خصوصية الفن الحروفي في أعمال السوري فادي العويد

يقيم التشكيلي السوري فادي العويد معرضه الحالي «خبايا» في مؤسسة خولة للفن والثقافة في أبوظبي، حيث يكشف عن عملة نادرة في الفن الحروفي، وما يتصل به من فنون أخرى، فهو اشتغال فني جديد يقدم فيه مفردات لغته الفنية على نحو كلي من الجمال، إذ يقدم نماذج من الخرائط القديمة، على شاكلة خريطة الشريف الإدريسي، أو الرسومات القديمة للكواكب على منوال كوكبة برشاوش، وغيرها، تجعل أعماله تتبدى في نطاق جمالي ساحر، مقرون بالقواعد الصارمة، ومنمق بالزخارف البهية، ليشكل مساحة شاسعة في عالم فني شكّله بإبداعه المتفرد، والمخالف للمألوف، مرتكِزا على فضاء فني يعج بطقوس تعبيرية دائمة البناء والتجديد.
فمجمل أعمال العويد يحكمها الالتزام بالضوابط الحروفية، وتحكمها الجماليات التاريخية، كما أن خبرة المبدع فادي العويد تفصح عن عدد من التراكيب الشكلية المقيدة بالأشكال التاريخية، والمدججة بالجماليات المتنوعة، خاصة في الخرائط والكواكب؛ وكذلك في لوحات الخط التي يشكلها المبدع وفق خاصيات جمالية معاصرة، ما يؤشر إلى تطويع الحروف للألوان والأشكال، وتطويع الألوان لخدمة الشكل العام لأعماله. في نطاق تناسقي بين الأشكال والخطوط، وبين المادة الفنية التاريخية والمادة التشكيلية المعاصرة، بمعية مختلف المفردات العربية الأصيلة، إذ تشكل جميعها إيقاعات ذات سمفونية مبهجة، تلامس السمع كما النفس، وهي تبدأ من عملية البناء الفضائي، وتفضي إلى مسلك إبداعي بديع، تحكمه القوة التعبيرية المستمدة من التاريخ الحضاري، وتستحوذ عليه الصفات الجمالية بتعددية شكلية متناسقة. وكل ذلك يتأتى بالتقنيات العالية التي يوظفها المبدع، وتفصح عنها بشكل جلي الاستعمالات الفنية والتنوع في الشكل وطرائق الوضع، والأشكال المتنوعة. وهي تُبرز قدرته التحكمية في الفضاء. كما أن الربط بين مختلف المفردات الخطية والشكلية واللونية، بما تتضمنه من رمزية وعلامة، والربط بين مجموعة من العناصر الشكلية، والاستخدامات التحولية، يشكل نقلة إبداعية نوعية في مجال الفن العربي، وتنم عن تحكمه القوي في الإنجاز.

ومن منظور آخر- فإن مراسه ييسر تدبير المجال الجمالي في ما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج الحروف والخرائط المدججة بالخطوط والرسومات والمنمنمات، وفق الأشكال المستحدثة بنوع من التجاور والتمازج والتماسك، وبنوع من التوازن الإبداعي، مع إضفاءات من التنغيم والتكامل والانسجام. إنه مسلك جمالي في تجربة فادي العويد؛ يتخطى بها المستهلَك، ويحدث من خلالها أسلوبا فنيا عربيا معاصرا متفاعلا مع الأنساق الجمالية المتنوعة. وهو منجز فني وجمالي يقوم على رؤى تاريخية وحضارية وجمالية وفلسفية، ويقوم كذلك على أساسٍ من التوظيفات الخاصة؛ يلامس الجانب الوجداني بإيحائية وبتعبير فريد، وهو بذلك يدعم القوة التعبيرية على نحو من الجدة والحزم والصرامة الإبداعية التي تنطلق من عمليات بنائية، لها أسسها ومرجعياتها التاريخية، وتنتهي إلى مسلك جمالي فاتن. ليقدم انطباعا لدى القارئ بأن المبدع يعمل وفق رؤى مركزية، ووفق هندسة جمالية يوزعها وفق طرائقه الخاصة، حيث يجمع بين ما يقوم على المرجعية الحضارية، وما يقوم على الشكل والجمال.
إنه مسار يمتد في تجربته الغنية، ليروم عملية تشكُّل المعنى الفني، قياسا بأهمية الحرف والتاريخ والحضارة، في تحديد المكونات الأسلوبية ذات القيمة الفنية التي تكتنز العديد من الدلالات البصرية التي تحتمل التأويلات الجمالية المتعددة. فسحرية هذا المنجز سواء في سياقه التاريخي أو في نطاقه المعاصر تتجسد في عملية الوضع المحكم والضبط الدقيق للأشكال داخل الفضاء، باحترام لمختلف عمليات التوظيف الجمالي من توزيع المساحة، وبسط الشحنات الحضارية عن طريق العلامات، والرمزية، وتصبيب الألوان وفق عملية التنظيم الفارقي.
فالحرف بتنوع مجاله حاضر في البناء الفني، والشكل الحضاري حاضر في البناء الشكلي، وحاضر بحمولته التاريخية في البناء العام لهذا المعرض المتفرد. وهذا قطعا ينم عن الاجتهادات المتواصلة التي تجعل أعماله تنبني على مستحدثات تقنية معاصرة، لتضحى مثقلة بالإيحاءات والدلالات، فكونه يتخذ من المساحة ومن قيم السطح بعدا جماليا، ومن الحروف والشكل الحضاري والتاريخي والعلمي بؤرا فنية، ومن الشكل العام إِيقاعا لَحنِيا‏؛ كل ذلك يجعل من أعماله إطارا جماليا موحدا قوامه الانسجام، بتمثيل للمقومات الجمالية المتنوعة للعمل التشكيلي، الذي يتمثل الحروف والخرائط والكواكب ومختلف الأشكال، يسيطر جزء مِنها في الأعمال على كامل تكويناتها، بحيث يصبح مركَزا للجمال،‏ وفق أنساق متناغمة مع كل تلك العناصر في المزاوجة بين ضروب متعددة من المفردات الفنية.
فالعويد يشتغل على رشاقة الحرف والشكل، لينتج من ذلك جماليات وقيم تعبيرية صرفة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية