خطأ حماس في مصر

حجم الخط
1

لم تكن القضية الفلسطينية يوماً إلّا واقعاً حاضراً في وجدان العروبة لعقود طويلة، ولم تكن معاناة الفلسطينيين وشقاؤهم وسوء حالهم إلا ألماً وجرحاً نازفاً لمن عشق أرض فلسطين وماءها وسماءها، لكنها اليوم قد أصبحت صنّماً راكداً من التأرجح والانسداد السياسي والأيديولوجي الضحل، فدولة إسرائيل ليست في عجلة من أمرها لإنجاز السلام الموعود، والسلطة الفلسطينية بمشايخها من نخب الأجداد والأحفاد تستجدي التفاوض على استحياء، بينما حماس تعيش حالة نفسية من الانكفاء والتحوصل في قطاعٍ غارقٍ من الاكتظاظ والفقر والعزلة الدائمة، تحت مسميات وعنوانين المقاومة والتحرير والحفاظ على الحق والتراب الفلسطيني.
عند سقوط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لم تخف حماس سعادتها الكبيرة بما جرى، ولم تستطع أن تنأى بنفسها عن تنظيم الاخوان المسلمين في مصر، بحجة كون مصر ضرورة وحاجة ملحّة للحالة الفلسطينية الراهنة، وبرغم سياسة الإنكار الحمساوية بأن دورها موجود، فقط على أرض فلسطين وليس سواها، وأن أذرع حماس في مصر ليست إلا أصابع ناعمة من تبادل الخير والإسلام والفكر والإخوة الدافئة، لم تبرح حماس برأيي معايير الصدق والمصداقية في دفاعها عن نفسها، لكنها قالت الحقيقة وليس كل الحقيقة، فقد تحدثت عن ما فوق الأرض، وعن ما يجري عبر الحدود والمعابر، وأغفلت وأخفت قاصدة ما جرى ويجري تحت الأرض وبعيداً عن أعين شعب مصر الذي منحها فيضاً من مشاعر التأييد والتعاطف والانسجام، كونها كانت برأيه تمثل روح المقاومة والتحدي والتضحية، ليبدو بعدئذٍ ما ظهر وما أستتر من دور حماس في التعدّي والإهانة المقصودة لمصر السجون ويُهرّب المساجين المصريين والعرب، بالإضافة لدور مشئوم ومثار جدل حول قتل الجنود المصريين في سيناء وتهريب السلاح وتغذية حالة الإرهاب والعنف الذي أصبح يؤرق المواطن المصري ويفجعه المرة تلو الأخرى .
قد تفهم مشاعر ومعايير الانسجام الفكري والروحي بين حماس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، لكنها قد أخطأت خطيئة حزب الله اللبناني بتعامله مع الملف السوري الثقيل، حيث قفز الحزب مفتخراً بذاته فوق سيادة لبنان وكرامتها ومستقبلها، ليلقي بأبنائه وأوراقه في المحترقة السورية ليدافع عن حاكم دمشق وأزلامه من القتلة والمأجورين، فأحرار سوريا قد غدو عدواً من أمامه، ولبنان المرهق بحراً متلاطماً من خلفه، أما حماس فقد رهنت سياستها وقدراتها بحزب الحرية والعدالة ومع رئيس المعزول تحديداً، وحجبت أبصارها عن ملايين المصريين الذين ملئوا ميادين مصر وشوارعها مطالبين بإصلاح ثورتهم ومسارهم السياسي والاقتصادي، ولتنعت إرادة المصريين وصوت النخب السياسية والمدنية وانحياز جيش مصر لشعبه الثائر كونه برأيها انقلابا خشناً على معايير الشرعية والديمقراطية، ولتصبح حماس بقدرة قادرٍ حبيسة كعادتها بعد ردم وإغلاق مئات المسارب والأنفاق، لكن الأهم أنها قد خسرت حضناً مصرياً كبيراً وتعاطفاً ودعماً عربياً موضوعياً، لتبقى في نفق غارق بلا آفاق.
م. زيد عيسى العتوم الاردن
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية