خذوا التجربة ولو من الصين: حساب الآخر في دعم التوحيد السلمي للسودان
د. الصادق الفقيهخذوا التجربة ولو من الصين: حساب الآخر في دعم التوحيد السلمي للسودانجاء في الأثر الكريم أن طلب العلم والسعي في تحصيله مطلوب، ولو بلغت المسافة بُعد الصين القصية وموقعها الطرفي في الذاكرة الجغرافية. وتلقي الخبرة والمعرفة الصينية، بالنسبة لنا في السودان، لم تعد فقط أمر دين سبق، وإنما هي تفاعل حاضر يتجلي في أكثر من بادرة، ويتأكد بعدد من الإتفاقات وبروتوكولات التعاون، آخرها ما كان من أمر وفود حزب المؤتمر الوطني إلي الصين الجديدة ، وسعيه لنقل تجربة الحزب الشيوعي فيها، خاصة جانب البناء التنظيمي وما يتصل منه بإدارة حركة المجتمع والدولة.وللتذكير، تحسن الإشارة إلي أن علاقة الصين بالسودان، وبكل تياراته السياسية ونظمه الحاكمة، لم تضطرب أبداً. إذ كفل لها التاريخ بعض الخصوصية، منذ أيام مملكة كوش وحتي مقتل الجنرال غوردون، وحركة عدم الإنحياز، ومواقف السودان التي دعمت حق الصين في مقعدها بالأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، ومكافأة الصين للسودان بتأييد مواقفه أو رد بعض الكيد عنه في المحافل الدولية. وتعززت بعلاقات تعاون ثنائي في كل المجالات. وقد كان لي شخصياً شرف قيادة بعض وفد السودان إلي المحادثات الثقافية بين البلدين، إبان زيارة الرئيس البشير الأولي للصين في كانون الاول (ديسمبر) عام 1990، والتي تمخضت، في جزء منها، عن إتفاق ثقافي إشتمل علي تدريس اللغة الصينية في السودان، وتدريس العربية للصينيين في جامعاتنا، وتأهيل فرقة الإكروبات السودانية بإعتبارها تخليدا حيا للإبداع الفني الصيني، ثم صعدت هذه العلاقات، مؤخراً، بمصالح اقتصادية بائنة. ورغم سعادتي الشخصية بالإنجاز، إلا أن الحرج الحقيقي، الذي وقعت في براثنه كمستشار إعلامي لرئيس مجلس قيادة الثورة وقتها، تمثل في خطل البروتوكول الصيني والسوداني، الذي أصر القائمون عليه أن أترأس وفداً ضم في عضويته الأستاذ أحمد عبدالحليم، الذي صحبنا كمستشار تجاري… تصوروا! والأستاذ حسن عثمان رزق، الذي كان وكيلاً لوزارة الشباب والرياضة، وأنشط اعضاء الوفد في تحصيل منافع وزارته، لمجرد أنني حصّلَت منصباً أعلي من منصب من رفعتهم عني سنهم ومعارفهم وتجاربهم وكسبهم السياسي، فالأول في مقام أستاذي في المعرفة العامة، والثاني أستاذي حقاً، وأتأدب لكليهما بالإحترام وأدب التلميذ الذي يخشي إرتفاع نبرة صوته عندما يتحدث في حضرتهما، بالإضافة إلي حشد من الإعتبارات التي لايمكن تجاوزها، في الطبع والعرف السوداني، لهذا تكامل إنجاز مهمة التفاوض بإعترافي وقبولي لقوة حضورهما ودفعهما وإرشادهما وعون آخرين.ولست هنا بصدد تعداد الموجب والواشج بين الأواصر التي توثق هذه العلاقات، ولا الإفاضة في شرح وتبيان أفضالها ومحاسنها، ولكنها لازمة ضرورية لعقد المشابهة، إذا كان التماثل هو مطلب القاصدين إلي نقل التجربة. ففينا مخزون من التراضي والتواضعات وعلو الآخر بالسن والسبق والمعرفة والخبرة، وبما في ذلك التجربة الحزبية السياسية الوطنية، يجب أن نستغله ونستفيد منه ونستنفده تدعيماً للمصلحة العامة، وعندها سنتأكد أن في الصين ما يستحق أن ينقل كذلك، بما في ذلك تجربة الحزب الشيوعي الصيني، ولأن فيها ما يمكن أن يستفيد منه المؤتمر الوطني وغيره في السودان. وحتي لا يستغرق مشفق علي تناسق الإتجاه الوطني نحو الديمقراطية، نقول إن في مضامين الإنتقال التي تشهدها الصين، بثقل مكوناتها وحشد إمكاناتها وكثافة سكانها وتعقيدات نظمها، ما يمكن أن يعين المؤتمر الوطني خاصة في الإنتقال المطمئن من فكرة الحزب الجامع إلي مجرد حزب حاكم يشاطره بعضهم، وينافسه آخرون ينتظرون دورتهم في الحكم، أي أن التجربة الشمولية التي حكمت الصين عقوداً متطاولة لم تعد هي الفاعلة في الحياة السياسية هناك، إذ أوجد الحراك التنموي الداخلي والإرتباط المتناغم مع العالم حقائق جديدة لا بد من التوفر علي ملاحظتها والتعمق في دراستها، لمن أراد حقاً نقل التجربة الصينية.ومن أمثلة هذه الحقائق، الفسحة في حرية التعبير الثقافي، والمزاوجة في الاقتصاد بين رأسمالية تنمي المبادرات الفردية وإشتراكية تحمي الحق العام، والتأهيل المقصود لقدرات المجتمع وإعانته علي التنقل والتحصيل وإكتساب المعارف الحديثة. ومربط مقالنا وموضوعته هي حقيقة إعتراف الحزب الشيوعي الحاكم، الذي كان شمولياً، بغيره من القوي الفاعلة في المجتمع، وبما فيها بالطبع الأحزاب السياسية. ولا يوجد دليل يجمل كل هذه الحقائق ألمع وأشمل من ما صرح به السيد هو جين تاو ، الرئيس الصيني وأمين عام الحزب الشيوعي الحاكم، عندما قال إنه يأمل في مواصلة الأحزاب الديمقراطية والغرف الصناعية والتجارية والشخصيات غير الحزبية إبراز مساهماتها ولعب دورها في تنمية البلاد. وذلك في كلمة ألقاها السيد تاو خلال حفل أقامه الحزب الشيوعي الصيني 24/1/2006، تكريماً لشخصيات من خارج الحزب الشيوعي الصيني، بمناسبة إقتراب عيد الربيع التقليدي الصيني، حيث أشار إلي أن الأحزاب الديمقراطية، والغرف الصناعية والتجارية، والشخصيات غير الحزبية، قدمت في العام الماضي إلي الحزب الحاكم الكثير من الإقتراحات والملاحظات القيمة ولعبت دوراً هاماً في دفع التنمية والحفاظ علي الإستقرار ودفع عملية التوحيد السلمـــــي للبلاد.وما أحوجنا في السودان الآن إلي أكثر الكثير من الإقتراحات والملاحظات، ومن كل القوي الوطنية الفاعلة، التي يمكن أن تلعب دوراً هاماً في دفع التنمية والحفاظ علي الإستقرار ودفع عملية التوحيد السلمي للبلاد . علما بأن التجارب الأخري قد لا تعكس بالضرورة صورة واضحة وجلية عن جوهر الحقيقة، إنما هي ملمح عام عن أنواع الممارسات التي عايشها الإنسان الآخر تحت ظروف خاصة، وبشروط مختلفة، وتنزيل لشعارات سياسية تتفق مع الواقع المحلي وتتلازم مع أحكامه ومقتضياته. ولكن الذي يمكن لكل ذلك، وبمبدأ عام لا خصوصية فيه، هو الحرية والديمقراطية، التي يجب أن يتمتع بأصل الحق فيها الجميع. ومن ثم الجد في تنمية قدرات الوطن والمواطن، والحرص علي صون أمنهما، بتضافر الجهد الجماعي. ويختلف، تسهيلاً للأخذ بالأسباب، توصيف المنهج وطرائق بلوغ مقاصده بناء علي معطيات كل دولة تسعي للتغيير الإيجابي والإصلاح الديمقراطي، الذي لا يتخلف عن الوفاء بإستحقاقاته أحد.ومما أتته الصين في حديث تجاربها، مبدأ الشفافية التامة في مناقشة كل أمور الدولة، التي تستتبع إقرار الحرية السياسية، وإن لم تبلغ بعد حد الكمال، في ظل حزب حاكم ما زال يرث بأمجاده مفاصل سلطة القرار، غير أنه بدأ يستمع لـ الإقتراحات والملاحظات من غيره، وفي هذا مقدمة لإعمال الشفافية . وقد نشرت الصين حديثاً قائمة طويلة بمن أفسدوا من قيادات الحزب الشيوعي الصيني، وأخضعتهم للمساءلة وعرضتهم علي المحاسبة. وربما يكون لدينا في منظومة قيمنا السودانية ماهو أقوي من إرث الصين في إقامة القسط وتدبر أمر العدل وكبح جماح الفساد، ولكن لا بأس من التأسي بالتجربة العملية والإلزام الفعلي والقانوني، لأن القيمة عندنا ما تزال معلقة في جماليات المثال، … وما أجمله من مثال لو لامس بحكمته الواقع.ومعلوم أنه بالإضافة إلي تشجيع الآخر علي الإسهام الإيجابي في إستقامة الدولة، لا يصح في عرف الديمقراطيات الغربية، التي تقترب منها الصين ولا تنوي التماثل معها، حجب حتي مشاكسة الآخر، وليس من حق أي جهة، مهما كانت، حظر نشاط حزب أو منع إشهاره أو معاقبة زعيم الحزب أو أي من أعضائه، علي موقف سياسي. وفي الصين لا يتدخل القانون في محاسبة المسؤولين إلا إذا أُتهم أحدهم باستغلال النفوذ أو المنافع العامة للدولة في مصلحة شخصية، وعندها تكون المحاسبة للمسؤولين علي كافة المستويات عسيرة، احتراماً لسيادة القانون من قبل الدولة وقوامته علي الأفراد والمسؤولين.هذه المباديء، وغيرها، يجب أن تكون محل تأكيد دائم من المسؤولين السودانيين والآخرين الناشطين بالمؤسسات الحزبية والسياسية بمختلف إنتماءاتهم وإتجاهاتهم وسابق خبراتهم لأن الشيء الذي يجعلنا نجزم بأن الديمقراطية الحقيقية في السودان لها جذور تستوجب الإستنهاض والتفعيل المؤسسي، في السياسة والحكم، هو الطبع السمح الذي يَجُبُّ الخلاف في لحظة الواجب، والأريحية الاجتماعية التي تذيب الفوارق وتصلح الخصومات وتتجاوز بالصفح عقد السياسة وتعاقداتها. وإستدامة الديمقراطية، إن هي تنزلت بكامل أشراطها العدلية، يجب أن يحميها شعب واع بحقوقه؟ وواجبه ضمن نطاق مسؤولياته؟، ودولة تحترم هذه الحقوق وتسهر علي تعزيزها وصيانتها بالمؤسسية والشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد.9