خسوف الاسماعيلية للشاعر الليبي خالد المطاوع: عندما يطلع الشعر من الانقسام المر بين القلب واللسان!

حجم الخط
0

خسوف الاسماعيلية للشاعر الليبي خالد المطاوع: عندما يطلع الشعر من الانقسام المر بين القلب واللسان!

خسوف الاسماعيلية للشاعر الليبي خالد المطاوع: عندما يطلع الشعر من الانقسام المر بين القلب واللسان!القاهرة ـ القدس العربي : ـ من محمود قرني: شاعر ذو لكنة فيكتورية، لكن أسراره وقسماته عربية بامتياز، هو بالفعل كما يقول ويقول أصدقاؤه، يكتب بالانكليزية ويبدأ جملته من يسار الصفحة، لكن قلبه يكتب من يمينها، فعواصمه المترامية تعود الي طرابلس وبني غازي، وحضرموت، والقدس، والقاهرة، والاسماعيلية تلك المدينة التي نكتشف خسوفها في ديوانه، انه خالد المطاوع شاعر ليبيا في ميتشجان وشاعر ميتشجان في الانسانية علي اتساعها، والديوان هو خسوف الاسماعيلية الصادر عن دار شرقيات بالقاهرة بترجمة للشاعر نفسه، حيث صدر في طبعته الأولي بالانجليزية عام 1996.ولا معني يكمن خلف محاولة جر التجربة الشعرية لخالد المطاوع الي أرض عربية، ومحاولات التجيير التي يمكن أن تتحلق حول نوستالجيا خاصة باللغة الأم والحضارة الأم العربية بالطبع لا تعني سوي أننا نستعيد الديوان في حقول الأيديولوجيا، فيما يلهث الشاعر لتحرير كل أوابده من نيرها، غير أننا لا يمكننا أن نتجاهل ذلك الانقسام المر الذي يعانيه الشاعر بين لسانه وقلبه، ويجعله خاضعا لهذه القسمة التي تبدو قدرا منذورا، سيعاني منه الشاعر، لكنه سيكون وقوده في الآن نفسه، كما يكشف الديوان.وقد حملت المقدمة التي صدر بها الشاعر طبعته العربية الجانب الكثير من هذا الألم، ففي الوقت الذي يؤكد فيه أن قصيدته لا تخلو من تلك اللكنة الأمريكية الا أنها تطمح الي مخاطبة الضمير الانساني علي عمومه، وفي اعتراف خالد المطاوع بتعدد آباء هذا الشعر وكذلك تعدد روافده الحضارية، الكثير من الحقيقة، لكنها الحقيقة المدركة لجوهر الشعر غير النقي، الذي لا يسعي الي تشييد كاتدرائيات وكهانات جديدة، لذلك فهو الأصدق والأخلص عندما يقول عن نصه: هو ليس شعرا نقيا، وأتمني أن يكون تلوثه هو ما يعطيه خاصيته الشاعرية .وتعكس شعرية الديوان في الاجمال عددا من الملاحظات الأولية، التي يأتي في مقدمتها المأزق الوجودي لشاعر مهاجر في الخامسة عشرة من عمره، حيث تربت حواسه في أصقاع، لكنها وجدت الواقع المتعين يغاير – كلية – هذه المدركات، ومساحات الحنين الجارف للحدس الأول تبدو شديدة الطغيان داخل قصائد الديوان، وكأنه تعويض مفجع لحالة تاريخية من الفقر تجسدها تلك الملامح الطاغية للمكان، وسنعرض للعديد من القصائد التي تؤكد هذا المعني بداية من قصيدته الافتتاحية تاريخ وجهي .ولا يكاد المرء يدرك ذلك العمق الذي يتلبس تلك الشعرية في مراوحاتها الكنائية، ويصعب – في كل الأحوال – القطع بوجه واحد لقراءة النص، لا سيما اذا ما صادفنا ذلك الاستبطان العميق للتركيب اللغوي وأبعاده المجازية، وكذلك البعد التاريخي الذي – غالبا – ما يلجأ للعديد من الحيل للربط بين لحظة ماضية يبعثها الشاعر من الرماد ولحظة آنية يتأكد عبرها المأزق الموجود بثقل راهنيته، وقسوة حلوله فينا.من هذا البعد تتبدي تلك القصيدة المركبة التي تحمل عنوان الديوان خسوف الاسماعيلية وكأنها استعادة ومحاولة للكشف عن مطابقات لحظات هزيمة قاتلة تأتي من الماضي، عبر أزيز الطائرات التي دكت البيوت الآمنة في أرجاء الوطن العربي، وذلك الفضاء الفارغ الا من تثاؤبات خالية من المعني في الطريق الي الاسماعيلية، تلك المدينة التي يمكننا من ناحية أخري أن نشكك في وجودها الشعري حيث تتحول أحيانا الي مساحة من الغناء المبطن للزعيم التارجي الذي لا تتبدي علاقته المباشرة بذلك المكان، الا عبر استرجاع الاسماعيلية المدرسة والمنهج الباطني المنسوبتين للامام اسماعيل بن جعفر مؤسس طائفة الاسماعيلية، وهي الفرع المنشق عن الشيعة الامامية، والموصوف كذلك بالتطرف والمتهم بالعلمانية، واذا تأملنا ذلك البعد التاريخي الذي ينحدر منه الامام ميمون القداح ثم الامام أبي عبدالله الراعي الذي قتله المهدي، حيث لاقت تلك الطائفة امتدادا علي يديهما في منطقة المغرب العربي، بالتحديد في القيروان وما جاورها منذ عام 180 هجرية – 697م فقد كان رواجها الأكبر بين طائفة البربر، حيث كانت طريقا للتحقق بعيدا عن ظلم وجور الأكثرية، واستمساكا واستبطانا لتاريخ من الألم تكشف عنه تلك الشعرية الفياضة التي حاولت الربط بين عديد من المدركات المتباعدة، في حالة شبه استقصائية لكثير من التفاصيل التي تبدو متباعدة، لكنها تجد في النهاية حالة من الانسجام الذي يخلقه التباعد ذاته.فالقصيدة تبدأ بصورة الزعيم التارجي في احالته الي تلك الأحلام المثيرة للفضول التي لا يفصح عنها الشاعر، مرورا بالجمعة التي أخذ فيها الراوي طريقه الي الاسماعيلية، تلك المدينة التي باتت تضج بالعديد من المفارقات بداية من المخيمات العسكرية الي الماء الملوث والتزمت الديني وأموال النفط والسيارات الألمانية، ثم العودة أمام الشواطئ الملوثة بالزفت الي الطفولة وحرب الاستنزاف والشهداء الذي يطلقون علي البحيرات المرة، وطائرات العدو التي يواجهها الراوي بأغاني الحرب، يقول المطاوع: وقتها عبرنا عن مرارتنا بأغان تسخر من الأناشيد التي وعدتنا بالجنة علي أرضنا القاحلة، ولم نذكر أبدا الطائرة وصراخها الوحشي الذي مزق ستائر عزتنا الواهنة .ولا تنتهي قصيدة خسوف الاسماعيلية بذلك التاريخ الذي يعاد تعيينه، في تشخيص بيوت المستعمرين وقصر الملكة فيكتوريا التي تشاهد من شرفتها أول سفينة تعبر قناة السويس، وكأنها تعبر عن جثث من حفروها، وفي المقابل تبدو في نهاية القصيدة تلك الصورة المفزعة للرفيق الذي قضي ثماني سنوات في السجن من أجل تنهيدة في تقرير للمخابرات .أما الملاحظة الأكثر تجذرا في الديوان فهي ذلك الربط الوثيق والواعي بين الأزمنة والأمكنة وان بدا الطغيان الأكبر للمكان، فرغم البناء الشعري ذي المرجعية الأوروبية الأمريكية الخالصة، فان المكان الذي يعيش الشاعر في كنفه يبدو في غاية الشحوب والتراجع أمام سطوة مساقط الرأس التي تتعدد بتعدد التجليات التاريخية، ويتبدي ذلك في قصيدته تاريخ وجهي ، هرم خوفو ، في مطعم اليمن السعيد ، اسطنبول ، أنا مدفون في جنزور ، والعديد من القصائد الأخري التي ربما شملت الشطر الأعظم من الديوان.فتلك الأمكنة التي خصت الشاعر بدرجة كبيرة من القسوة، الا أنها تظل في مستوي الادراك، لأنها تظل بنت التجلي الأعظم أو الأسوأ لسلوك منشئيها، فتقديس المكان تقديس لناسه بعكس هؤلاء الذين يعيشون في المكان لكنهم مغرمون بكيل اللعنات له، ومن ثم يكتبون مكانا آخر، عادة ما ينساهم في خلفية المشهد.ان الشاعر في تلك القصائد يقبل أن يكون أحد أغراض المكان، ولا يتبدي مطلقا في صيغة متعالية ولا انشائية ومن ثم لا تتبدي قصيدته كموعظة ملتزمة تنشد خلق بؤرة أضخم حول الذات، يقول الشاعر في قصيدته اسطنبول 1923: لم لا تأخذ هذه الأمنية،انها لجدي الذي كان عبدافي بلاط آخر الخلفاء الذيعندما انطوت المملكة باعآلافا من الخيول والجارياتحتي عندما مات سليمان المذهل بيعت .يتبدي ذلك الشعور الساحق في التأكيد علي عدم شوفينية المكان، فهو وان كان محط الحنين الأول والتكون الخاص بين الأزل والأبد، الا أنه ليس الأفضل، ومن ثم فان اختلاف النخيل الذي يتحدث عنه خالد المطاوع في قصيدته البديعة ثالوث النخيل عن نخيل والت ويتمان في القصيدة ذاتها لا يعني منح قيمة عليا لنخيل الشاعر، لكنه، باختصار، نخيل لا يعرفه ، فبعد أن يقوم الأمريكي الضخم بتقليم نخلته تبدو كأنها مؤخرة رأس رجل بعد حلاقة قصيرة، قفاه تذكار خشن لشعر منسدل ، وتلك هي الصورة الساخرة والهزلية التي تتبقي في مخيلة الشاعر من هذا النخيل، الذي تمتد جذوره بين ليبيا والسلوم والاسكندرية والجزيرة العربية، لذلك وحسبما يقول البنيويون فهو مكان جامع له بنية مستوعبة ومستوعبة تشمل كل الطرق التي تؤدي اليه، ولأنه مكان جامع فهو متصل وكأنه في حوار لا ينقطع مع نظائره، وتتبدي خصيصة الجمع والاتصال لدي خالد المطاوع في اطار واسع من التعدد في أكثر من قصيدة من قصائد الديوان، لا سيما في تلك القصيدة الاغترابية بامتياز لسان مستعار التي تقف موقفا محيرا بين العديد من المرجعيات حتي لنكاد نتوه أي لسان هو المستعار؟ هل اللسان العربي الذي بات لغة ثانية بالنسبة للشاعر، أم هو اللسان الأعجمي الذي يتحدث به منذ ما قبل الخامسة عشرة من عمره، ويؤشر الشاعر الي هذا المعني بالكثير من الضني في مطلع القصيدة عندما يقول: ربما هي حماقةأن أمسك خيطينأحدهما أبيض والآخر أسودوأنتظر حتي الفجرلأفرق بينهماكل ما في الأمر..أنني أتبع طقسا لم أسرقهولم أستعره تلك هي الأمثولة القادمة من قلب الحضارة الاسلامية وطقوسها، فهؤلاء الأقدمون الذين يدققون آذان الفجر بمدي تحقق السواد والبياض في خيطين متجاورين، عملا بساعتهم القمرية، ربما لم يكونوا الأفضل والأمهر لكن الشاعر يتقلد، مضطرا، منطقهم ومرجعياتهم، فهو يسعي لأن يكون نفسه دون خجل، حتي ولو كان ذلك يشير بوضوح الي الكثير من العورات، لتنتهي القصيدة القصيرة بقول الشاعر: لا، أنا لا أتكبر علي لغتي،انها معطف تهديه لك أمك،أحمر كالدم، أو أزرق كالسماء،داخله مبطن بالساتان،ياقته عريضة/ تطوق عنقك بالدفءتلبسه طيلة الشتاء،ثم يأتي الربيع ولا ينتهي.هذه حكايتي مع العربية.ألبس قميصا أبيض الآن.عليه خطوط رصاصية رفيعة.زره الفوقي ضائعولكنه مريح كذلك يتبدي ذلك التواصل الانساني والموقف الحضاري جليا داخل الجمالية الشعرية في القصيدة المهداة الي الشاعرة الايرانية التي قتلها الملالي فروخ فرخ زاد التي تحمل عنوان في الموسم البارد ، وهي قصيدة تكشف عن هؤلاء الذين يبدون كأثرياء الحرب الذين يثرون علي نفقة آلاف الجثث لشهداء راحوا ضحية مواقفهم، يقول خالد المطاوع: في تكساس، نادر بور وغيرهممن ادعوا النوم معكيحاضرون عن ظواهرصورك الشعرية وموسيقي سجعك المتمردةأخوك صنع أغاني حبمن قصائدك، وباع ملايين الكاسيتات قبل مضي الشاه، ثم غني في عرس ولي العهد .أما قصيدة بالبو، طرابلس، 1938 فهي أنموذج علي مستوي آخر من الوعي بالقيمة الانسانية الضائعة، فاستعادة الصورة القبيحة للاحتلال الايطالي لليبيا، لا تعيد للأذهان عصرا كولونياليا مؤسيا، فحسب، لكنها تذكير بتلك القيم المسفوحة علي مذبح القوة الغاشمة، فيما يعكس في الاجمال الموقف الرافض والنقيض، يقول خالد في بداية قصيدته: البلاد آمنة الآن، وبامكانك أن تتمشيفي الشوارع وحدك.المجاهدون أخمدهم عزيز ياني منذ سنين.في الميدان الذي تقطعهشنقهم بالمئات ،ثم يستطرد الشاعر بعد ذلك مقدما تلك الصورة الأقبح لحضارة استعراض القوة عبر هؤلاء الخمسة الذين ظلوا معلقين علي مشانقهم، حتي يأتي طاقم سينما من روما ليصورهم في فيلم ملون تحت الاختبار، أما تلك الصورة المستعارة من الأضابير الخاصة بالشاعر فلم تتغير حتي وهو يبدو كمواطن أمريكي يرتدي قبعة ويتحدث بنفس اللكنة تقريبا، يقول الشاعر: الآن ثمة أطفال عرب يلعبون في الشارع،يرتبكون عندما يرونك.الكبار – سنا – منهم، الذين عما قليلسيلمعون أحذية مواطنيكأو يعملون كخدم لهم،يضبطون أجسادهم في تحية الفاشيست .ان شعرية ديوان خسوف الاسماعيلية ، علي لكنتها الأمريكية، استعادة حقيقية ومعمقة لاحترام الوعي المركب في النص الشعري بعيدا عن الدعوات المجانية لأطروحات ما بعد الحداثة، التي أساء فهمها الكثير من الشعر الجديد الذي يكتب بالعربية، وأنموذج خالد المطاوع ينجح في رد الاعتبار لمفهـــوم التفاصيل اليومية، التي تتجاوز مفهـوم الراهنية الي تخييل قادر علي خلق واقع مواز يملك درجة قصوي من الحلم، ومن ثم رفض التكيف ورفض التسليع الذي تسعي اليه ما بعد الحداثة في رغبتها العارمة تحويل الفن الي أداة من أدوات التسلية والترفيه.وتعد الأبنية الشعرية في قصائد مطاوع نموذجا للنمو الدرامي والسردي الذي لا تغادره الوظيفة اللغوية التي تتجاوز مفهوم الانعكاس، وربط اللغة بوظيفتها الأدائية فحسب، ومن ثم يبدو احترام الشاعر للكثير من تقاليد وأدوات انتاج الشعرية بالمعني التقليدي، غير أنه يدرك – علي مستوي آخر – معني الراهنية الذي يزرع نصه في قلب اللحظة.وربما كان ذلك كله واحدا من الاعتبارات التي تدعونا للنظر في ذلك الجهد والكدح اللذين بذلهما الشاعر في سبيل قيام هــــذا البناء الفخم، وهو ما يعيد الينـــــا قيمة كبري مفتقدة وهي احترام القــــارئ، وزرع مساحات جديدة من الثقة التي ـ بهذا المعني ـ لا تبدو نوعا من الانشاء المجاني المحايث لمفاهيم رثة عن الشعرية الجديدة التي أساءت لمساحات الحرية التي منحتها لنفسها.يتبقي القول أن الديوان الجديد لخالد المطاوع تشوبه بعض الأخطاء اللغوية والنحوية التي تكررت في أكثر من موضع، غير أنه – فيما يبدو – لم يعبأ بهؤلاء الأصدقاء الذين أهدي لهم الديوان وشكرهم علي جهدهم معه، وهو جهد ربما اقتصر علي أشياء أخري دونها القراءة والمراجعة، كذلك لم يقدم ذلك التقسيم الثلاثي الذي بدا عليه الديوان شيئا من التميز، لأنه لم يقدم مبررا موضوعيا يقوم عليه ذلك الفصل بين القصائد وبعضها الآخر في ثلاثة أجزاء متوالية.وفي النهاية لا أستطيع الا أن أدعو خالد المطاوع لترجمة بقية أعماله الي العربية تأسيا بتلك التجربة التي تثري المشهد الشعري الراهن التي يتضمنها ديوانه خسوف الاسماعيلية .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية