خضعت لعمليات التصحيح والمحو والإبدال: مناجزة القصيد بالجهد الجهيد وبالعذاب اللذيذ

محمد بودويك
حجم الخط
0

الكتابة الإبداعية مراحل ومنازل، وكيفيات وتنشئات خفية وغامضة، قبل أن تستوي “واضحة” بلجاءَ مسطورة على اللوح أو الحجر، أو السعف، أو الورق على مستوى مادية حروفها وملموسيتها، وهيئتها المورفولوجية، وتشكلاتها وأشكالها.

لكن، باطنيا وعمقيا، تستمر هاربة متمنعة زئبقية متطايرة لا تطولها الأفهام المتسرعة، ولا المدارك العجلى، ولا التعالم المهزوز الأخف من ذرق طائر. إذ هي، منذ أن كانت ضميرا ومضغة وهلاما، وأطيافا مبهمة ومتناثرة، لم تبرح مباطنتها واشتباكها مع النصوص القويات اللذيذات السابقات والمحايثات، سعيا منها إلى التجويد والتفنن، والترفيع، والتقاط جذوة وجدوى الموجود والوجود، بالحفر والسبر، والاستغوار، والتخطي ولو على حساب الراحة و” السعادة”، والطمأنينة، والسكينة التي يطلبها من لم يُبْتَلَ بحرقة الفكر والإبداع، ولم تدركه حُرفة الأدب، ولم يمسسه عارض او زائر، او مقيم دائم من جنون وهذيان، وحمى آناء الليل واطراف النهار، وعزوف عن لذيذ الأطعمة، وسائغ الأشربة، ومسيل البهجة والانشراح.

وإذاً، فليس من المستغرب ولا العجيب أن نقرأ ونسمع عن غرائب أطوار تقلب فيها الكتاب والمبدعون، وحيوات مثيرة تبعث على الحزن والشفقة أكثر مما تبعث على الإعجاب والتبجيل. وهي غرائب أطوار، ومثيرة حيواتٍ خاصة تسائل صدقية تاريخ الأدب والنقد الذي ذهب إلى أن السليقة الأدبية، والارتجال الشعري، كانا شيئا بَدهيا، تحصيل حاصل، ومعجزة ممنوحة بالنظر إلى الموهبة الخارقة، والخلاء الشاسع البراني، والمَلاَء الجواني الذي يحتشد دافقا، وفي دفعة واحدة، فينثال الشعر انثيالا، ويسيل على لسان الشاعر مسيلا دونه مسيل دجلة وسبو.

إذ كيف لجنيٍّ موهوم طيع مطواع، وربة شعر ملهمة كثيرة الجَوْب والطيران بين قنن الجبال والسماوات والأقاصي، أن يمليا شعرا أخاذا، جزلا بديعا، وقويا فخما في أي ضرب هجست به نفس شاعر او شاعرة، يصل تعداد ابياته، أحيانا، إلى ما يربو على الأربعين بيتا ضمن أوزان وإيقاعات، وأنفس، ومشاعر وأحاسيس، ودفائن ذكريات، ومعيش ينوس بين الرضا والسَّخَط؟

ولئن صحَّ ذلك، تجاوزا، على المقطوعة الشعرية بما هي قالب لغوي فني وجمالي لا يتعدى الأبيات السبعة لما تتيحه القلة العددية من أعنة التحكم والسيطرة على الأقاويل الشعرية التصويرية، مع انشداد بطبيعة الحال، إلى الخلفية والتخزين والموهبة، فإنه لا يصح، بتاتاً، على القصيدة بما هي بناء ومعمار وسردية مُصَوْرَنَة مصبوبة في سبائك متوازية، متناسبة، ومتكاتفة لغة واسلوبا، وتصويرا، وخيالا، ومعنى، وإنْ كان البيت الواحد فيها يستقل بالمعنى، ويقفل الدلالة.

إن وهمَ، وهو وهم جميل بكل تأكيد، ما سمي بوادي عبقر لدى العرب، وربات الشعر الملهمات عند اليونان، وغيرهم من الشعوب القديمة، فضلا عن شيوع وذيوع الشفوية في مرحلة ما قبل الإسلام، وانعدام الكتابة، أو جهلهم بها، هو ما أوحى إلى مؤرخي الأدب والنقد، بالقول إن الشعر كان ينثال انثيالا على لسان الشاعر في أي غرض رام القول فيه. فيرتجز أو يشعر مادحا او هاجيا، أو واصفا، او متغزلا، او مفاخراً، في صحراء مترامية، وفضاء لا متناهٍ، او في سوق مكتظة بالناس، أو بلاط تؤمه الخاصة والنخبة والملأ الأعلى. والحال ان الكتابة كانت شائعة وإن مقصورةً على نخب، وأرستقراطية تجارية ودينية وأدبية من بينها الشعراء، والسجاعون، والرجاز، ومحررو مصاحف وكتب الأديان السابقة.

ومن ثَمَّ، فإن الشعر خضع لأواليات وعمليات التصحيح والتشطيب، والمحو، والحذف، والإبدال قبل أن يتنصص حاله، ويستوي شكله، ويكتمل قالبه، ويصبح جاهزا ناجزا قابلا للإلقاء والقراءة والاستهلاك أيْ للرواية والانتشار، والانتقال من صدر إلى صدر، ومن مكان إلى مكان. وهو خضوعٌ ومناجزة عصية مسَهِّدَة، ترعاها النجوم، وتواكبها الليالي البيضاء، والنهارات الحامية التي لا تنتهي. ودليلنا من الماضي، أقوال نقاد وبلاغيين وشعراء. فهذا ابن طباطبا العلوي صاحب “عيار الشعر”، يقول في ما يرتبط ببناء القصيدة، ما يلي: “… فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مَخَضَ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سَلَسَ له القول عليه”.

وكان الفرزدق، وهو من الفحول في الشعر، يقول: “تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي، أهون عليَّ من عمل بيت من الشعر”.

أما جرير الفحل أيضا، فكان إذا أراد أن يكتب قصيدة سائرة سائدة يفحم بها الفرزدق، تربص بها الليالي ذوات العدد. بل إنه يأتي ما ينكره العقل، كالتمرغ، وغطاء الوجه والرأس، والدب على أربع ثاغيا، أو خائرا، أو صارخا نشدانا للنص الأشهق، النص القاتل.

وسئل ذو الرمة يوما: كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر؟ فقال: “كيف ينقفل دوني وعندي مفتاحه؟ قيل له: وعنه سألناك، ما هو؟ قال: “الخلوة بذكر الأحباب”.

وعذاب أبي تمام، في كتابة الشعر، مذكور مشهور في كتب النقد والأدب. إنه العذاب المتأتي من طمعه في أن يتخطى رقاب بل ظلال ومرايا الشعراء الفحول قبله كأبي نواس، وصريع الغواني، وبشار بن برد، وأبي العتاهية، وآخرين. والنتيجة: رسوخه المركوز في أرض الشعر، وسموق رايته، ما قاد إلى اعتلال صحته، ووفاته المبكرة. وقس عليه أبا الطيب المتنبي، وأبا العلاء المعري، وكوكبة مضيئة من الشعراء الأفذاذ.

كان الشعر ينقطع عن الشاعر زمنا قد يطول أو يقصر، تماما كالوحي. فإذا تمادى الانقطاع، والهجر” السافل” للجني الساحر، أو للربة الملهمة، قيل: إن الشاعر أصفى وأفصى، كما يقال عن الدجاجة إذا أفصت أي: إذا انقطع بيضها.

وهذا دليل آخر يثبت ان ارتجال القصيد يجانب الحقيقة والواقع، ويكذب مشاعة الشعر، ومطاوعته الراغب انى ومتى شاء. مثلما يكذب ذلك ما وصلنا من أخبار عن الشعراء المحككين، الحوليين، والموصوفين بـ”عبيد الشعر”، الذين يسلخون الأيام والليالي والأشهر وهم في انقطاع تام، وعكوف محرابي على قرض ونظم الشعر، وتقليب أوجه ومناحي كتابته تصحيحا وتصويبا، وتعديلا، ومحوا، وتقييما وتقويما بهدف الوصول إلى الذروة، أو ما يسامت الذروةَ.

عن هذه المناجزة العصية، والمجاهدة الجهيدة في تهذيب الشعر وتنقيحه، والسهر على رعاية وروده وأشواكه، يقول سويد بن كراع:

أبيتُ بأبواب القوافي كأنما/ أُصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا

أما بعد: فإن كتابة الشعر، ومن ثمَّ القصيدة أو النص، صنعة دفعت بالكثير من نقاد الشعر العربي القدامى، إلى القول بأنه: “صناعة وثقافة يعرضها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات. منها ما تثقفه العين. ومنها ما تثقفه اليد. ومنها ما يثقفه اللسان”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية