قبل سنوات تم انتدابي لإمارة حملة دعوية في قرية صغيرة نائية من ضواحي عاصمة دولة عربية، كانت الحملة تتضمن المبيت أسبوعا في مسجد القرية، والاجتماع بأهلها القرويين وترغيبهم بقراءة القرآن وتدارسه معهم، كان توقيت الحملة في فصل الشتاء، أصعب الفصول وأبعدها عن قلبي، فأنا كائن صيفي بامتياز، ولم تكن تلك القرية تمتلك أيا من وسائل التدفئة الحديثة، فأهلها لا يدفأون سوى بإشعال النار في الحطب، الأمر الذي يتعذر فعله داخل المسجد الغارق في الصقيع، وما زاد من مرارة الأمر أن جل اجتماعاتنا داخل المسجد كانت في نشوة الفجر لانتظار يقظة الشمس فينصرف الأهالي بعد ركعتي الضحى. في احدى الحلقات القرآنية ودرءا للملل اقترحتُ على المجموعة التي كنت أدارسها اختراع طريقة فعالة للحصول على الدفء داخل المسجد لفك حصار هذا البرد القارس الذي التحف أجسادنا، فبدأ كل فرد منهم بطرح آرائه، حتى وصل الدور إلى فتى صغير على أعتاب الحلم، فتشجع بتغلبه على الصمت وحداثة السن، فطرح علينا رأيا غريبا مستهجنا بأن نقوم مهرولين داخل المسجد طلبا للدفء، فتصاعدت ضحكات الجالسين وضجت عالية مشفوعة بنوبات سعال على صبيانية فكرته، وتقاسموا رأيه تحقيرا واستسخافا، وطالبوه بالتزام صمته، فكيف نستمرئ تدنيس حرمة مسجد بفعل جنوني كهذا، فندتْ على وجه الصبي المسكين نظرة قلق زادته انكماشا وقنوطا، وقرأتُ الحزن في عينيه من هول السخرية. بعد دقائق وأمام ناظرينا قفزت هرة إلى حرم المسجد من طرف أحد الشبابيك، فنهضنا سراعا لإخراجها، فلما رأت جموعنا الهادرة زادها ذلك نفورا، وبدأت تموء مستغيثة وتزمجر غاضبة كزئير كالسباع، وأخذت بالركض داخل المسجد بخفة الريح ونحن نهرول وراءها كسرب حمام مذعور، نتقافز في إثرها من زاوية لأخرى، وتلاطمت أمواج صراخنا واختلطت بصراخها، وعدونا حتى انقطعت أنفاسنا، وتصببت عرقا أجسادنا، فلم نزل كذلك نهرول خلفها حتى أخرجناها بعد جهد وعناء، وتحول المسجد بسبب تلك الهرة الناشزة إلى سوق ذي ضوضاء، وغدا كأنه ميدان عدو للسباق، وأنا أركض مع الراكضين ارتسم على صفحة عقلي ووعيت في قرارة نفسي بأن الله اطلع على نقاء سريرة ذلك الفتى فأراد بدخول تلك القطة إلى المسجد أن ينتصر لرأيه فيعلمنا درسا ويلقننا عبرة عملية نراها بأم أعيننا، مفادها احترام آراء الآخرين مهما صغر شأنهم في أعين البشر، وعدم السخرية منها مهما كانت وضيعة في نظر الآخرين، وعظم جريمة استسخاف واستخفاف آرائهم مهما تباسطت، فقبل لحظات تفاكهنا من رأي غلام صغير لا خبرة له في الحياة، لكننا هرولنا كما قال داخل بيت من بيوت الله رغما عن أنوفنا دون أن نحس ونشعر. فهل من مدرك يا مثقفي البشر.معاذ فراج – الأردنqmn