خصخصة العراق!
محمد كريشـــــــانخصخصة العراق! اذا ما تأكدت هذه الأنباء التي أوردتها صحيفة اندبندنت أون صنداي بخصوص توجه البرلمان العراقي في الأيام القليلة المقبلة الي سن قانون جديد يتيح المجال واسعا أمام الشركات الأجنبية لاستغلال النفط وبنسب أرباح فاحشة، فان ذلك لا يمكن أن يعني سوي أن هذه الطبقة السياسية الجديدة في البلاد بعد احتلاله لم تكتف بالعمل لأجندات خارجية وتخريب البلاد وقتل أبنائها ودفع الآلاف منهم للفرار بجلودهم الي الخارج بل انها قررت كذلك خصخصة أكبر ثروة للعراق بعد 35 عاما من تأميم هذا القطاع الاستراتيجي لبلد يملك ثالث احتياطي نفطي في العالم يقدر بـ115 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة وما زالت أمامه 100 عاما من استغلال آباره بالمعدل المعتمد عام 2005 ليحتل بذلك المرتبة الأولي عالميا في العمر الافتراضي لثروته في حين أن هذا العمر لا يتجاوز 12 عاما للولايات المتحدة. و مع أن النظام الذي قيل انه سيعتمد في القانون الجديد هو ما يعرف باتفاقات تقاسم الانتاج، والعائدات طبعا، نظام معمول به في كثير من الدول الا أنه ليس بهذه النسب المجحفة اذ تقول ذات الصحيفة البريطانية ان القانون المنتظر سيمنح شركات نفطية كبري في العالم، وأساسا أمريكية، عقودا في العراق لمدة ثلاثين عاما تصل أرباحها منها في السنوات الأولي الي ثلاثة أرباع الي أن تستقر في النهاية بعد تمكن هذه الشركات من تغطية نفقاتها الأولي عند ما نسبته 20% مما يعني عمليا أن العراق يتجه، علي الأقل في السنوات القليلة المقبلة، نحو التفويت شبه الكامل في قطاع يمثل 95% من عائداته الاقتصادية فتصبح المصيبة مصيبتين: ضياع للسيادة وضياع للثروة مقابل بقاء من ساهم بقوة في الأمرين معا في سدة الحكم وكأنه لا يكفي أن حجم الفساد في قطاع النفط لوحده يبلغ ما بين 700 مليون دولار و1000 مليون دولار شهريا حسب الأرقام الرسمية نفسها وأساسا جراء عمليات تهريب مشتقات النفط، فضلا عن هروب أو قتل الكثير من الخبرات الوطنية النفطية المرموقة. لقد أشار وزير النفط العراقي حسين شهرستاني الصيف الماضي الي أن السباق علي امتيازات حقول نفط في البلاد بقيمة 20 مليار دولار قد يبدأ هذا الخريف وكأنه كان يتنبأ بموعد صدور قانون النفط الجديد الذي لم يحل علي كل دون أن تتصرف منطقة كردستان العراق تصرف الدولة المستقلة في ثرواتها النفطية التي لديها في حين أن الساعين بنوع من الهوس لاقليم في الجنوب لا يضعون أعينهم الا علي النفط وكم من عائداته سيذهب الي جيوبهم مما يجعلنا في النهاية نقف أمام حقيقة قاسية للغاية وهي أن النفط الذي يفترض أن تقع عليه بالمقام الأول مهمة اعادة بناء العراق واخراجه من محنته الدامية بات اليوم اما مؤمما في منطقة الأكراد، واما منهوبا في مناطق الكثافة الشيعية في الجنوب، واما مخربا في مناطق العمليات المسلحة فيما ينتظر الجميع الآن أن تتكفل الشركات العالمية الكبري بـ لهف المتبقي وهي التي تعاطت في السنوات الثلاث الماضية بكثير من الحذر مع مشاريع الاستخراج والاستثمار لكنها اليوم باتت مقرة العزم علي عدم استثمار أموالها وارسال فنييها ومعداتها قبل أن تقف بوضوح، وبشكل قانوني لا لبس فيه، علي العائد المالي المغري الذي يبرر دخولها بقوة السوق العراقية في ظل استمرار القتل والدمار. واذا ما عدنا الي ما قاله وزير الدفاع الأمريكي الجديد روبرت غيتس من أن القوات الأمريكية ستبقي طويلا في المنطقة، واذا ما نظرنا الي أن واشنطن لم تعد مهمومة بالتحول الديمقراطي في العراق أو في غيره كما حاولت أن تبدو لفترة بعد سقوط بغداد فان الأمر يكاد يكون استقر أمريكيا علي ما يلي: لنحاول بكل الوسائل تهدئة الأمور في العراق حتي نؤمن لشركاتنا وبنصوص قانونية نابعة من المؤسسات العراقية المنتخبة مجالا رحبا لاستغلال النفط العراقي لسنوات طويلة وما عدا ذلك فلتذهب الديمقراطية هناك الي الجحيم… بل ليذهب العراق نفسه وأهله الي الجحيم!!9