خذيني إلي موتي دعوة جريئة لإعادة طرح الأسئلة

حجم الخط
0

زياد خداش يخرج من شرنقة الأدب الفلسطيني المحافظ:

نادية عيلبوني

في مجموعته القصصية خذيني إلي موتي والصادرة في عام 2005 عن دار الماجد في رام الله، يحاول زياد خداش الدخول إلي عالم القص من أبوابه الخلفية والسرية. وهو ـ ربما ـ يتقصد التجوال في الدروب الأكثر وعورة والأكثر خطرا لاجتياز حدود مفخخة بكل ما هو قابل للاشتعال. وهو أيضا، يبدو مصرا علي اختراق تلك الحدود وتمرير جميع حمولته علنا وعلي مرأي من كل المفتشين، وكأنه يرفض أسلوب تهريبها أو إخفائها تحت طي من الكلمات أو المشاهد التي تحتمل التأويل ليتمكن من مخادعة قوائم الممنوعات الكثيرة والمتنوعة في واقعه. قصصه الأربع عشرة التي حملتها مجموعته، ملأي بالتحدي الاجتماعي والإنساني. وهي نصوص متمردة خارجة عن المألوف بالرغم من أنها تنهل من مورد الواقع، هذا الواقع الذي تعيد تشكيله مخيلة الأديب المتحررة إلي حد كبير من كل ما هو سائد من قيم، أو هو بالأحري يفضح ذلك السائد والمتعارف عليه ليكشف مقدار البشاعة والقسوة والنفاق التي يرزح تحت وطأتها هذا الواقع. يتضح هذا التوجه لدي الكاتب في عديد القصص التي تضمنتها مجموعته مثل: بعينين باردتين و غرف للانتظار و خذيني إلي موتي و رقصتها الأخيرة و لا بأس فأنا هنا أنا هنا. في هذه القصص تحديدا يحاول خداش استعارة العلاقات الداخلية المتشابكة والشائكة للحياة التي يعيشها مجتمعه من طقوس الحب والجنس. ويبدو أيضا أن الكاتب اختار هذا الأسلوب ربما لينقل صورة التفسخ الاجتماعي والشذوذ والفساد بأساليب مبتكرة وغير مألوفة ومستفزة، في الآن نفسه. انه علي أية حال، ينأي عن الظهور بمظهر المحايد الذي يعرض أبطاله وشخوصه دونما تدخل، بل نراه يتحدي بما درج علي تسميته فلسطينيا بالثوابت متقصدا استفزاز عقل القارئ ومخيلته. ولا شك أن هذا الأسلوب المليء بالجرأة والاستفزاز من خلال الاستعانة بالاستعارات الجنسية والذي يفتتحه خداش، يكاد يكون جديدا علي الأدب الفلسطيني الذي لا يزال أدبا محافظا في عمومه. وهو أسلوب يذكر إلي حد بعيد، بما درج عليه الأديب التشيكي ميلان كونديرا الذي غالبا ما لجأ إلي مثل تلك الاستعارات الجنسية في رواياته بقصد فضح واقع التفسخ والفساد الذي عاشته تشيكوسلوفاكيا تحت حكم الشيوعية. يبدو هذا لدي خداش، بصورة أوضح، في قصة بعينين باردتين هذه القصة التي أراد من خلالها الكاتب عرض مظاهر الفساد بصورة مستفزة ووحشية، وهو يوجه عبرها صفعة قوية لنموذج الموظف الفاسد الذي يستغل منصبه في ممارسة علاقاته الجنسية داخل مكتبه من خلال استعراضه لمشهد مضاجعته لصديقته فوق مكتب هذا الموظف ـ المدير الذي هرب مع اجتياح الدبابات االإسرائيلية للمدينة. وهو يريد أن يوحي بطريقته اللاذعة عن عمق الاغتراب الذي يستشعره في هذا الواقع حتي وهو يمارس الجنس مع صديقته علي المكتب ذاته. أما في قصة لا بأس فأنا هنا أنا هنا فإن الكاتب يصور مشهد سفاح المحارم (الأخ وأخته) ليرمز ربما إلي إهمال المجتمع وحاجاته والتعدي علي حرمته الحقيقية من قبل من يفترض بهم حمايته. وهو في قصة غرف للانتظار يفعل الشيء ذاته ولو بطريقة مختلفة إلا أنها أيضا موحية، فنلمس رغبة الأديب التي تصل إلي حد الجنون في أن يعري مجتمعه وناسه من قشرة الرياء فالعري الذي يراه الأديب في الشارع أو في البيت هو من المشاهد الرمزية التي تعبر عن الحاجات الملحة للتقدم باتجاه الشفافية والصدق والرغبة في قول الحقيقة التي يأبي البوح بها من هم حوله إلي حد اتهامهم له بالجنون.

صورة الوطن بما هو علاقات إنسانيةالمكان ـ الوطن لا يكتسي لدي خداش ذلك الطابع التقليدي. كما أنه لا يتخذ قيمته وقدسيته علي اعتبار أنه وطن الكاتب، بل ان أهميته تنبع من صورة العلاقات الإنسانية البريئة والحميمة والعميقة في روح الكاتب. فنجد أن الحدة الأقرب ما تكون إلي الوحشية في القصص التي أتينا عليها سابقا تتهادي وترق لتصير أكثر شفافية دون أن تفقد نهمها إلي الحياة، إلي الحد الذي يتجرد المكان من كينونته أرضا إلي صيرورته علاقات إنسانية حميمة. وهذا لا يعني أبدا أن السرد القصصي لدي الكاتب يصبح في هذه الحال، أقل جنونا، بقدر ما يمكننا القول، أنه يندغم أكثر فأكثر في حال من الشجي الإنساني الأكثر عمقا. فيغدو دفء الذكريات الحميمة للأمكنة مدوخا إلي حد الترنح والسقوط كما في قصة شتاء في قميص رجل والتي تبدأ في اليوم الأول لدخوله الصف كمدرس لطلاب الصف العاشر. عندما يكتشف شيئا فشيئا معرفته واختباره لهذا المكان الذي ينداح أمامه في قمة التلة. ففيه يتذكر أدق تفاصيل الطفولة التي جمعته مع سامر وهيفاء. يتكثف المكان ـ الوطن بحرقة مع ضياع ورقة هيفاء التي تحمل اسم من ستتزوجه عندما تكبر. هيفاء تحمل ورقتها وتخبئها في التلة وعندما يتراكض هو وسامر لمعرفة اسم أي منهما يسمعان أصوات الطلقات ويشاهدان الجرافات الإسرائيلية وهي تأتي علي التلة استعدادا لتحويلها إلي مستوطنة. يستعيد زياد صورة المشهد وتندلق الذكريات الحميمة وضياع الاسم والملامح في صورة المستوطنة. وهنا نجد معنيين مجسدين للوطن لدي جيلين مختلفين. ففي الوقت الذي يتحسر الأهل علي الجبل المسروق كمكان لهم، يتحسر هو وصديقه علي الورقة التي كتبت فيها هيفاء اسم من ترغب به زوجا للمستقبل والتي ضاعت في ذلك الجبل. الصورة الثانية التي تجسد معني الوطن لا تقف فقط عند حدود الطفولة وأحلامها المسروقة لدي الكاتب بل تتعداها إلي صورة الشباب والمراهقة التي عبر عنها خداش في قصة الطيون والجنود وأنا في هذه القصة يستوقف جنود الاحتلال زياد ليتخذوا منه درعا بشرية للإيقاع ببعض الفدائيين الذين من المتوقع مرورهم من المكان الذي احتجز فيه. وهم عندما يأمرونه بالانبطاح أرضا ورغم حالة الخوف من أن تصيبه رصاصات الفدائيين، فانه يبقي متيقظا إلي الحد الذي يتنبه فيه الي أنه منبطح فوق نبتة الطيون التي يحبها، وتقوده رائحتها علي الرغم من توقع موته في تلك اللحظة إلي لحظة أخري أكثر غزارة، إلي حبه الأول، عندما كانت حبيبته تشترط لحصوله علي قبلة ساخنة أن يقطف لها مائة ورقة من ورق الطيون. يتأسف زياد علي اضطراره لسحق تلك النبتة أثناء اضطراره للانبطاح فوقها بأمر من الجنود. كما أن الكاتب لا يتردد في نقل حالة الاغتراب التي يعيشها في وطنه من كثرة ما تعرض للتنكيل علي أيدي هذا القوات يتجلي هذا في قصة بعينين باردتين. يقول الكاتب أراني غريبا عن مدينتي، وغير مبال بصرخاتها، وأتخيل الجنود الغزاة وفدا أجنبيا يعبر عن إعجابه بمدينتي علي طريقته الخاصة، أو أراه فريق كرة قدم لدولة مجاورة، يستعرض مهارته قبل المباراة بنصف ساعة.

حضور مكثف للمرأة:

ومن اللافت أيضا في كافة قصص المجموعة هو هذا الحضور المكثف للمرأة. فهي حاضرة بقوة سواء أكانت أختا أو أما أو حبيبة أو حتي تلك المرأة المطرودة باختيارها من جنة القناعة البيتية. نماذج كثيرة من النساء يزيح عنها خداش البرقع الزائف للعادات والتقاليد التي تمحو صورتها الحقيقية وتشوه مشاعرها. ويتضح موقف الكاتب من المرأة في كافة قصصه تقريبا وعلي وجه الخصوص في: حكاية المرأة التي هربت ذات خريف وقصة غياب الأخت. ففي الأولي يتحدث خداش عن بحث المرأة عن الحرية علي الرغم من كل ما توفر لها من الأسباب المريحة في حياتها ـ الزوج المحب والأولاد والبيت الذي تسوده كل أسباب الرفاه، إلا أنها تترك كل هذا فجأة ودونما مقدمات وتغادر البيت ليس وراء حب جديد بل بحثا عن حريتها. أما في قصة غياب الأخت فإن المرأة تتحول لدي القاص إلي حاجة ملحة بسبب غيابها. والحاجة هنا للمرأة لا تتصل بحاجة الرجل إلي المرأة الزوجة أو الصديقة أو الحبيبة، بل المرأة الأخت. ويعبر الكاتب عن هذه الحاجة من خلال وصفه لحال الحيرة والاضطراب اللتين تنتابانه من هذا الغياب للعنصر النسائي في البيت وأهمية وجوده: ما زلت أحلم بأخت متوسطة الجمال، ذكية وعنيدة تكبرني بعشر سنوات علي الأقل، غامضة وصامتة، تأتي متأخرة للبيت فاترك لها الباب مواربا تواطؤا معها، فتتسلل بأقدام حافية إلي غرفتي ـ غرفتها، وهناك في عمق العتمة والرعب، أسمعها تبكي بصمت، فأقترب منها، وأضع يدي علي يدها ولا أتكلم، فتنحني علي رأسي الصغير، تتحسس شعري، فتبلل رموشي بدموعها وينام بجانبي سؤال: لماذا تبكي أختي في الليل؟. قصص خداش القصيرة ومن خلال مجموعته خذيني إلي موتي، تأخذنا معها في جولة ممتعة وموجعة في آن معا، ممتعة لأنها تطوف بنا في دروب الحياة بصدق تستحقه الحياة. وموجعة لأنها تستطيع أن تجعلنا نتوقف أمام الأسئلة المرة والصعبة التي يضطر الفلسطيني إلي ترحيلها إلي أجل ما بعد الاحتلال، دون أن يدرك أن الإجابة عليها في وقتها هو ما يجعل قضيته غزيرة بالمعاني والدلالات. كاتبة وصحافية فلسطينية مقيمة في فييناَQmk

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية