خضر عدنان شهيد آخر على درب «الصبر» الفلسطيني

هشام عبد الله
حجم الخط
0

أضاف الناشط الفلسطيني خضر عدنان، لبنة جديدة في بناء ومسيرة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ابتدع سلاح الإضراب «الفردي» عن الطعام في وجه المعتقل والزنزانة وسار معتقلون آخرون على دربه. وعلى مدار 25 عاما من عمره القصير (45 عاما) انتصر وخرج من المعتقل في نحو سبع مرات، حتى لقي حتفه بعد معركة أيام الأمعاء الخاوية الـ 86 الأخيرة، أو كما تلهج ألسنة الفلسطينيين لهكذا مناسبة: «قضى صابرا ومحتسبا».
بل أن عائلته (زوجة وتسعة أبناء، أكبرهم تسعة أعوام) ومعهم أشقاء وأقارب، لم تتمكن من رؤيته ولا وداعه الوداع الأخير، حيت تحتجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي جثمانه وترفض تسليمه. وعوضا عن فتح بيت عزاء، كتبت العائلة على صفحة فيسبوك أنها تستقبل المهنئين وقالت «إلى محبي شيخ الكرامة الشهيد الرباني المشتبك خضر عدنان ابو عبد الرحمن، ما زلنا موجودين لاستقبال المهنئين في بيت التهنئة في ديوان آل موسى في عرابة الخير – جنين».
المفارقة، أن أول اعتقال وأول اضراب عن الطعام لخضر عدنان، جاء عندما اعتقلته السلطة الفلسطينية بتهمة التحريض على رشق رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، ليونيل جوسبان، بالحجارة لدى زيارته جامعة بيرزيت عام 1998. وأمضى رهن الاعتقال في حينه 10 أيام مضربا عن الطعام.
إضافة إلى عدنان، لقي نحو 236 أسيرا فلسطينيا حتفهم في سجون إسرائيل التي تعتقل، حسب إحصاءات جمعية نادي الأسير الفلسطيني، قرابة 4900 معتقل في سجونها، بينهم 700 أسير مريض ومنهم 34 يعانون من أمراض مزمنة لاسيما مرضى السرطان، أبرزهم وليد دقة، المحكوم بالسجن المؤبد والذي قضى أكثر من 36 عاما في المعتقل.
وعلى مدار سنوات الاحتلال الإسرائيلي ظلت قضية الأسرى في معتقلات إسرائيل تتصدر أجندة القيادة والفصائل والحركات الفلسطينية الوطنية والإسلامية على حد سواء، ناهيك عن درجة أهميتها القصوى لدى الجماهير، لكن الأمور، مع قيام السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، راحت تأخذ منحنيات مختلفة غير معهودة في تاريخ النضال الفلسطينيي.
ولم تتوقف الأمور على ترك الأسرى وحيدين أمام بطش السجان، ماعدا صرف مخصصات مالية لهم ولعائلاتهم، بل أن كثيرا من المعتقلين السابقين لدى إسرائيل ما لبثوا وأن أصبحوا معتقلين لدى أجهزة الأمن الفلسطينية التي تقيم علاقة التنسيق الأمني مع إسرائيل.
وغير ذلك، لا تتوانى السلطة الفلسطينية في اعتقال فلسطينيين آخرين من المنتمين لمختلف الحركات والفصائل من دون تقديمهم للمحاكمة تحت طائلة المساس بالأمن القومي.
وبعد ساعات على مصرع خضر عدنان في المعتقل الإسرائيلي، لم تتردد أجهزة السلطة الفلسطينية التي اكتفت قيادتها بشجب واستنكار مقتله وتحميل إسرائيل مسؤولية ذلك، في قمع مسيرة تضامنية خرجت للتنديد بالجريمة في مدينة جنين بالضفة الغربية.
وإثر وفاة عدنان في زنزانته وهو مضرب عن الطعام، لم تسجل سوى تظاهرات ومواجهات محدودة في الضفة الغربية إضافة إلى رشقات من صواريخ المقاومة في غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية، وهي هجمات توقفت سريعا بعد تدخلات وساطة من دولتي مصر وقطر لدى حركتي الجهاد الإسلامي التي ينتمي اليها عدنان وحركة حماس.
وبالرغم من مرور أشهر فقط على وفاة أسير فلسطيني آخر في المعتقلات الإسرائيلية، ناصر أبو حميد، الذي قضى في كانون الأول/ديسمبر الماضي، جراء تفاقم وضعه الصحي بعد إصابته بورم سرطاني ورفض إسرائيل علاجه أو إطلاق سراحه، لم تتغير ردة الفعل الفلسطينية، واكتفت السلطة الفلسطينية والفصائل والحركات الوطنية والإسلامية بإصدار بيانات الاستنكار والتنديد ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لدى إسرائيل.
وروى أحد المدعوين للقاء دعت إليه حركة فتح لتدارس الوضع بعد وفاة خضر عدنان وقال «كان من لبوا الدعوة أقل من عدد أصابع اليد، ومعظم الحضور من موظفي الهيئة الداعية.. كل ما تم الخوض فيه لم يتعد حديثا عاما لا يقدم ولا يؤخر».
وفي الفترة منذ اعتقال عدنان في الثاني من شباط/فبراير الماضي وإعلانه البدء الفوري بالإضراب عن الطعام، لم يسجل سوى تفاعل محدود وخجول من الجمهور ومن الفصائل والقيادة خلال الـ 86 يوما من الإضراب، ما عدا نشاط بعض المنظمات غير الحكومية لاسيما جميعة نادي الأسير الفلسطيني.
ثمة هجران واضح للدعم على المستوى الرسمي وعلى مستوى الفصائل وكذلك الجماهير انحصرت ردات الفعل الرسمية والشعبية في البيانات الرسمية وفي تقديم التعازي والنعي على وسائل التواصل الإجتماعي، كما تجلى في حالتي مقتل خضر عدنان وناصر أبو حميد خلال الأشهر الماضية.
ولا يبدو ان حالة الأسير المريض وليد دقة تختلف كثيرا. حتى اللحظة لا يمكن تسجيل أي تغير في ردات الفعل الرسمية والفصائلية ولا في التفاعل الجماهيري. الوضع كما هو عليه، نشاط من بعض المنظمات الأهلية على غرار جميعة نادي الأسير الفلسطيني. وفي رده على سؤال لإحدى القنوات الفضائية، عبر رئيس نادي الأسير، قدورة فارس، عن قلقه الكبير من وضع الأسرى عموما في سجون إسرائيل، عندما قال إن «الحل الوحيد لانقاذهم هو تحريرهم» الأمر الذي يعتبر بعيد المنال، لاسيما مع وجود حكومة اليمين المتطرف وتولي شخص مثل إيتمار بن غفير مسؤولية السجون فيها، وهو الذي لا يتوانى في التعبير عن فاشيته وعنصريته ازاء الفلسطينيين.
وحتى على مستوى الحكومات الإسرائيلية الأخرى، لا سيما التي وقعت اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية لم يتغير الوضع كثيرا فيما يتعلق بالمعتقلين. إذا رفضت جميع الحكومات المتعاقبة منذ توقيع اتفاق أوسلو إطلاق سراح بقية الأسرى المعتقلين قبل أوسلو، وما زالت ترفض الإفراج عنهم.
ويقول راضي الجراعي، القيادي في حركة فتح وهو أيضا أسير سابق لدى إسرائيل، في حديث لصحيفة «القدس العربي»: «على مدار 86 يوما من اعتقاله وإضرابه (خضر عدنان) عن الطعام لم نلمس أي جهد حقيقي من أي مؤسسة دولية ولا على مستوى السلطة لإطلاق سراحه».
وأضاف: «بشكل عام ليس هناك تفاعل. عندما يكون هناك دعوة لحدث وطني، هذا يعطي مؤشر على مدى ومستوى عدم الثقة بين القيادة وبين الجمهور. الجمهور في واد والقيادة في واد آخر. هناك تقصير واضح جدا».
ويرى الجراعي أن «عدم وجود رؤيا سياسية ونضالية (لدى السلطة الفلسطينية) لكيفية التعامل مع الاحتلال ومع الخروقات والجرائم والتجاوزات والارتهان إلى إعلان الاستنكار والشجب ودعوات الآخرين للتدخل، كل ذلك يعمق الإحباط والثقة ما بين الشعب والقيادة».
ويتفق الكاتب أكرم عطا الله، مع ذلك تمام ويقول «السؤال الجارح للفلسطينيين الذين تركوا عدنان وحيداً يصارع دولة بأكملها، وحيداً يخوض معاركهم، وحيداً يموت في زنزانته دون أن يرفعوا كل الإشارات الحمراء في وجه إسرائيل التي كانت تستسهل موته وهي تراقب المتفرجين من سلطة وفصائل وشعب».
وأضاف: «ولامبالاة الشعب، هي أسوأ ما يحدث للفلسطينيين في أعوامهم الأخيرة، حيث خصخصة نضالهم الوطني العام وتناثر قضيتهم بين الفصائل المتعاركة والأفراد».
ومع وفاة عدنان التي اعتبرها الفلسطينيون تحذيرا لبقية الأسرى، تتعاظم المخاوف على حياة المعتقلين في السجون الإسرائيلية وعلى وضعهم بشكل عام، وهم الذين يعيشون ظروف اعتقال غاية في الصعوبة، وأن استطاعوا أن ينتزعوا بعض المطالب لتحسين ظروف معيشتهم.
وإضافة إلى تخوفه على وضع الأسرى، يقول الجراعي الذي قضى 12 عاما في سجون إسرائيل وبحسرة معلقا على موقف السلطة والفصائل: «إن عصابات المافيا لا تتخلى عن أسراها، أي تنظيم؟ أي سلطة تصبر على أسير يقبع أكثر من أربعين سنة وهو دخل السجن بسبب المقاومة والنضال ضد الاحتلال؟».
وقال: «ليست هناك ردة فعل حقيقية على ما تقوم به إسرائيل ضد المعتقلين، هناك سلطة ومعها مجموعة مؤسسات ولكن محصلة تأثيرهم في الواقع تساوي صفر، كلام في الهواء فقط، شجب واستنكار ولكن لا توجد نتائج».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية