خرج البشير بعصاه السحرية ورقصاته وترك سودانا رهنا لثورة غير مكتملة وقوى خارجية تتربص

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

يمر السودان بمنعطف تاريخي بعد الانقلاب الذي قاده الجيش في 11 نيسان (إبريل) 2019 على نظام عمر حسن البشير الذي حكم البلاد على مدار 30 عاما.

ولم يتحرك الجيش إلا بعد أن طرق المحتجون بابه، فقد ظل متماسكا وراء البشير منذ اندلاع التظاهرات في مدينة عطبرة في 19 كانون الأول (ديسمبر) احتجاجا على ارتفاع أسعار الخبز. وتطورت تلك إلى تظاهرات شعبية عمت كل أنحاء السودان قدم فيها البشير تنازلات ودعا السكان إلى الصبر وقدم الوعود وذكرهم بماضيه الصعب وكيف عانى ابن القرية الصغيرة على نهر النيل من مصاعب الحياة عندما سقط سنه وهو يعمل في البناء، ولكنه واظب على العمل ودخل سلاح المظللين قبل ان يقود انقلابا دعمته الحركة الإسلامية في السودان عام 1989. ولم تنفع حيل البشير ولا عصاه السحرية ورقصاته أمام الجماهير في منعهم من التجمع أمام مقر قيادات الجيش في الخرطوم. ورغم أنه فرض قانون حظر الطوارئ وحل الحكومة والبرلمان إلا أن الجماهير التي أصبحت الآن تسير حسب تعليمات تجمع المهنيين السودانيين، أصبحت أكثر صلابة في مطالبها وباتت تريد رأس البشير تحديدا وتفكيك نظامه. وهو ما قدم لمؤسسة الجيش تحديات واسعة حيث انضم في الأيام الأخيرة للبشير جنود وضباط إلى المتظاهرين أمام مقرات الجيش وفتحوا أبوابها لحمايتهم من محاولات قوات الأمن فض الاعتصام من أمام مقرات الجيش. فمنذ بداية الانتفاضة أو الثورة مارس الأمن قمعا واسعا بدعم من الميليشيات التي شكلها البشير طوال سنوات حكمه لحماية نظامه. وليس غريبا أن يستقيل أو يقال مدير المخابرات السودانية صلاح قوش، بعد يومين من الإطاحة للبشير ويوم واحد من استقالة قائد الانقلاب أحمد عوض بن عوف الذي يبدو أنه لم يكن مقبولا للولايات المتحدة والقوى الإقليمية التي سيحدد التنافس فيما بينها مستقبل السودان.

قوى الخارج

ووعد القائد الفعلي للبلاد الجنرال عبد الفتاح البرهان بـ “اقتلاع النظام” السابق ورفع الرقابة ومنع التجول الليلي الذي لم يلتزم به المتظاهرون والإفراج عن كل السجناء السياسيين. وهي وعود تقدم الطمأنينة للمتظاهرين وتضع أساسا للسودان القادم، إلا أن الوضع لا يزال غامضا، فوسط الرقصات والاحتفالات المستمرة والمليونيات التي يدعو إليها تجمع المهنيين السودانيين لم تكتمل الصورة بعد، فيما بدأت دول الجوار بالتحرك لجس نبض النظام الجديد وفيما إن كان مواليا لها ويخدم مصالحها أم لا. وبدأ النظام الجديد بحملة تطهير طالت رأس القضاء والإعلام وشقيقين للبشير، ونقل الرئيس السابق نفسه إلى سجن كوبر الأمني. ولم يكشف بعد عن توجه النظام الجديد الذي قدم تطمينات للقوى الخارجية والقيادة المدنية التي تطالب بتغييرات جذرية وحكومة من التكنوقراط تقود البلاد في المرحلة الانتقالية التي حددها بيان الجيش الأول بعامين ثم تراجع وقال إنها رهن التقدم في العملية السلمية. وتبدو قيادة الجيش مرتبكة وتعاني على ما يظهر من تحالفات وفصائل تعكس الانقسام الجيوسياسي الذي أصبح علامة العالم العربي بعد انتفاضات الربيع عام 2011 فإما مع الثورة المضادة التي قادها محور السعودية-الإمارات-مصر أو الداعمة للجماهير وبالضرورة الإسلاميين في تصنيف المحور الأول والذي تتهم قطر وتركيا بدعمه. وهو ما ألمح إليه تقرير في مجلة “فورين بوليسي” (12/4/2019) إلى أن تنحي بن عوف السريع يقترح أن جماعات داخل المؤسسة الأمنية لا تزال تتصارع خلف الأضواء على السلطة. وأشاروا إلى فصيلين، واحد يضم مسؤولين لهم علاقة بالسعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وكان من بينهم بن عوف ومدير الاستخبارات السابق صلاح قوش. أما الفصيل الثاني فيضم أشخاصا لهم علاقة بتركيا وقطر فيما يرى المراقبون أنه امتداد للأزمة الخليجية في السياق السوداني. وتقول سوزان ستيغانت، مديرة برنامج أفريقيا في معهد السلام الأمريكي: “لا أحد متفق على من سيكون في السلطة أو خارجها” و “هناك مخاطر من تصعيد العنف داخل هذه الفصائل”. وحذر بيتون نوف، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي عمل في السودان إن على الولايات المتحدة التركيز ومنع انتقال التنافسات الإقليمية إلى السودان. وقال “السيناريو الكابوسي هو زرع المعسكرات في الشرق الأوسط في الوضع السوداني”، وأضاف أن الولايات المتحدة لا تستطيع حل الأزمة بنفسها ولكن عليها قيادة إجماع دولي يقود إلى حكومة مدنية. وحاول البشير قبل أشهر من الإطاحة به عقد محادثات مع القطريين والسعوديين لتقديم الدعم الاقتصادي له، وحاول التلاعب على الخلافات الإقليمية، حسبما قالت الباحثة في الشؤون السودانية ويلو بيريدج بجامعة نيوكاسل. وقالت إن الضباط العسكريين الذين يحكمون السودان يحاولون نفس لعبة البشير.

دعموا الجيش لا الشعب

 ويرى جورجيو كافيرو من موقع “لوب لوغ” (15/4/2019) أن عملية التحول السودانية لن تتم بدون لاعبين خارجيين-حلفاء الخرطوم العرب وتركيا والقوى الغربية إذ يحاول كل طرف التأثير على الظروف الحالية والحصول على وعود جيدة له. ورغم مطالب الدول الغربية بتحول سلمي إلى السلطة وحكومة ديمقراطية إلا أن السعودية والإمارات ومصر سارعت بدعم الجيش السوداني وليس طموحات المواطنين السودانيين. ويرى كافيرو أن السعودية والإمارات ومصر كانت قلقة من العلاقات القوية والمتزايدة بين الخرطوم وأنقرة والدوحة. ففشل الرباعي إقناع السودان الانضمام لحملة الحصار على قطر في منتصف عام 2017 تؤكد رغبة نظام البشير الحفاظ على علاقات قوية مع كل دول الخليج. ويمثل خروجه فرصة للمجموعة التي تقودها السعودية ضد الثورات العربية التي قد تزيد من ضغوطها على السودان لكي يبعد نفسه عن الدوحة وأنقرة. مثل أن يقوم هذا الرباعي بالطلب من الزمرة العسكرية الحاكمة وقف التعاون السوداني-التركي في تطوير ميناء سواكن وبناء قاعدة عسكرية تركية في منطقة البحر الأحمر التي تحولت إلى ساحة منافسة دولية وإقليمية خاصة. واعتمدت أبو ظبي والرياض على الجيش السوداني في الحرب ضد الحوثيين في اليمن حيث استخدمتا الجنود السودانيين كوقود في الحرب وتقليل الخسائر بين قواتهما. إلا أن المشاركة السودانية في الحرب كانت سببا في زيادة السخط ضد نظام البشير. وتخشى الدول المضادة للربيع العربي من ولادة موجة ثانية من الانتفاضات بعد نجاح المتظاهرين بالإطاحة برئيس الجزائر والسودان في شهر واحد. ومن هنا فستحاول السعودية والإمارات والسعودية منع تحرك السودان باتجاه يهدد مصالحها. ولهذا فهي مهتمة بدعم الرموز العسكرية التي أبعدت نفسها عن الإسلاميين مثل صلاح قوش الذي تعاون مع المخابرات الأمريكية في السابق. وربما واجهت الثلاثي ردود أفعال عكسية خاصة أن المواطنين في السودان تبنوا التغيير الديمقراطي في البلاد ولن يرضوا بالضرورة بالتدخل الأجنبي في بلادهم. ولم يمنع هذا الإعلام المؤيد للثورة المضادة كقناة “العربية” مثلا من نشر الأخبار عن استقبال قادة الجيش وفدا سعوديا وإماراتيا ورفضهم مقابلة وفد قطري. فيما كتب سيث فرانتزمان في صحيفة “جيروزاليم بوست” (18/4/2019) بنفس الطريقة ومتحدثا عن “نكسات” تركية وقطرية في كل من السودان وليبيا التي أعلن جنرالها المارق حربا على الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس بدعم مالي وعسكري من الإمارات والسعودية ومصر. ويعتقد فرانتزمان أن مصر والإمارات تقتربان من بناء علاقات تأثير تاريخية في السودان. وترتبط هذه التكهنات بالضرورة بالنظر إلى التغيير في السودان إن كان “ديكوريا” أم حقيقيا كما اقترحت مجلة “فورين بوليسي” (11/4/2019) خاصة أن حركة الجماهير ليست لديها قيادة كبيرة من الأحزاب المعارضة وليست هناك شخصية واضحة يمكن أن تتقدم لقيادة الحراك وتسلم السلطة واستطاع الجيش احتكار المجال حتى الآن.

لا أحد يعرف ما يجري

وكما لاحظ تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” (16/4/2019) فوسط النشوة والرقص والمهرجان الاحتفالي أمام مقرات الجيش لا أحد يعرف عما يدور في ذهن القادة الجدد للسودان فـ” بعيدا عن رقصات المتظاهرين وداخل بوابات مقرات الجيش لا يزال حماة البشير الأشداء يسيطرون على البلاد. ويدير الرجال الذين مروا بتجارب صعبة وأصبحوا مرادفين للحرب والفساد، حوارا حساسا مع قادة غير معروفين لهذه الثورة الشبابية غير المكتملة. ولا يعرف أحد من الطرفين من هو العدو أو الحليف ولهذا فعدم الثقة واضحة خاصة بين المتظاهرين الذين يخشون من خداع الجنرالات لهم وانتزاع النصر وعرقلة العودة للحكم المدني”.

وتتراوح التكهنات بالثورة هذه بين الكابوسي مثل مصير الثورات العربية السابقة، والمتفائل بمستقبل متصالح يشبه تجربة جنوب أفريقيا. ولاحظت الصحيفة أن الأحداث تسير باتجاه المتظاهرين بسبب تردد النخبة الحاكمة وتراجعها عن قرارات اتخذتها. لكنها لاحظت تردد المجلس العسكري عن تعيين الجنرال محمد حمدان (حميدتي) نائبا لرئيس المجلس. وارتبط حميدتي بأحداث دار فور. وأصدرت السعودية، الحليف القوي لحمدان بيانا ثمنت تعيينه. وبعد يوم شوهد الجنرال وهو يصافح القائم بأعمال السفير الأمريكي في الخرطوم ستيفن كوتسيس. أما قائد الحكومة الانتقالية الجنرال عبد الفتاح البرهان فله علاقات مع السعودية التي تقدم للسودان البترول المدعم. وكان البرهان حتى وقت قريب يقود كتيبة سودانية تقاتل في اليمن تحت قيادة التحالف السعودي. والسؤال الدائر هو عن من سيكون في مركز السلطة وإن كان مجلسا عسكريا يتمتع بسلطة فيتو على رئيس الوزراء المدني؟ وترى الصحيفة أن المحادثات ستمتحن وحدة المتظاهرين. فقد استبعد الجيش الأحزاب الإسلامية التي كانت عربة البشير إلى السلطة وحزب المؤتمر القومي ولم يتم تمثيل الجماعات في دارفور.

لا لسرقة الثورة

وكل هذا يدعوهم للحذر وأن لا يسمحوا بسرقة الثورة كما سرقت الثورات الماضية. والسؤال الذي طرحه سايمون تيسدال في صحيفة “أوبزيرفر” (13/4/2019) عن قدرة الثورات على مواجهة الديكتاتوريات. ومن الواضح أن قيادة الجيش تواجه تحديا مختلفا وجديدا، فالثورة في السودان تمثل المهنيين والطبقات المتوسطة والشباب، وحركتهم ليست دينية أو أيديولوجية بالمطلق. ويعرف قادة الجيش أن التفاوض مع المتظاهرين يعني خروجهم من السلطة وما يتبعه من عدالة انتقامية كتلك التي تنتظر البشير المعتقل. ومن هنا فالحركة السودانية الديمقراطية تريد التخلص من النخبة العسكرية والأمنية وكذا تجنب تدخل الحكام الأقوياء الأجانب. وأمامها جبل عال لتسلقه لكي تتجنب الوقوع في الخديعة مرة أخرى. وفي النهاية لن ينهي سقوط البشير كل مشاكل السودان المتفاقمة منذ عقود، فانقلاب 11 نيسان (إبريل) هو الخامس الذي يشهده السودان منذ استقلاله عام 1957. وثار السودانيون من قبل وسبقوا دول الربيع العربي لكنهم فشلوا في ثوراتهم المتكررة ضد البشير لأن النفط ووعود السلام حالت دون اكتمال الثورة. وربما انتهت رقصة البشير لكن نظامه لا يزال باقيا والتخلص منه يقتضي التخلص من مؤسساته وشبكاته التي ساعدته على البقاء وبدون هذا سيظل مستقبل السودان معلقا بين إرادات الجيش وطموحات الخارج. وسيتعرض القادة في مقبل الأيام لمساومات اقتصادية، نفط ومال من الخليج وضغوط لتسليم البشير المطلوب للجنائية الدولية في ملف جرائم دار فور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية