ظروف المواطنين.
هذا السياق يطرح إشكاليات عميقة حول احتمال تراجع نسبة المشاركة السياسية، خاصة وأن منسوب الثقة في الفاعل السياسي في أدنى مستوياته. المواطن المغربي اليوم يشعر بالخيانة، لأن الكثير من الوعود التي رُوّج لها في السابق لم تجد طريقها إلى التفعيل، لا سيما في مجالات الاقتصاد والتشغيل والحماية الاجتماعية وتمكين الشباب ورعاية الفئات الهشة.
تُضاف إلى هذا الوضع أداة جديدة ومؤثرة في المعادلة السياسية، هي شبكات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحة مواجهة سياسية، تُصنع فيها المواقف وتُنسف فيها أحيانًا المصداقية. وبالتالي، لا يمكن تصور محطة 2026 من دون استحضار هذا الفاعل الجديد وتأثيره العميق على الرأي العام.
لذلك، مطلوب من الأحزاب السياسية أن تقدم حلولاً واقعية وعملية وقابلة للتصديق، وليس فقط الانخراط في حملات تشخيص وانتقاد الحكومة. فالمواطن اليوم يُشخّص الواقع بدقة، ويحتاج من الأحزاب أن تجيب عن أسئلته الملحة، بتصورات واضحة تُمكّنه من استرجاع ثقته في السياسة كمجال للتغيير.
نحن أيضًا في حاجة إلى انتخابات نزيهة، تُجرى بدون شراء للذمم، لأن الفساد الانتخابي يقتل روح الديمقراطية، ويهين كرامة المواطن، ويحوّل العلاقة السياسية إلى علاقة تجارية تُفقد السياسة معناها، وتُحول الناخب إلى مجرد «صوت للبيع»، والمنتخب إلى تاجر مصالح.
كذلك، من غير المقبول أن تُقدّم نفس النماذج السياسية التي ارتبط اسمها بالفساد، أو التي لا تتوفر على الحد الأدنى من النزاهة والكفاءة. فالمطلب الأخلاقي أصبح اليوم شرطاً أساسياً في معادلة الثقة، ولا يمكن للمواطن أن يُمنَح الأمل في التغيير بنخب ثبت فشلها أو تورطها.
ثم إن محطة 2026 يجب أن تكون أيضا فرصة لتعزيز تمثيلية النساء، لا فقط من خلال الأرقام، بل من خلال ضمان وصول كفاءات نسائية حقيقية إلى مواقع القرار. كما يجب أن تكون محطة لإعادة إدماج الشباب في الحقل السياسي، ليس كشعارات انتخابية، بل كحضور فعلي ضمت النخب التي ستقود المغرب في السنوات المقبلة.
ولا يمكن أن نغفل أن هذه الانتخابات ستكون على بعد أربع سنوات فقط من تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، وهو حدث عالمي ستتوجه فيه أنظار العالم إلينا. فهل يُعقل أن تُدار بلادنا في هذا الظرف الحاسم بنخب ضعيفة أو فاسدة؟ الوطن يستحق أن تُديره نخبة سياسية راقية ونزيهة ومثقفة وقادرة على قيادة التحول الذي ينتظره المغاربة، لا نخبة استهلكها الفساد والمحسوبية.
○ وكيف يمكن تعزيز إدماج الجالية المغربية المقيمة بالخارج وتثمين دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة، مع تعزيز مكانتها كجسر تواصل فعال بين المغرب والعالم، وذلك في ضوء التوجهات التي وردت في إحدى الخطب الأخيرة للعاهل المغربي محمد السادس؟
• أكد الخطاب الملكي السامي بجلاء على الدور المحوري الذي تضطلع به الجالية المغربية المقيمة بالخارج في مسيرة التنمية الوطنية وفي تعزيز حضور المغرب على الصعيد الدولي. فبعيدًا عن مساهماتهم الاقتصادية والثقافية المهمة، تبرز ضرورة تمكين هذه الجالية من المشاركة السياسية الفعلية، ليصبح لهم صوت مسموع وتأثير حقيقي في السياسات التي تهمهم وتقوي أواصر ارتباطهم بوطنهم الأم.
ومن جهة أخرى، تواجه الجالية تحديات حقيقية تتمثل في الاعتداءات والتمييز، لا سيما في ظل تصاعد ظاهرة التطرف اليميني في بعض البلدان الأوروبية، مما يستوجب تعبئة مستمرة وحماية فعالة من طرف السلطات المغربية، بالتعاون مع الدول المضيفة، بالإضافة إلى تضافر جهود الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني لرفع مستوى الوعي والتصدي لهذه الظواهر.
كما يكتسي الجانب الثقافي والديني أهمية بالغة، لا سيما فيما يتعلق بالأجيال الجديدة التي نشأت في المهجر، حيث يقتضي الأمر توفير إطار متوازن يحفظ هويتهم المغربية ويغرس فيهم قيم التسامح والانفتاح والاعتدال، حماية لهم من الوقوع في شباك التطرف، سواء كان هوياتيًا أو دينيًا، ويُسهم في تعزيز اندماجهم الإيجابي داخل مجتمعاتهم وبين وطنهم.
كما دعا الخطاب الملكي إلى إجراء تعديلات هامة على مستوى المجلس الأعلى للجالية المغربية المقيمة بالخارج، وكذلك على مستوى مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. وهي إصلاحات تهدف إلى تحديث هياكلها وتعزيز فاعليتها في تمثيل الجالية والدفاع عن مصالحها. ويرمي هذا الإصلاح المؤسساتي إلى تفعيل دور هذه الهيئات بشكل أكبر في صنع القرار، وتحسين التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتطوير البرامج التي تستجيب بفعالية لاحتياجات الجالية، خاصة في مجالات الدعم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، والحماية القانونية.
من خلال هذه الإصلاحات، يتطلع المغرب إلى بناء آليات أكثر نجاعة وشفافية لتقوية الرابط بين الوطن والجالية، وتمكينها من المساهمة الفاعلة في التنمية الوطنية، وتعزيز دورها كبوابة ديناميكية للتواصل مع العالم.
وبهذه الرؤية الشاملة ـ السياسية والأمنية والثقافية والدينية ـ يمكن تحويل الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى رافد قوي يعزز من قدرات المملكة، ويدعم وحدتها، ويُثري تواصلها مع العالم، بما يخدم مصلحة المغرب ومغاربة المهجر على حد سواء.
○ أخيرًا، أود أن أسألك، كيف تنظرين إلى راهن القضية الفلسطينية؟ وما المطلوب لتجسيد التضامن مع الشعب الفلسطيني في معاناته اليومية مع العدوان الإسرائيلي الغاشم؟
• القضية الفلسطينية ليست فقط قضية شعب يسعى إلى التحرر من الاحتلال، بل هي أيضًا قضية كونية تتعلق بالحق والعدالة وكرامة الإنسان. ما حدث ويحدث في قطاع غزة، من تدمير ممنهج واستهداف للمدنيين العزل والأطفال والنساء، ليس فقط جريمة حرب، بل وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.
هذا النزيف المستمر، الذي يعدّ أطول صراع في التاريخ المعاصر، يكشف هشاشة النظام الدولي حين يتعلق الأمر بالقيم التي يدّعي الدفاع عنها، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي حقيقي. إن ما جرى من مجازر في غزة، وما يجري في الضفة الغربية والقدس، ليس مجرد اعتداء على شعب، بل هو استباحة لروح الإنسانية، وللمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
من هنا، فإن دعم القضية الفلسطينية واجب لا يسقط بالتقادم، وهو مسؤولية جماعية تتحملها كل النخب السياسية والمجتمعات المدنية، خصوصًا في العالم العربي. أما النساء، فقد كُنّ دومًا في الصفوف الأمامية لهذا النضال، ليس فقط باعتبارهن ضحايا لهذا العنف الممنهج، بل أيضًا كفاعلات في المقاومة، وفي الحفاظ على الهوية، وفي بناء الوعي الشعبي.
لقد أثبتت المرأة الفلسطينية أنها رمز للصمود، وأنها قادرة على تحويل المعاناة إلى قوة، والدموع إلى وعي نضالي. ومن واجبنا، كنساء ناشطات في الحقل السياسي والمدني، أن نُبقي هذه القضية حية في وجدان شعوبنا، وأن نُصعّد الترافع من أجلها في المحافل الإقليمية والدولية، لأن فلسطين ليست فقط قضية حدود، بل قضية كرامة إنسانية، وعدالة تاريخية، وضمير عالمي.