خضير فليح الزيدي… الاسماء وسرديات الاقنعة

تبدو سردية الأقنعة من أكثر السرديات إيهاما بالتاريخ، مثلما هي إثارتها في التعاطي مع موضوعات تمسُّ الغامض، و(المقموع والمسكوت عنه) إذ تفتح هذه السردية أفقَ المفارقة، ويستكنه ما تفترضه الحيل السردية من مغامرات، أو ما تستدعيه من إحالات سيميائية تقارب بعض عوالم ضحايا تلك السردية، بوصفهم ضحايا للتاريخ الذي تصنع علاماته وأسماءه أقنعة السلطة أو الجماعة.
رواية «المدعو صدام حسين فرحان» للروائي خضير فليح الزيدي، والصادرة عن دار سطور/بغداد/2019 تضع قارئها في سياق مواجهة فادحة لما يتبدى من تلك الأقنعة السردية، لاسيما قناع الاسم، بوصفه علامة، أو هوية، أو تورية، فالروائي يقترح مسار لعبته السردية، من خلال اقتراح وظيفة انفعالية للاسم، التي تُفضي إلى الكشف عن ثيمة تتفجر عبرها أحداث الرواية، عبر تمثلات سيرة بطلها المُتقمِص لوظيفة الحكواتي، وهو يستدعي من يقبل بالإصغاء إلى حكايته الغرائبية مع اسمه وأقنعته.
عنونة الرواية عتبة توصيفية لقناع الاسم، وعبارة (المدعو) إشارة تجريدية تفترض التعريف بما بعدها، والتي تجعل من إضافة الاسم (صدام حسين فرحان) قصدا سرديا، له دلالته في السياق الروائي، وفي فضاء الإيهام والتخيل السردي، فالرواية تقوم على استكمال ما يتبدى في بنية العنوان وفي إحالاته، وكذلك في تأطير زمن الرواية – زمن سياسي أو نفسي- ووفق ما تقترحه تلك البنية من مفارقات وصدمات هي جوهر الغرائبية في الرواية. تقوم معمارية هذه الرواية على ثيمة التقابل بين الأقنعة والوقائع، وعلى مصاحبات نصية تتكشف من خلالها معاناة بطل الرواية، وهو يحمل رعب قناعه/ اسمه في الماضي وفي الحاضر، ففي الماضي يتحول القناع/الاسم إلى تشبيه لـ(المقدّس) وفي الحاضر يعيش كوابيس الخوف، ولم يجد سوى البحث عن حيلة سردية تنقذه من هذه المفارقة، حيث يكتب رقم هاتفه على العملة الورقية، داعيا من يحصل عليها الاتصال به للانصات إلى حكايته، لأن صوته الداخلي وعزلته سيقتلانه، بعد أن قرر شراء جهاز موبايل بشريحته لاستكمال تفاصيل هذه اللعبة.
تبدأ الرواية من لعبة المؤلف وهو يسعى للتعريف بشخصيته، عبر استدعائه لسيرته ولحكايته، فهو أنموذج لشخصية يختلط فيها الواقع مع الخيال، مثلما هو أنموذج إيهامي للتعبير الفاجع عن محنة أقنعة الأسماء في السرديات العراقية، تلك التي تحمل في أنساقها المضمرة صراعات وكوابيس وتوريات موحشة.
تُحيل هذه السرديات إلى أفق غامض لتوصيف ما تحمله شخصياتها من أسماء، ذات دلالات تمس التابو الاجتماعي، والسياسي، وتجعلها في سياق عنف التخيل، الذي يحتشد بتاريخ غامض من الحكي، ومن السخرية أو الخوف، فالبطل يحمل اسم (صدام حسين فرحان) يرث اباه (السيد الوطني) في سمعته الغريبة والمكروهة، وفي علاقاته المريبة مع الجهات الحزبية، إذ يكتب لهم التقارير الصوتية عن الذين لم ينتموا للحزب، وعن كل المعارضين للحكومة من شيوعيين وغيرهم، هو لم يكن يقرأ ويكتب، لكنه يملك حاسة الإنصات للأصوات المعارضة «أبي كلب عجوز ومتعجرف كان متحمسا بشكل عظيم لسيادة حكومة الثورة الموقرة، وهو لم ينتم بعد، لا يعرف أن كوميديا وقار الحكومة أرجوحة متآكلة الحبال عبر مسبحة الزمن وخرزاته».

تهيمن شخصية القناع على فضاء الرواية، وتستدعي لهذه الهيمنة إجراءات سردية تقترن بأحداث ويوميات يعيش تداعياتها البطل، فعبر القناع تتبدى شخصية الأب وكأنها كاريكاتير للمتزلف، والمخادع

وهذا ما جعله في موضع نفسي واجتماعي أكثر اغترابا، وأكثر استعدادا للتحوّل إلى شخصية ضدية، حدّ أنه بدا أكثر تمردا في خياراته الأيديولوجية اليسارية، والتي جعلته عرضة لشتى التهم، وللمراقبة الأمنية من قبل تلك الجهات الحزبية، وتحت تهمة أنه شيوعي غامض وخطر. الشخصية الأخرى التي يصطنع لها الروائي منصة الإصغاء تحمل اسم (عبد الكريم قاسم) وهو قناع يتخفى به عبر اسم الزعيم العراقي لأول جمهورية عراقية عام 1958، برمزيته الاجتماعية، وشعبويته التي تحمل كثيرا من السحر والمفارقة. هذه الشخصية (الورقية) كما يسمّي أنموذجها رولان بارت، أو المُؤلَفة كما يسميها تودورف، تحضر في الرواية بوصفها نظيرا سرديا، إذ يضعها الروائي في سياق توصيفي محدد، فهي تعيش – أيضا- غربة وجودها في المكان وفي الحياة وفي الاسم، صاحبها موظف متقاعد، فقد زوجته ويعيش بعدها كل تداعيات العزلة والوحدة، يخشى من مواجهة الآخرين المسكونين بالرعب والعنف، ولا سبيل للتخفيف من هذه العزلة سوى القبول بعرض صاحب الدعوة للإصغاء إلى حكايته، ليشاطره الغربة والإحساس بالفقد والعجز وتشوهات الماضي المسكون بالخديعة.
لقاء الشخصيتين ليس لعبة إيهامية للاعتراف، وتعرية ما في نفوسهم من قلق وخوف، بل هي كشف لطبيعة المهيمنات التي فرضتها الأقنعة، والتي اقترح لها الروائي بؤرا سردية تبدأ من تسويغ وظيفة الحكي، وتنتهي عند رعب مواجهة النهايات، وبكل ما تنطوي عليه من حيل سردية لاختراق المستور، وللغوص في تفاصيل الرعب العراقي، حيث الاستبداد والحروب العبثية، وحيث الموت المجاني، والحصار الأشد بشاعة، وحيث الاحتلال والحروب الأهلية، تلك التي تصطنع له الاغتراب الفانتازي في وجوده، وفي طبيعة الأسماء ذاتها، فهي (أسماء مفخخة) كما يسميها، وقابلة لأن تتحول إلى أقنعة للموت أو للحياة، أو للرعب أو للأمان فـ»الاسم يتحول إلى قنبلة ربما تنفجر على حامله في أي وقت، ويسألني سائل عن قصد مسبق ما اسمك، فأعلم إنه يفتش في داخلي عن هويتي وصنفي والانتماء المفروض الذي على أساسه يتم الفرز، إما القتل أو حمايتك من القتل» وكلا الأمرين هو باعث عن المراوغة والمكر، فلم تشفع له اندفاعاته لأن يكون الرسام الكبير لصور الرئيس الأسبق صدام حسين في كل معسكرات جبهات القتال، إذ ظل اسمه رهينا بالجندي الشيوعي الباعث على الريبة والخوف.
تهيمن شخصية القناع على فضاء الرواية، وتستدعي لهذه الهيمنة إجراءات سردية تقترن بأحداث ويوميات يعيش تداعياتها البطل، فعبر القناع تتبدى شخصية الأب وكأنها كاريكاتير للمتزلف، والمخادع، مقابل ما تتبدى عليه شخصية الابن المُقنّع بالاسم، وهي تعيش اغترابها وملاحقتها ورعب مصيرها، حدّ أن لعبة السرد القائمة على فكرة الراوي، تجد في تلك الشخصيتين مجالا لتمرير إشارات مشحونة بطاقات سيميائية يقارب فيها الروائي الواقع العراقي، عبر مستويات تعيش تداعياتها الشخصيات، وعبر القناع ذاته تعيش شخصية الابن، وهي توارب وجودها القلق، وترسم عبر سيرتها في العائلة وفي الحرب وفي العزلة تاريخ رعبها الواقعي والرمزي، والذي هو رعب الاسم القناع ذاته، وكأن هذا الاسم يتحول إلى طارد سيميائي، كاشفا عن حمولة نسقية لنوع من أنثربولوجيا الرعب القرينة بأقنعة الأسماء والأمكنة والمدن، تلك التي تغترب فيها الشخصيات أولا، والهويات ثانيا، مثلما يتوه فيها المركز، ولتبدو لعبة السرد في هذه الرواية متماهية مع وظائف الشخصيات وهي تمارس فعل السرد، ليس بقصد الإيهام المجرد، بل بفعل الإيهام الذي يحرر الخطاب من واقعيته المباشرة، باتجاه ما يمكن أن يستولده من طاقة للتجريب، ولسحب القارئ إلى منطقة متوترة، تتبدى فيها دينامية السرد بوصفها حفرا في القاع الاجتماعي العراقي، وكشفا لفكرة سايكولوجية مشوبة بالسحر والغموض والسخرية والمرارة، والتي ستجعل المؤلف أكثر حساسية إزاء فاعلية السرد، وهي تلامس بعنف خدعة التاريخ الذي يكتبه الآخرون.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية