«خذ الكتاب لتراكَ» لإلياس فركوح .. الانتماء للحياة لا الكتب

■ اللافت في كتاب إلياس فركوح «خذ الكتاب لتراكَ رفوف، وجوه، قراءات» ــ دار أزمنة 2017 ــ الجانب السيري والنقدي فيه، لا لحضورهما الواضح، فمن الطبيعي في كتاب، يكتبه روائي وقاص، أن نجد حضورا للسيرة، لاسيما الجانب المتعلق بالكيفية التي يتعامل بها الكاتب مع الكتب، وطبيعي أن يظهر موقفه النقدي من بعض الكتّاب، ولكن للمغزى الكامن في إشاراته السيرية والنقدية في الكتاب. وهو مغزى كامن لأننا قد نعامله بحسن نية فنرى أنه مع المكتبة والكتب والكتابة، وقد نؤوله فنجد فيه شيئا آخر. يتضمن كتاب فركوح ثلاثة أقسام، أولها مخصص للمكتبة، وثانيها للكتّاب، وثالثها للكتابة.

رفوف

تظهر إشارات إلى تعامل فركوح مع الكتب الزائدة، وإلى الكتاب الإلكتروني، وإلى الإعارة، وإشارة عابرة إلى السرقة. أما الكتب، فإنه يعود، سنويا، إلى الزائد منها، فيهديه إلى المكتبات، حتى لا تسمن المكتبة، وتفقد تنظيمها. وهو يقول إن المكتبة يجب أن تكون منظمة، وأن تُراجع باستمرار، فيجري التقديم والتأخير؛ لأنها تشبه الحياة الشخصية، التي تتغيّر أولوياتها، تقدما وتراجعا، بتقدم العمر والوعي، فالمكتبة صورة لصاحبها، تعكس خبرته في الحياة ووعيه، ولا يحسن أن تكون صورة جمعية عن الثقافة أو المكتبة والكتب، وما يجب أن تكون عليه؛ لأنها في هذه الحالة تسيطر على حياة صاحبها، وتمنعه من الفعل الثقافي المطلوب منه. وعن الكتاب الإلكتروني وقرصنة الكتب – وقد يبدو ذلك غريبا صدوره من ناشر- يظهر فركوح موقفا فيه قدر من المرونة، ولا يرفض شيوعه، ويرى أنه يتيح للقارئ العربي الكتاب، وقد لا يملك المال لشرائه، أو الوقت للسعي وراءه.
أما إعارة الكتب المعروفة بين المثقفين، وفيها حافة تصل إلى السرقة الضمنية، فمن يستعير كتابا يضمر الاحتفاظ به، في نوع من السرقة الأقل كراهة من السرقة التقليدية، وإن كانت كلتاهما- الاستعارة بنية السرقة والسرقة – مشروعة، في عرف ثقافة تبادل الكتب والاستحواذ عليها، فهذه عند فركوح معمول بها، مع ما فيها من مخاطر ضياع الكتاب، ووسم صاحبه بالسذاجة والغباء، حسب مقولة: غبي من يعير كتابا، وأغبى منه من يرجعه، الشائعة بين المثقفين، فهو يعير الكتب لأنه يريد أن يشيعها، وتلك غاية نبيلة ندركها من سطح الكلام، ولأنه يريد أن يخفف منها، أو يتخفف، وتلك غاية ضمنية تُفهم من سياق الكتاب. ومثل السماح بالإعارة والقبول بقوانينها الضمنية، ومنها ألّا يعاد الكتاب إلى صاحبه، نلقط إشارة إعجاب بفعل سرقة الكتب، يذكرها فركوح، في تعليقه على سرقة مخطوط كتاب لماركيز من متحف أُعد لأعماله، ويحسبها منجزا لماركيز، يضاف «إلى ما أنجزه خلال حياته (إذ) أثار انتباه لصوص المقتنيات الثمينة، إلى كتاب الأدب، بوصفه مادة ثمينة تستحق السرقة»، فأن يقدم لص على سرقة كتاب، فإنه إنما يجعل الكتاب في خانة اللوحة، فيرتفع به من مجال المهمل والثانوي إلى مجال الثمين والمُقدَّر. وتضمر الإشارة هذه، شأنها شأن الإشارات السابقة: إهداء الكتب، وقرصنتها وإعارتها، تهديما لصرح المكتبة المعنوي، الذي يشيده، ويشيد به، الكتّاب والمثقفون عادة، ويحرصون على التباهي به، فالأفعال، تلك، فيها سعي إلى التخفيف من الكتب، والتخفف منها، وتضييق مساحة المكتبة وحدودها.

يقول فركوح عن كتاب «دليل الاستخدام» لفيروز التميمي – مثلا- إنه «كتاب مضمخ بالحياة على هيئة الحياة. كتاب ينز حياة، لا تعتريها ويعتريه عكازة الكذب».

وجوه

تحت هذا العنوان يأتي للكتّاب الذين يفضلهم فركوح، ومنهم أدمون عمران المالح المغربي اليهودي المهاجر إلى فرنسا. وإذ نتساءل عن سبب تفضيله أدمون، فهو «حيوية الفكر وتجدده، وإرادة الكشف للحق، ومعايشة الحياة لا بالمعاينة والرصد عن بعد، بل بالانخراط والاشتباك». وثمة إشارة يوردها فركوح في سياق مقاله عن أدمون، لها قيمة في سياق يدركه فركوح الناشر، هي أنه بدأ الكتابة في الثالثة والستين، أي إنه لم يكن حريصا على النشر، ومراكمة الكتب والتفاخر، وإثخان المكتبات بها. ومثل أدمون غالب هلسا المفضل للسبب ذاته، فقد «لحم الحياة التي عاشها بالكتابة التي أنتجها». ومثلهما محفوظ الذي كسر عزلة الفن النخبوية وغرسه في الواقع، فالقاعدة الحياة، والاستثناء الانتماء إلى المكتبة. وما يبقى من أولئك المُستثنَين الذين نقدرهم لسبب ما، فسيكون علينا أن نصطنع لهم سيرا. ذلك شيء أفهمه من المقالة المكتوبة عن إدوار الخراط، وثمة صلة بين إلياس وبينه، تعود إلى تقديره لطريقته في الكتابة ربما، والمقالة، خلافا لغيرها المكتوبات عن أدمون أو هلسا، تميل إلى اقتراح سيرة متخيلة له، تعتمد على عناوين كتبه، مع إشارة تبدأ بها المقالة، تقول إنه كان مصابا بالزهايمر في آخر أيامه، فلم يكن يسمع هتافات الثوار المصريين في ساحة التحرير القريبة من بيته، ولم يكن يعلم أن ثورة هبت في 25 يناير/كانون الثاني 2011. نهاية رمزية لقارئ التهم مكتبات عمومية كاملة، وعاش بينها، واخلص لها، كما يجد من يتتبع الخراط، وكاتب الكتابة الخالصة، التي تخلص لنفسها على حساب الواقع والحياة.

قراءات

ويأتي القسم الأخير «قراءات»، وهو عن الكتابة، وفي اختيار كتّابه، موقف نقدي معلن يستمد من معياري: الانتماء إلى الحياة، وكم الكتب. يقول فركوح عن كتاب «دليل الاستخدام» لفيروز التميمي – مثلا- إنه «كتاب مضمخ بالحياة على هيئة الحياة. كتاب ينز حياة، لا تعتريها ويعتريه عكازة الكذب». وعن كتاب أمجد ناصر «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» يقول: إنه كتاب يوميات يوثق حياة الحصار في بيروت بلا تزويق أو تزوير. أما عن سعود قبيلان فيقول: له «خمس مجموعات قصصية… عبر تسع وعشرين سنة. وهو مع جميلة عمايرة لا يكترثان، خلافا للكثرة من المنخرطين في مراكمة إصداراتهم العددية في هذا الجنس الكتابي، إلا بقياس المسافة الواجب أن يقطعاها، والتي رسماها باختيارهما، بين مجموعة قصصية وأخرى تليها».

فقط الحياة

ونختتم بإشارة من إشارات فركوح، تلك التي تأتي في سياق حديثه عن بورخيس، وتصوّره المكتبة معادلا للعالم في فوضاه وغموضه، وضياع المعنى منه. وقد يكون مجيء بورخيس في الكتاب مُضلِلا القارئ، وحائلا دون وصوله إلى الغاية الضمنية منه؛ فغالبا سيظن القارئ الكتاب منسوجا على نهج يقدّس المكتبة والكتاب، وسيجعل قراءته ظلا من ظلال كتابات من هذه النوع معروفة عند البرتو مانغويل، وعند بورخيس. وكلاهما، بغض النظر عن فحوى قصة بورخيس، تستعين بالكتب، وتستمد قيمتها وتأثيرها في النفوس من قداسة الكتب، وهيبة المكتبات. أما الإشارة فهي أن بورخيس قد اكتمل عماه في اليوم الذي صار فيه مديرا لمكتبة بوينس آيرس، التي قضى معظم حياته فيها عاملا وقارئا. وتُفهم إذا عدنا إلى إشارات الكتاب السابقة إلى أن المكتبة يمكن أن تقتل صاحبها، وأن على الكاتب أن ينتمي إلى الحياة، ويمدحها، لا إلى الكتب، ولا إلى المكتبة؛ لأنها مدار وجودنا الرمزي، فبها نحن مبصرون وأصحاب سير حقيقية، وبها نستطيع الثبات والدفاع عن أنفسنا ومقاومة احتمالات المحو، التي تزداد بزيادة قوة المحتلين والمستعمرين والطغاة، وزيادة انسحاب المثقف والكاتب. ربما أفهم الكتاب أكثر بالعودة إلى تجربة فركوح في النشر والقراءة والكتب وبمرجعيته الثورية الفلسطينية. والأكيد أنني أجد فيه محاولة لإعلان الانتماء إلى الحياة تُعزز بالقول النقدي، ما سبق أن قاله مرات متعددة بالقول السردي.

٭ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية