خروج من الأوسكار بقرار سياسي: الجنة الآن الفيلم الرابع في قائمة إسرائيل السوداء!
خروج من الأوسكار بقرار سياسي: الجنة الآن الفيلم الرابع في قائمة إسرائيل السوداء!القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: المرة الوحيدة التي سمحت فيها لجنة التحكيم الخاصة بأفلام الأوسكار بمشاركة فيلم عربي في المسابقة الرسمية وصعوده إلي القمة أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها. فمنذ اللحظة الأولي لترشيح الفيلم الفلسطيني الجنة الآن للمخرج هاني أبو أسعد للجائزة وأصوات الرفض والاحتجاج بوسائل الإعلام الصهيونية لم تهدأ، ولعل الأغرب في هذه الحملة هو الانطلاقة من القاعدة السياسية بمحاولة نفي وجود دولة فلسطينية من الأصل، ومن ثم لا يجوز اعتبار الفيلم فيلما فلسطينيا برغم هوية مخرجه وجنسيته معولين في انتفاء الصفة وإسقاط الجنسية علي كون الإنتاج أو التمويل هولنديا ـ فلسطينيا مشتركا، وعليه يتعين من وجهة نظرهم نسب الفيلم إلي هولندا لأنها جهة التمويل الرئيسية، وهذه هي في الحقيقة تكئة ضعيفة وحجة واهية تهدف بالأساس إلي حرمان الفيلم العربي من المشاركة العالمية وهذا هو موطن الداء وبيان القصد في الحملة المسعورة ضد هاني أبو أسعد وفيلمه وجائزة الأوسكار فإسرائيل لم تعد تحتمل مزيدا من التعبئة السياسية لوجدان وضمير العالم للتعامل مع القضية الفلسطينية العادلة بآليات مختلفة، غير تلك التي تقوم علي التأثيرات الدعائية للميديا الصهيونية باعتبار المقاومة النبيلة عملا إرهابية والاستشهاديين مجموعة من الانتحاريين الجهلاء .. وهذه هي الفكرة التي تتمحور حولها الأحداث في فيلم الجنة الآن إذ يقف هاني أبو أسعد علي حدود التماس بين هذا المفهوم الصهيوني الغربي والرؤية العربية القومية الإنسانية التي تري أن المقاومة عمل استشهادي تفرضه حتمية الصراع غير المتكافئ بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، يضاف إلي هذا المعطي المنطقي العقيدة الإيمانية لدي الفلسطينيين بأنهم أصحاب الحق في الأرض والوطن والمواطنة، وأن الوجود الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية هو آية من آيات الاحتلال السافر الذي يستوجب المواجهة بكافة الأسلحة وبذل الغالي والنفيس، حتي وإن كانت الروح والدم وهذا البعد اليقيني هو الذي أثار حفيظة الدولة الصهيونية وجعلها تطلق ألسنة اللهب في وجه الفيلم ومخرجه وتخلق رأيا عاما ضد الرؤية الإبداعية لمصادرة حقه في الفوز..وبالعودة للوراء قليلا نجد أن إسرائيل لعبت هذه اللعبة ضد أفلام سابقة كان لها نفس الدوي مثلما حدث مع فيلمي مملكة الجنة و آلام المسيح فالأول استفزها لأنه يقدم صلاح الدين بوصفه شخصية مثالية تتمتع بلياقة سياسية وسماحة دينية والثاني كشف النقاب عن جرائم اليهود ضد السيد المسيح واستنكر ممارسات التعذيب التي مورست عليه، وقد دفع المخرج ميل غيبسون ثمنا فادحا إزاء هذه الجرأة ولا يزال موضوعا في البلاك ليست حتي الآن، حيث تطارده اجهزة الدعاية المضادة في كل الاحتفاليات والمناسبات الدولية.. ونظن أن هناك أكثر من هذه الأدلة الثلاثة علي عنصرية الصهاينة واللوبي اليهودي داخل المؤسسات الإنتاجية الأمريكية، وربما يكون فيلم قائمة شندلر حجة أخري تضاف إلي الأدلة الثلاثة السابقة لتأكيد الحقيقة الراسخة المبرهنة علي عدم حيادية إسرائيل وازدواج معاييرها.و بالنظر في ماهية فيلم الجنة الآن ومضمونه الإنساني والسياسي نجد أنه يطرح وجهتي النظر محل الخلاف في سبل المقاومة ضد المحتل وموقف البعض من العمليات الاستشهادية من خلال بطلي الفيلم خالد ، سعيد وهما من عموم الناس ولا علاقة لهما بالأيديولوجيا السياسية أو الدينية، غير أنهما يستشعران الظلم والقلق ويعانيان من ضيق ذات اليد، خاصة أنهما يعملان في ورشة لإصلاح السيارات بمدينة نابلس ويضيقان بأسلوب صاحب الورشة معهما، وهنا يمكن تفسير الخلفية الاجتماعية لأحوال الشابين بأنها الدافع وراء قبولهما القيام بالعملية الاستشهادية التي كلفوا بها من قبل زعيم التنظيم، ولكن في اعتقادنا وحسب قراءتنا للأحداث لم يكن الاضطهاد دافعا وحيدا وراء إقبال البطلين علي الشهادة بالجسارة التي بدت واضحة في تصرفاتهما والبساطة شديدة في التعامل مع آليات التنفيذ والإذعان التام لتعليمات القادة، بل الذي كان أكثر وضوحا هو ذلك الإيمان الفطري والعميق بالحق المغتصب وإدراك فوارق القوة بين جيش الاحتلال والمقاومة الذي يحتم اختيار الشهادة واللجوء إلي التضحية بالنفس كحل موضوعي للمواجهة وسبيلا وحيدا لتعويض النقص في القوة والعتاد.. وقد اشار هاني أبو أسعد لذلك في ديالوج استمر حوالي خمس دقائق بين البطل سعيد والفتاة الثرية التي حاولت إثنائه عن تنفيذ العملية وخلع الحزام الناسف، إذ كانت تري أن تفجير النفس ليس حلا للقضية فالأجدي هو استمرار المقاومة المسلحة وفق خطة استراتيجية بعيدة المدي، وبين الشد والجذب في الحوار المتصاعد بين الطرفين كانت تنجلي رؤية المخرج الذي صار ممزقا بين الخيارين أو هكذا وضع نفسه مكان المواطن الفلسطيني البسيط، فضلا عن تأكيده علي هذا المعني في تصويره لحيرة البطل الثاني خالد أثناء البحث عن صديقه ومحاولته التأكيد للقادة أن سعيد ليس خائنا ولا يمكن ان يبيع القضية.كل هذه التداعيات مثلت الكثير من المراجعات والتساؤلات حول أهمية العمليات الاستشهادية وموقف الذات الإنسانية المجرد منها ولكنه لم ينزلق هاني أبو أسعد في نفس الوقت في خطيئة رفضها وإن كان ألمح في مشهد القسم الذي أداه البطلان أمام كاميرات الفيديو وهما يحملان الكلاشينكوف ومن خلفهم عدد من القيادات يتناولون الساندويتشات إلي المسؤولية الإنسانية التي يتحملها هؤلاء القادة وهم يدفعون زهرات الشباب الفلسطيني للإقبال علي الموت وهم غير مكترثين وأتصور أن هذا المشهد هو الأكثر إثارة للجدل لكونه يحمل معاني مختلفة يمكن تفسيرها ضد المخرج في حالة سوء الظن أو لصالحه لو افترضنا أنه يدافع عن حق الشباب في البقاء محافظة علي النوع طالما يتحملون هم وحدهم عبء وشرف المقاومة طلبا للشهادة وطمعا في الجنات والخيرات والحور العين، فيما يقبع الآخرون خلف الستار يكتفون بالتخطيط والتدبير وممارسة طقوس الغسل والطهارة لعرسان الجنة الموعودة.يترك أبو أسعد المعاني مفتوحة مطلقا للمشاهد حرية التقييم دون أن يقطع بقبول أو رفض العمليات الاستشهادية ويقنع بتداخلاته وإيحاءاته الشعورية المثيرة للتعاطف مع الأبطال الاستشهاديين والمؤيدة أحيانا لفكرة المراجعة والميل لمبدأ استمرار المقاومة المسلحة والبطء في تنفيذ عمليات التفجير الاستشهادي.و لعل المشهد الأخير للبطل سعيد الذي تمسك بقناعاته في الإصرار علي تفجير نفسه مدفوعا بإلحاح الماضي القديم الذي تركه والده الذي تمت تصفيته لأسباب غامضة وكان مفسرا لقصدية المخرج والسيناريست من ضرورة التمييز اليهود المدنيين المسالمين والصهاينة العسكريين، لاسيما وأن البطل رفض ركوب الحافلة التي كانت تقل يهودا مدنيين بعد لحظات من التردد، فيما صعد دون تفكير الحافلة الإسرائيلية التي أقلت جنود وضباط عسكريين ملفوفا بالحزام الناسف.. وعندئذ ركزت الكاميرا علي عينيه الشاخصتين في الوجوه والأشخاص ونزلت النهاية وبقي الحكم للمشاهد كي يختار بنفسه ما يراه مناسبا دون أن يملي عليه المخرج رأيا يحصر القضية في زاوية أحادية، وبذلك تصبح فلسفة الطرح استنتاج قابل للمداولة والجدل. 2