خسائر الحرب تهدد الاقتصاد الإسرائيلي بالتوقف عن النمو

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

اعتمدت إسرائيل منذ نشأتها على استخدام الحرب ضد جيرانها وضد الفلسطينيين سلاحا للحصول على المساعدات الخارجية بكل أشكالها، ولتعبئة الموارد المحلية إلى أقصى حد ممكن. كما لعبت الحرب كذلك دور المحرك لتعزيز التماسك السياسي الداخلي. ونظرا لأن الحروب التي فرضتها إسرائيل على المنطقة كانت في معظمها قصيرة وخاطفة، فإنها لم تعان اقتصاديا بسبب تلك الحروب وإنما تربحت منها وزادت قوتها. الأمر هذه المرة يختلف، وقد أخطأت إسرائيل الحسابات عندما اعتقدت أنها يمكن أن تخوض حربا قصيرة خاطفة في غزة. الحرب التي اتسعت في غزة والضفة ولبنان أظهرت أن إسرائيل تواجه الآن تكلفة اقتصادية متزايدة لم تكن تتوقعها، على الرغم من التحويلات التي تحصل عليها من الخزائن الأمريكية المفتوحة، ومن الصندوق القومي اليهودي، ومن تبرعات الجاليات والبنوك والمؤسسات اليهودية، خصوصا في الولايات المتحدة التي تقيم فيها أكبر جالية يهودية في العالم بعد إسرائيل. قبل الحرب بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في عام 6.5 في المئة عام 2022. وفي العام الأول 2023 هبط معدل النمو إلى 2 في المئة فقط، أي ما يعادل أقل من ثلث معدل النمو المحقق في العام السابق. في الأشهر الأولى من العام الحالي كان تقدير صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الإسرائيلي سينمو بمعدل 1.6 في المئة، لكن مؤسسات التصنيف الائتماني التي خفضت درجة الجدارة الائتمانية لإسرائيل مرتين هذا العام، قالت في الأسابيع الأخيرة إن معدل النمو الاقتصادي المتوقع بنهاية العام الحالي من المرجح أن يهبط إلى أقل من التوقعات. وذكرت تقارير موديز وستاندرد آند بورز أسبابا كثيرة لتفسير هبوط النمو. وكان أهم هذه الأسباب أن تكلفة الحرب تجاوزت التقديرات الحكومية بكثير، وأن الحرب لا تلوح لها نهاية في الأفق، ما يزيد من تعقيدات عدم اليقين. في الربع الأخير من العام الماضي على سبيل المثال تضاعفت تكلفة الحرب تقريبا. أيضا فإن تخفيض التصنيف الائتماني أدى لارتفاع مخاطر الاستثمار والتمويل الأجنبي. وتوقعت ستاندرد آند بورز أن يتوقف النمو ليصل إلى الصفر في العام الحالي. كما خفضت توقعاتها للنمو في العام المقبل إلى 2.2 في المئة وهو ما يقل عن نصف التقدير السابق الذي كان نموا بنسبة 5 في المئة. وعلى الرغم من تضاؤل توقعات النمو، فإن تخفيض أسعار الفائدة غير مطروح على الطاولة خلال العام المقبل بسبب ارتفاع أسعار المستهلكين، وضعف الشيكل الإسرائيلي والسياسة المالية التوسعية لتمويل الحرب، وفقا لتوقعات البنك المركزي.
ومع ذلك فإن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش زعيم حزب الصهيونية الدينية الإرهابي قلل من مصداقية توقعات مؤسسات التصنيف الائتماني، قائلا إن الوضع الاقتصادي قوي، وانه بمجرد أن تنتهي الحرب ستكون إسرائيل في وضع أقوى، وأن الأولوية الآن هي لمواصلة الحرب بصرف النظر عن التكلفة. كما وعد سموتريتش بزيادة موارد الميزانية لتمويل الحرب وتقليص العجز من خلال فرض مجموعة من الإجراءات المؤقتة التي تسهم في تغطية احتياجات التمويلية تشمل زيادة الضرائب، وتقليل الإنفاق الاجتماعي، وتجميد المرتبات والأجور لمدة عام. ومن المقرر أن تبدأ الحكومة الإسرائيلية اجتماعات لمناقشة مشروع ميزانية الدولة العام 2025 في نهاية الشهر الحالي. وكان سموتريتش قد تعهد في الشهر الماضي بالانتهاء من مناقشة الميزانية في الحكومة بالفعل بحلول بداية تشرين الأول/أكتوبر، وتمرير قراءتها الأولى في الكنيست بحلول منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، وتمريرها لتصبح قانونا بحلول نهاية كانون الأول/ديسمبر. ومن المتوقع أن تعترض الميزانية عقبات سياسية كثيرة بسبب مطالب أحزاب الائتلاف الحكومي. على سبيل المثال فقد كرر رئيس حزب يهود التوراة التهديد الذي أطلقه في الشهر الماضي بأن حزبه سيعارض الميزانية ما لم يتم تمرير مشروع قانون جديد يمنح معظم الرجال «الحريديم» المؤهلين إعفاء من الخدمة في الجيش الإسرائيلي. ومن ثم فإن العقبات التي تعترض اقرار الميزانية لا تقتصر على الصعوبات الاقتصادية وقصور الموارد فقط. ذلك أنها تواجه انقسامات سياسية حادة، وسعي أحزاب الصهيونية الدينية إلى حصد مكاسب لمصلحة لتجمعاتها الانتخابية ومنظماتها الأهلية، ما يعطل فرص الاتفاق على التخفيضات في الإنفاق التي طلبتها إدارة إعداد الميزانية، وتؤكد عليها مؤسسات التصنيف الائتماني ومؤسسات التمويل الدولية.

البنك المركزي يعيد
تقييم أداء الاقتصاد

تضخمت تكاليف الحرب المباشرة إلى ما يقدر بنحو 250 مليار شيكل (66 مليار دولار) منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وهناك تكاليف غير مباشرة كثيرة منها خسائر قطاعات الإنتاج بسبب استدعاء جنود الاحتياط للخدمة العسكرية، وهجرة الكفاءات التكنولوجية الأجنبية، وانخفاض الأداء في قطاعات الزراعة والتشييد والسياحة. وتعتبر صعوبة تقدير تكلفة استمرار الحرب في غزة والضفة إحدى المعضلات الرئيسية التي تواجهها الميزانية. كذلك فإنه منذ بدأ الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في نهاية الشهر الماضي زادت تكلفة الحرب زيادة كبيرة مع استدعاء المزيد من جنود الاحتياط للخدمة الفعلية وزيادة التعويضات التي تحصل عليها عائلاتهم. وقد تضمنت مراجعة بنك إسرائيل «البنك المركزي» احتمالات النمو، وتضخم تكاليف الحرب، و قصور الموارد المتاحة بسبب استنزاف الحرب للاقتصاد والقوة العاملة، إضافة إلى القيود التي ستلعب دورا سلبيا لم تفرز آثارها الكاملة بعد، خصوصا زيادة الاقتراض المحلي والأجنبي، الذي من شأنه أن يؤدي لرفع أسعار الفائدة وتدهور قيمة الشيكل الإسرائيلي.
وقال أمير يارون محافظ البنك إن التخفيضات الأخيرة في التصنيف الائتماني من قبل كل من موديز وستاندرد آند بورز قد تتطلب زيادة الإنفاق الحكومي على الديون، وبالتالي قد يكون من الضروري إجراء تخفيضات أكبر في الميزانية، حتى لا ينطلق العجز المالي خارج نطاق السيطرة. وقد أدى توسع الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى زيادة علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون الأجانب في حال الاستثمار داخل إسرائيل. وقال يارون إن «علاوة المخاطر تنطوي على ارتفاع تكاليف التمويل، في كل من القطاعين العام والخاص، ومن شأنها أن تقلل الاستثمارات وتؤثر سلبا على النمو الاقتصادي». و لضمان استمرار ثقة الأسواق المالية والمستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي، دعا يارون الحكومة إلى إحراز تقدم في تمرير ميزانية مسؤولة لعام 2025 مع التعديلات المالية المطلوبة التي يبلغ مجموعها 30 مليار شيكل، التي تمثل فجوة في تمويل الانفاق العسكري حتى الآن.
وقال يارون انه «من المهم أن توافق الحكومة والكنيست على تعديلات مالية كبيرة ذات طبيعة دائمة، على عكس الزيادة المستمرة في نفقات الدفاع، من منظور هيكل الميزانية، يجب توزيع التعديلات على أكبر عدد ممكن من السكان، ومن المهم أن تعطي الحكومة الأولوية للنفقات الداعمة للنمو، وتقلل من الحوافز السلبية للخروج إلى العمل، وتلغي الوزارات غير الأساسية». وبسبب ارتفاع تكاليف تمويل الحرب الطويلة، يتوقع البنك المركزي الآن أن تواجه الحكومة عجزا في الميزانية بنسبة 7.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي. وهذا أعلى من هدف عجز الميزانية الحكومية البالغ 6.6 في المئة. غير أن تقدير العجز المعلن بواسطة البنك المركزي لا يكتسب كثيرا من المصداقية نظرا لأن تضخم تكاليف الحرب أدى بالفعل إلى ارتفاع العجز المالي إلى 8.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في آب/أغسطس الماضي. ومنذ قرار تخفيض سعر الفائدة في نهاية آب/أغسطس، انخفضت قيمة الشيكل بنسبة 2.8 في المئة مقابل الدولار. ومن شأن انخفاض قيمة الشيكل أن يجعل البضائع المستوردة أكثر تكلفة، وهذا بدوره يغذي تضخم أسعار السلع الاستهلاكية.
ويظهر تحليل النشاط الاقتصادي الحقيقي أن الاقتصاد يواصل الهبوط إلى ما دون متوسط معدل النمو المستهدف على المدى الطويل بنسبة 3.3 في المئة. وطبقا لأرقام المكتب المركزي للإحصاء فإن معدلات النمو قد تتذبذب ارتفاعا أو انخفاضا من شهر إلى آخر، لكن المتوسط العام لا يزال ضعيفا، ويحتاج الاقتصاد إلى وقت طويل للتعافي، حتى بافتراض انتهاء الحرب في نهاية العام الحالي. وتظهر من حين لآخر علامات طفيفة على الانتعاش، كما يتضح من الزيادة في بيانات الإنفاق لبطاقات الائتمان، وصادرات خدمات التكنولوجيا الفائقة، وجمع الأموال من قبل شركات التكنولوجيا العالية عن طرح سوق التمويل. كما أن مؤشر مديري المشتريات أظهر اتجاها محدودا إلى التحسن في النشاط. هذا التباين في الأداء وسط بيئة اقتصادية ضعيفة بشكل عام كشفت عنه الدراسة الاستقصائية لاتجاهات الأعمال التجارية للشهر الماضي.

خسائر القطاع النفطي

مع زيادة انتقال المجهود العسكري للمقاومة إلى داخل إسرائيل، فإن إرباك الحياة اليومية سيتزايد، ما يعني خسائر اقتصادية أكبر بسبب ساعات العمل المفقودة. ومن الصعب في الوقت الحاضر تقدير الخسائر الاقتصادية غير المباشرة للحرب بشكل عام، خصوصا بعد التحولين الأخيرين بفتح باقتحام قوات العدوان الإسرائيلي الجبهة اللبنانية، وازدياد ضربات المقاومة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وقد تعرضت قطاعات الزراعة والتشييد والسياحة لخسائر كبيرة منذ بدء الحرب. الجديد مع العدوان الإسرائيلي على لبنان هو أن القطاع النفطي بدأ يتعرض لخسائر كبيرة، بعد أن كان قد نجح في تجنب هذه الخسائر إلى حد كبير في حرب غزة، حيث استمرت الصادرات من الغاز الطبيعي إلى كل من مصر والأردن. لكن فتح الجبهة اللبنانية أدى إلى تغيير الموقف تغييرا جوهريا في شمال إسرائيل وقبالة ساحل حيفا حيث يوجد حقل ليفياثان للغاز. ولهذا السبب فإن شركة شيفرون الأمريكية المسؤولة عن إدارة الحقل، وتملك أيضا نسبة 39.66 في المئة منه، قررت وقف العمل في مشروع كبير لمد خط أنابيب ثالث يساعد على زيادة استخراج الغاز بحوالي 200 مليون قدم مكعب، وتصدير هذه الكمية الإضافية أو النسبة الأكبر منها إلى الخارج. ويتوقف استئناف العمل في مد خط الأنابيب على ظروف الحرب ووجود الأمان الكافي للعاملين ومعدات شركات المقاولات.
وتقدر الشركة أن العمل في المشروع سيتأخر لمدة ستة أشهر على الأقل. وفي بيان للبورصة قالت شركة نيوميد، وهي وحدة تابعة لشركة ديليك الإسرائيلية، التي تمتلك حصة 45.34 في المئة من الحقل أنه «لا يوجد تأثير تراكمي جوهري على القيمة الإجمالية للتدفق النقدي المخصوم للشركاء في مشروع ليفياثان، ولكن من المتوقع أن يكون له تأثير تراكمي سلبي جوهري على التدفق النقدي المتوقع في عام 2025». وكان العمل في مشروع خط الأنابيب الثالث من قبل شركاء ليفياثان قد بدأ في تموز/يوليو 2023. أما بالنسبة للدول المستوردة للغاز الإسرائيلي فإن التأخير في مشروع خط الأنابيب الثالث يعني إتاحة كميات أقل للتصدير إلى كل من مصر والأردن. وطبقا لمصادر نيوميد فإن مصر حصلت على 75 في المئة من صادرات الغاز الإسرائيلي بينما حصلت المملكة الأردنية على 25 في المئة. وتواجه إسرائيل فجوة تمويلية بقيمة 30 مليار شيكل على الأقل، يتعين على الحكومة إيجاد مصادر لتمويلها، أما من خلال موارد محلية أو عن طريق الاقتراض من الخارج. وهي تواجه معضلة في كل من الحالتين، لأن تخفيض التصنيف الائتماني يرفع تكلفة الاقتراض من الخارج ويقلل جاذبية إسرائيل للمستثمرين الأجانب. كذلك فإن استخدام إجراءات محلية لتمويل العجز مثل فرض ضرائب جديدة أو إلغاء إعفاءات ضريبية كان معمولا بها، أو تخفيض الإنفاق العام، من شأنه أن يزيد من حدة الشعور بالآثار السلبية لارتفاع تكلفة الحرب، ويعزز حجج الدعوة إلى أولوية وقفها خشية التعرض للمزيد من الأعباء التي تؤدي إلى تخفيض مستويات المعيشة للسكان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية