نيكيتا خروشوف
دشّن الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف 1894-1971 عهده الجديد منذ عام 1953 بمراجعة نقدية لحكم ستالين، والتنديد بأساليب القمع وكبت الحريات، والإعلان عن برنامجه في الإصلاح، وتغيير السياسة الخارجية نحو الانفتاح على العالم، وإرساء دعائم التعايش السلمي.
في ظل سياسة الانفتاح، بدأت المحاولات الأولى للمطالبة بإعادة تقييم الواقعية في الأدب والفن، ومواجهة التعسف المستتر خلف قناع (الاشتراكية) ليس بمعزل عن الأحداث الجديدة، فثمة جيل جديد وجسور وهادئ، بدأ بمواجهة الجمود الذي يلبس رداء الفن والأدب، هذا الجيل حرم نفسه من تذوق الجديد باسم المعايير الضيقة للواقعية، فاتجه نحو الوعي بالمشاركة في خلق وتجديد الإنسان لنفسه، باعتبار أن هذا الوعي أرقى أشكال الحرية. وهكذا أتيح للفنان التشكيلي في (الاتحاد السوفييتي) أن ينقل أدواته إلى مكان يشعر بمتعة الوجود فيه، أبعد وأعمق إيغالا في التجربة الإنسانية، حيث هناك شمس صغيرة تبزغ، يلتقط فيها غريزة اللون التي أصابها النضوب.
أقام عدد من الفنانين التشكيليين الروس الذين تأثروا بالتيارات الجديدة في الغرب، معرضاً تشكيلياً للرسم، في موسكو عام 1962 وصف أنه طليعي، ضم عدداً من الأعمال التي تنتمي لأساليب رسم حديثة، وبمواد مختلفة، لم يألفها الجمهور سابقاً، منها تجريدية وتعبيرية وبموضوعات ذات توهجات ورؤى وأحلام خفية.

إحدى مفاجآت المعرض، زيارة الرئيس خروتشوف أثناء الافتتاح، أو ما بعده، وعرف عنه أنه ولد لعائلة فلاحية فقيرة، ثم أصبح عاملاً في أحد مصانع الحديد والصلب، ومقاوماً للاحتلال النازي الهتلري، أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن المفارقات المثيرة أن خروتشوف، وأثناء دخوله المعرض، كان بمواجهة عمل للفنان نيزفستني، تأمله سريعأ، وقطب حاجبيه، وسرعان ما وصف العمل بامتعاض، إنه (منحط) وتابع القول: هذا الرسام لا يستحق منا سوى أن نمنحه جواز سفر للذهاب فقط، دون عودة لبلد (الاشتراكية) واتهمه بتشويه تاريخ الشعب السوفييتي، لم تصدر عن الفنان أي ردود أفعال سلبية، إنما التزم نيزفستني الصمت، لم يكن أمامه غير ذلك، وفي داخله سخرية مريرة، جاهد أن لا يعلن عنها أمام الرئيس.
وتجدر الإشارة إلى أن نيزفستني، كان أحد الشباب الذين التحقوا بالجيش الأحمر عام 1942 وعمره 17عاماً، وقاتل قوات الاحتلال الألماني دفاعاً عن وطنه، ثم درس الرسم في موسكو وريكا، وسرعان ما اكتسب عمله كرسام ونحات اعترافاً وطنياً ودولياً، وهاجر إلى نيويورك في الولايات المتحدة عام 1976 متذرعاً بالاختلافات الجمالية مع النظام، وقام هناك بتدريس الفن في جامعات متعددة، بما في ذلك روما وجنيف واستوكهولم، واستمر في العمل حتى وفاته عن عمر يناهز التسعين عاماً.
المثير في الأمر، أن خروتشوف أجبر على الاستقالة عام 1964 واعتكف في منزل ريفي قدمته له الحكومة حتى وفاته في 11 سبتمبر/كانون الأول عام 1971 ولم يدفن في مقبرة قصر الكرملين في الساحة الحمراء، إسوة برفاقه من الزعماء السوفييت، وتختلف الروايات بشأن النصب الذي أنجزه نيزفستني، أمام قبر خروتشوف، يعلوه الرأس المنحوت بالمرمر، بناءً على طلب العائلة، ورواية أخرى تقول إن النحات فاجأ كريمة خروتشوف، وهي زوجة رئيس تحرير جريدة «الأزفستيا» آنذاك، باتصال هاتفي رفضته في بادئ الأمر، ثم اضطرت لقبوله بعد إلحاح شديد، وقدم لها الرأس المنحوت، مع عبارة (هدية النحات المنحط) .

كان نيزفستني نحاتا يمتلك تجربته المتقدمة بين الفنانين الروس، انطلق عما يثري تجارب الفنانين الكبار في بلده، واستطاع ان يحيي هذا التراث بجدارة ومهارة، والمتأمل لتمثال خروتشوف، يجد فيه لحظة سلام وراحة، ولا يسع المرء الواقف أمام النصب، إلا الإحساس بجمال العمل، وقوته الهادئة. ربما أراد النحات أن يشارك زعيمه عمق اللوعة حين يذهب للموت طائعاً، لأن الماضي لم يعد يسكنه، بعد أن لملم أوراقه وانطوى في زاوية منسية، مثخناً بذكريات مؤلمة.
في ذاكرتي أنا، احتفظ لخروتشوف مناسبتين، الأولى تعود إلى عام 1960 عندما نزع حذاءه وراح يضرب به على الطاولة، في مواجهة رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان، في جلسة للأمم المتحدة، عند مناقشة المقترحات بشأن الحد من التسلح، فضجّت القاعة بالضحك٭، وعندما سأل أحد الصحافيين الرئيس السوفييتي، عن دوافع حركته هذه، أجاب أنه أراد ان يوقظ النيام في القاعة! والمناسبة الثانية تعود إلى عام 1961 عندما إنطلق الروسي (يوري غاغارين) نحو الفضاء لأول مرة في العالم، حينما تعالت أصوات الحشود في مظاهرات بشوارع بغداد (خروشيف نادى بالسما ماكو زعيم إلا كريم!!!)
٭ ٭ يذكر الدكتور خليل عبد العزيز في كتابه (محطات من حياتي) ان الحكومة السوفيتية، دفعت غرامة مالية قدرها 10 مليون دولار، فرضتها الامم المتحدة، جرّاء خرق أنظمتها، والتجاوز على هيبتها.
كاتب عراقي