بدت الضفة الغربية في الأسابيع الماضية مثل سجن كبير، عادت الحواجز التي تعطل حركة الفلسطينيين بين مدنهم وقراهم وتضع أعباء على العاملين في المؤسسات والمصالح العامة الذين لا يستطيعون الوصول إلى أعمالهم. ويلاحظ القادم من الجسر الفاصل بين الأردن والضفة الغربية الإجراءات المتشددة، حيث يقف الجنود على كل المعابر التي تؤدي إلى مدينة أريحا، ويتم تفتيش السيارات والتحقق من الهويات، والسبب البحث عن قتلة ثلاث نساء في غور الأردن الذي استعمرته إسرائيل وملأته بالمستوطنات وانتهت الملاحقة بالبلدة القديمة بنابلس يوم الخميس 4 أيار/مايو حيث داهمت بيتا وقتلت ثلاثة مقاومين قالت إنهم متورطون في القتل.
لكن حمام الدم لا يتوقف عن ملاحقة المقاومين بل وقتل المدنيين العزل عند الحواجز أو في مزارعهم حيث يهاجم المستوطنون البيوت والسيارات ويتصرفون دونما خوف من العقاب. وبنظرة قريبة تبدو الضفة الغربية مثل ساحة بلا نظام أو قانون، يواجه سكانها دولة تستخدم اليد الحديدية من خلال قواها الأمنية وتطلق العنان للمستوطنين كي يفعلوا ما يريدون وتواصل المصادرة للأراضي الفلسطينية واعتقال الشبان وقتلهم وتزيد من عمليات التوسع الاستيطاني ضمن نظام من الفصل العنصري الواضح، فيما يراه التيار المتشدد الذي يسيطر على زمام الأمور معركة أخيرة لتركيع الفلسطينيين في الصراع الطويل للسيطرة على الإنسان والأرض. وكان أكبر تجل لهذا النظام هو وفاة المعتقل والقيادي في حركة الجهاد الإسلامي خضر عدنان والناشط الذي مات بعد 86 يوما في إضراب عن الطعام في سجن الرملة، حيث وجد ميتا في 2 أيار/مايو. وألقت الوفاة الضوء على الحركة الفلسطينية الأسيرة التي طالما استخدمت سلاح الإضراب عن الطعام كوسيلة لتحقيق مطالبها من السجان ومن سلطات الاحتلال. كان عدنان قد كرس حياته في المعتقل ومجموعها ثماني سنوات وبحصيلة 6 إضرابات عن الطعام تراوحت ما بين 25 و 66 و86 يوما لمكافحة نظام الاعتقال الإداري التعسفي، وهو نظام عملت به السلطة الانتدابية البريطانية وواصلت إسرائيل استخدامه بحيث يتم تجديد الفترة الاعتقالية كل ستة أشهر بدون حاجة لأن تقدم في إسرائيل لائحة اتهامات ولا محاكمات تقود إلى إدانة.
نظام الفصل
ورأت منظمة العفو الدولي/أمنستي انترناشونال في وفاة عدنان أنها سلطت الضوء على المعاملة المهينة والوحشية التي تعامل فيها إسرائيل السجناء الفلسطينيين. ورأت في بيان لها صدر يوم 3 أيار/مايو الجاري مشيرة إلى أن وفاة السجين الفلسطيني خضر عدنان هو تذكير للثمن الذي يدفعه الفلسطينيون الذين يتحدون الأبارتيد الإسرائيلي ونظام العدالة العسكري المزور ضدهم. وقالت إن السجناء الفلسطينيين طالما استخدموا وبشكل منتظم الإضرابات عن الطعام لتحدي السياسات هذه والمخاطرة بصحتهم وحياتهم من أجل الحقوق التي تحرمهم إسرائيل منها. وقالت المنظمة إن خضر الذي كان خبازا بالمهنة خلف وراءه تسعة أولاد وزوجته رندا التي طالما قامت بحملات للإفراج عنه. واعتقل 13 مرة منذ 2004 نظرا لانتمائه للجناح السياسي لحركة الجهاد الإسلامي التي قام جناحها العسكري بضرب الإسرائيليين. ولم توجه لخضر عدنان أبدا تهما تتعلق بالعمل العسكري، حيث قضى 6 أعوام في السجن الإداري. ويتهم الفلسطينيون إسرائيل بقتل خضر عدنان، فعندما كانت حياته في خطر رفضت السلطات الإسرائيلية السماح بنقله إلى عناية خاصة بمستشفى مدني وتركته يموت في زنزانته. ويعتبر عدنان أول فلسطيني يموت نتيجة للإضراب عن الطعام منذ عام 1992 وكانت معاملة سجين معروف إشارة مثيرة للرعب عن جرأة إسرائيل في احتقارها لحقوق وحياة الفلسطينيين، كما قالت هبة مورايف، المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أمنستي. مشيرة إلى أن عدنان دخل في خمسة إضرابات عن الطعام، منها أربع مرات للاحتجاج ضد الاعتقال الإداري والخامسة ضد اعتقاله، ومثل بقية الفلسطينيين لم يكن لديه الوسيلة لتحدي الظلم الذي يتعرض له آلاف الفلسطينيين الذين يعانون من نظام الفصل العنصري.
خيانة المهنة الطبية
وبات من الصعب على الفلسطينيين تحدي نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. ومن يشاركون في التظاهرات يواجهون خطر الاعتقال أو الجرح أو القتل غير القانوني. ويمنع المدافعون عن حقوق الإنسان من السفر أو يعتقلون أو يرحلون وينقلون بالقوة، فقد تم منع حركة المقاطعة ضد إسرائيل وكذا منظمات حقوق الإنسان.
وكان الشهيد خضر عدنان قد اعتقل في شباط/فبراير 2023 ووجهت له محكمة عسكرية تهمة «التحريض على العنف» وذلك بسبب زياراته لعائلات السجناء الفلسطينيين ومشاركته في جنازات الذين قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي. ولم توجه لخضر في الفترات التي قضاها في السجن أي تهم وكان قادرا على تحدي نظام الاعتقال الإداري بالإضراب عن الطعام، لكن توجيه تهم وإدانة له في المرة الأخيرة كان أمرا غير عادي. وزعمت إسرائيل أن خضر رفض العناية الطبية التي قدمتها له، مع أنها رفضت في الحقيقة توفير العلاج الاختصاصي له والمراقبة التي كان يحتاجها والتي لا تتوفر إلا في مستشفى مدني. ولكن مصلحة السجون الإسرائيلية أرسلته إلى زنزانته ووضعت حارسين عليها كانا يفحصان بين فترة وأخرى إن كان حيا أم لا. وكان حرمانه من العلاج الطبي المناسب انتهاكا لحقوقه ويمثل معاملة تزدري الحياة وغير إنسانية. هذا إلى جانب الاعتقال الإداري الذي يقوم على أدلة تقدمها المخابرات وتصادق عليها المحاكم العسكرية بشكل آلي. وتعد معاملة إسرائيل التمييزية المنظمة للفلسطينيين من خلال الحبس الإداري جزءا من نظام الهيمنة والقمع ضد الفلسطينيين وهي جريمة ضد الإنسانية، حسب ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية. وأشارت صحيفة «الغارديان» (3/5/2023) الطبيبة لينا كاظم حسن، مديرة أطباء من أجل حقوق الإنسان فرع إسرائيل زارت خضر في 24 نيسان/إبريل وأصدرت دعوة عاجلة لنقله إلى المستشفى لمراقبته. ورفضت محكمة إسرائيلية عريضتين من المؤسسة تطالب بنقل خضر عدنان إلى المستشفى والسماح لعائلته بزيارته. وقالت «كانت قدراته المعرفية جيدة للتحدث معي ولكنه كان ضعيفا جدا، وفقد وعيه بشكل منتظم، وكان من الواضح انه يموت» و«قال إنه يريد الحياة، مهما قال الزملاء الطبيون عنه وأنه رفض المساعدة، فوظيفته كانت إنقاذ حياته. فالإرشادات للتعامل مع المضربين عن الطعام واضحة: كان يجب نقله للمستشفى بعد 45 يوما». وقالت الصحيفة إن الإضرابات عن الطعام معروفة في داخل السجون الإسرائيلية حيث يعبر السجناء الفلسطينيون عن غضبهم من طريقة المعاملة وعدم توفر الاحتياجات الضرورية أو سياسة مصلحة السجون في منعهم الحصول على قدر من الزيارات أو الكتب للقراءة وغير ذلك. ومن المعروف أن وزير الأمن الجديد، إيتمار بن غفير وصل إلى المنصب بتهديد للسجناء وأنه يريد حرمانهم من كل شيء. وتحتجز إسرائيل أكثر من 1.000 فلسطيني في إطار الحجز الإداري وهو أعلى رقم منذ عشرين عاما حسب منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «هاموكد».
المقايضة بالجثة
وبعد معركة الإضراب عن الطعام وارتقاء خضر عدنان شهيدا، تواجه عائلته مشكلة في استعادة جثته ودفنها بمسقط رأسه في بلدة عرابة، جنين. وقالت صحيفة «نيويورك تايمز»(5/5/2023) إن رفض إسرائيل تسليم جثة خضر عدنان أثار الانتباه إلى ممارسة الاحتفاظ بجثث الفلسطينيين في ثلاجات وقبور بأرقام كورقة للمقايضة ببقايا الإسرائيليين الذين تحتفظ بهم الجماعات الفلسطينية. وقال حسن جبارين، مدير عدالة، منظمة حقوق الإنسان والمركز القانوني «إنه عقاب جماعي» و«هذه أجساد أشخاص عاشوا تحت الاحتلال الإسرائيلي». وردد الفلسطينيون إلى جانب منظمات حقوق الإنسان كلامه قائلين إن عدم تسليم الجثث هو عقاب لعائلات الموتى وقد يكون خرقا للقانون الدولي. واحتفظت إسرائيل منذ احتلالها الضفة الغربية بمئات جثث الفلسطينيين الذين ماتوا بالسجون أو قتلوا في عمليات مسلحة. ويتم الاحتفاظ بها ولعدة سنين في مركز الطب الشرعي أو يتم دفنها في قبور تحمل شاهدة برقم، فيما يطلق عليها الفلسطينيون «مقبرة الأرقام». وأقرت المحكمة العليا الإسرائيلية في 2019 بحق الجيش الإسرائيلي الاحتفاظ بجثث الفلسطينيين التي تم الحصول عليها خلال عمليات أمنية لغرض المفاوضات. واقترح المسؤولون الإسرائيليون في الماضي أن عدم تسليم الجثث قد يردع الآخرين من القيام بعمليات مسلحة أو تحويل جنازاتهم لمشاهد احتفالية تمجدهم. وتعتقد إسرائيل أن حركة حماس التي تسيطر على غزة تحتفظ بجنديين إسرائيليين ما زالا على قيد الحياة وبقايا اثنين قتلا أثناء الحرب بين حماس وإسرائيل في 2014. ومنذ عام 2015 رفضت إسرائيل تسليم جثث 130 دفنت في مقابر مجهولة أو ظلت في الثلاجات، وتضم جثث 12 ماتوا في السجون، بمن فيها جثة خضر عدنان. ودفن حوالي 250 جثة في مقابر الأرقام، وبعضها يعود إلى سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وتمثل حياة خضر عدنان ومعركة الأمعاء الخاوية التي خاضها إلى جانب السجناء الفلسطينيين رمزا للبحث عن الحياة وتأكيد قوة الجسد الجائع على السجان. وقد خاض معركته وحيدا، فهو الشهيد الـ 237 من شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 وهو الخامس منذ 1980 والشهيد الأول منذ عام 1992 والشهيد الـ 65 ممن ماتوا نتيجة للإهمال الطبي. وبالتأكيد لن يكون الأخير، لكن ما يثير في تجربة عدنان خضر أنه كان يحب الحياة ويحب عمله وأبناءه، لكنه كان لا يسكت على الضيم. ويتذكر زميله في السجن والإضراب محمد القيق بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (4/5/2023) كيف قاد خضر عدنان الاحتجاج ضد زيارة زير الخارجية الفرنسي ليونيل جوسبان في 2000 لجامعة بيرزيت حيث وصف فيها المقاومة للاحتلال بالإرهاب، إلا أن طالبا كان يدرس الاقتصاد الرياضي بالجامعة وقف واحتج على الوزير وانضم إليه بقية الطلاب. وكان هذا الحادث هو تأكيد لطبيعة الطالب الذي قرر أن يعتمد على نفسه بعد تخرجه، حيث افتتح مخبزا وكان يعمل مع زوجته رندا وأطفاله في الساعات الأولى من الصباح حيث كان يخبز ويعد المناقيش وينقلها إلى سوق قباطية القريب. ويتذكر القيق كيف اعتقل مع خضر عدنان، عندما نقل مع سجناء من سجن مجدو، في الشمال إلى سجن النقب في الجنوب، حيث أهان الجنود السجناء وضربوهم وعند وصولهم إلى السجن رفض خضر عدنان النزول ليعاد إلى مجدو. وقاد خلال حياته مسيرة من الاحتجاج الفردي، ففي 1998 قضى عشرة أيام مضربا عن الطعام. وفي 2011-2012 قاد إضرابا عن الطعام مدة 66 يوما احتجاجا على الاعتقال الإداري. وتبعه إضراب 2015 واستمر52 يوما والأمعاء الخاوية في 2018 استمر 56 يوما و 2021 مدة 25 يوما، وأخير إضرابه الأخير. ويقول القيق «أعرف أن عدنان لم يكن يريد الموت أو المعاناة، فقد أحب الحياة وأراد البقاء حيا حرا من الظلم والإهانة، الحياة التي عاشها مع زوجته وأطفاله، ولكن كان يرى في الإضراب عن الطعام أقوى سلاح يسمح له بالعودة إلى الحياة في أسرع وقت». ويظل الإضراب عن الطعام هو أكثر الطرق السلمية التي يرفض فيها السجين عنف سلطات الاحتلال. فاعتقال شخص واحتجازه في السجن بذريعة «الخطر الأمني» بدون توجيه تهم أو محاكمة هو أعلى درجات الظلم. ويتذكر أبناؤه وأصدقاؤه أبا محبا وزوجا وناشطا مصمما وخلف وراءه إرثا من مقاومة الاحتلال. وفي تقرير لموقع «ميدل إيست آي» (5/5/2023) تحدث أبناء خضر عن ثقل العيد هذا العام عليهم، فقد كان والدهم في اليوم الـ76 في إضرابه. وكان غيابه حاضرا ففي العيد «كان يأخذنا للمتنزهات ويلعب معنا ويفرحنا ويشترى الألعاب لنا» يقول ابنه. وترك «الشيخ» كما يقول ذكرياته عن البطولة بين الأبناء والأقارب وزملاء السجن. كان يأمل بالخروج من السجن وأسر لزوجته رندا موسى انه يرغب بتناول المنسف حالة انهى إضرابه، لكنه رحل قبل أن يحقق رغبته. كان خضر عدنان، المولود عام 1978 من أشهر الناشطين في الضفة الغربية. وبعد إضراب عام 2011- 2012 تحول لأهم ناشط يدافع عن الحق الفلسطيني. وبعيدا عن النشاط كان الزوج المحب والحاني كما تقول زوجته، وكان يساعد أطفاله بواجباتهم ويطبخ لهم وجبات شهية يخترعها. وتقول ابنته معالي «أشعر بمزيج من الحزن والسعادة، لقد تحطم قلبي لفقداني شخصا عزيزا علي ولكنني سعيدة لأنه حقق هدفه». و «في كل مرة يدخل فيها السجن كان مصمما على الخروج إما حرا أو الموت شهيدا».
أداة مقاومة
كان خضر عدنان يعرف أن كل ما يملكه هو أمعاؤه الجائعة لكي يسجل موقفا، فلطالما ظل الإضراب عن الطعام وسيلة لا عنف ضد المحتل ولدعم القضايا العادلة. وترى صحيفة «نيويورك تايمز» (2023) أن الإضراب هو سياسي وعادة ما تلجأ الحكومات لتغذية إجبارية للمضربين من خلال أنبوب يدخل عنوة في معدة المضرب، مع أن الأمم المتحدة تعتبر رفض السجين حقا. وقد استخدم هذا الأسلوب الزعيم الهندي موهانداي كي غاندي الذي قام بعدة إضرابات في أثناء المقاومة الهندية ضد الاستعمار البريطاني. ورفض السجناء حول العالم الطعام للفت انتباه العالم إلى عدد من القضايا، مثل الاحتجاج ضد الديكتاتورية وتحسين ظروف السجناء. وترى الأمم المتحدة والجمعية الطبية العالمية أن رد السلطات وإجبار المضربين على الطعام هو «نوع من التعذيب ولا يتوافق مع الأخلاقيات الطبية» إلا أن هذا لم يمنع الجيش الأمريكي من محاولة إجبار معتقلي غوانتامو على تناول الطعام عام 2005. وأقرت إسرائيل في 2015 قانونا يعطي سلطات السجن حق إجبار السجناء على تناول الطعام. عاش خضر عدنان مقاوما وتعرض للهجوم من السلطة الوطنية التي سارعت لتبني ارتقائه إلى السماوات العلى وخصص وقتا لتغطية وفاته وشجب إسرائيل. لكن آلة القتل مستمرة، فمن مخيم جنين إلى أريحا وطولكرم ونابلس لا يتوقف القتل اليومي، ففي يوم السبت 6/5/2023 قتلت اثنين في مخيم عين شمس، طولكرم.