خصخصة المواطن

حجم الخط
0

ميراف ميخائيلي ‘مأساة شخصية كبيرة’، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بداية جلسة وزراء الليكود من غد المساء الذي أحرق فيه موشيه سيلمان نفسه احراقا كاد يودي به. ‘مأساة شخصية كبيرة’، قال نتنياهو وتمنى لـ ‘موشيه’ شفاءا تاما. تمنى ‘شفاءا تاما’ وأمر وزيري الاسكان والرفاه بالفحص عن الشأن. وهكذا أصبح ‘موشيه’ الآن من معارف رئيس الوزراء وهو يحظى الآن على الأقل بالعناية الشخصية لوزيرين، ويتمنى له رئيس الوزراء شفاءا تاما، شفاءا يمكن ان يكون لمن يعاني حروقا في 97 في المائة من جسمه.

ليس رد نتنياهو زلة لسان، ولم يُستل من كُمه، بل هو سياسة. وسياسة نتنياهو هي سياسة خصخصة، وهكذا بالضبط يخصخصون، فهم يخصخصون المواطن ومشكلاته. بيد ان ‘موشيه’ كان ذلك بالضبط، كان مواطنا خاصا مع عمل خاص لم يطلب من الحكومة شيئا. وقد عمل وخدم وكان كل شيء على ما يرام. فماذا سيقول نتنياهو لمن عمل كل شيء بصورة صحيحة وانهار مع كل ذلك وأصبحت الدولة تنكل به؟ هل يتمنى له الشفاء التام.

قبل ان يحرق سيلمان نفسه باسبوع نشرت جمعية حقوق المواطن تقريرا يفصل صورة تجفيف حكومات اسرائيل في العقود الاخيرة للخدمات الاجتماعية. وقد اقتطعت كل حكومة بعنف مؤسسي اقتطاعات كثيرة من الميزانيات وأجازت خصخصات من وراء ظهر الكنيست بقانون التنظيمات أو بتهديدات ائتلافية، وتكلمت بزعرنة تعارض كل نوع من معارضة سياستها، ولم تنفذ القوانين بل اعتدت هي نفسها على قوانين العمل والتربية العامة والسكن العام.

في خلال سني الخصخصة هذه نشأت آلاف المنظمات التي دخلت الفراغ الذي خلفته الدولة، وهي منظمات تحاول ان تمنح المساعدة والعلاج لكل اولئك الذين لم تعد الدولة تراهم من مسافة متر واحد. بيد انه في السنين الاخيرة أصبحت الحكومة تستعمل السلوك الذي استعملته مع الضعفاء أنفسهم، مع المنظمات التي تساعدهم الآن. وتوجه الحكومة اليوم ذلك العنف المؤسسي الذي وجه على الضعفاء، توجهه على المنظمات: فوزارة رفاهة وزير الرفاه ‘الاجتماعي’ ووزارة مال وزير الميزانية لسنتين يهددان هذه المنظمات اليوم، ويشترطان الاستمرار في تقديم الميزانيات بالمساعدة على نشر مناقصات. ويستطيع كل مقاول ان يعتني بالنساء المضروبات وبالمعتدى عليهن جنسيا أو بالمعاقين من اجل تحصيل ربح طفيف.

كُتب الكثير منذ نهاية الاسبوع عن عذاب سيلمان مع خبايا بيروقراطية التأمين الوطني ووزارة الاسكان ووزارة الرفاه وجهاز القضاء، وهو عذاب أفضى الى انهياره وكارثته. وكل هذه مؤسسات ويسهل الحديث عن المؤسسات مستعملين أوصاف بلادة الاحساس والبيروقراطية.

لكن كل هذه المؤسسات يوجد فيها ناس ويأتي هؤلاء الناس الى كل محتاج ومحتاجة للمساعدة. وهؤلاء الناس هم الذين يُترترون ويرفضون وينكلون، وهم ناس استدخلوا في أنفسهم روح القائد التي تأتي من الحكومة منذ سنين كثيرة وتقول بأن يُترك كل واحد لنفسه وبأن المحتاج مستغل وطُفيلي وكاذب. ومن أراد استطاع فاذا لم يستطع فهي علامة على ان شيئا ما ليس على ما يرام عنده لا عندنا. فنحن نحفظ الخزانة العامة.

يبدو بالجملة ان الحديث عن بيروقراطية، لكن البيروقراطية هي في الحاصل العام أداة، أداة لتنفيذ سياسة. وحينما لا يريدون إنفاق مال ومساعدة المواطنين فان البيروقراطية تهدمك، وحينما يريدون إنفاق مال ومساعدة المواطنين يتخلون في لحظة لشركات ضخمة عن ضريبة تبلغ 120 مليار شيكل من الأرباح المسجونة ويحولون 100 مليون شيكل الى جامعة في اريئيل ينشئونها بلا أية بيروقراطية ألبتة.

لا يمكن ان نجد في موقع ديوان رئيس الوزراء على الانترنت الكلام الذي قاله نتنياهو لسيلمان، فلم يُجهد أحد نفسه بالتحديث. ولم يغير نتنياهو ايضا في أعقاب ذلك كلامه الابتدائي أو برنامج عمل جلسة الحكومة، ولم يغير سياسته.

وهكذا لن يُفحص فقط عن شأن سيلمان. وقد استقر رأي وزارة الرفاه والتأمين الوطني بخطوة نفاقية على انشاء فريق عمل خاص برئاسة المدير العام لوزارة الرفاه والمدير العام للتأمين الوطني لعلاج ‘حالات متطرفة’. وفُهمت الايماءة. فرئيس الوزراء لا يريد ان تبلغ الى وسائل الاعلام ‘حالات متطرفة’ اخرى كحالة سيلمان. ورئيس الوزراء كعادته بدل ان يدرك وجود مشكلة ويحلها يُطفيء الحريق، ومن الجيد انه لم يستدعِ السوبر تانكر.

هآرتس 18/7/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية