سيفر بلوتسكر
بعد موت اسحق شامير رئيس الليكود ورئيس الحكومة في الماضي كُتبت تأبينات تُثني على شخصيته وخطواته، وبرز بين المدائح التناول الايجابي لقرار شامير إذ كان رئيس وزراء اسرائيل في 1991 على ‘ضبط النفس بسبب اطلاق صواريخ سكاد على اسرائيل من عراق صدام حسين في بداية حرب الخليج الاولى’، كما ذكر مؤبنوه الكثيرون.
لكن رأيي مختلف. فقد كان ضبط اسرائيل لنفسها بازاء اطلاق الصواريخ على مواطنيها خطأ أجيال. خطأ ذا آثار تاريخية صعبة. فلأول مرة نقلت اسرائيل حماية مجالها الجوي وحياة سكانها الى جيوش اجنبية. ولأول مرة تخلت اسرائيل عن حقها القانوني في ان ترد على هجوم متحرش عليها. فقد أعلن صدام في واقع الامر حرب اسرائيل فطأطأت رأسها وانكمشت أمامه.
ان الزعم الذي يقول ان اسرائيل حاولت ان تنسق عملياتها مع الامريكيين لكنها رُفضت، يبدو لي غير مقنع. فلو ان حكومة شامير كانت تقصد الرد حقا لطلبت التنسيق مع الولايات المتحدة قبل حرب الخليج لا في خلالها. ولم تُحب الادارة الامريكية ولا سيما الرئيس جورج بوش الأب فكرة عملية عسكرية اسرائيلية على العراق ردا على اطلاق الصواريخ عليها، لكنهم أخذوا ذلك في الحسبان وفهموا ان اسرائيل لا تستطيع ان تُبيح لنفسها ضبط النفس، فليست هناك دولة في العالم لا ترد حينما يقصفونها.
لكن اسرائيل الرسمية لم تتجه قبل الحرب بالطبع طالبة التنسيق، ولم تقل للامريكيين بصوت لا هوادة فيه: لا نأخذ في الحسبان ألا نرد على هجوم صواريخ متواصل علينا. فاما ان تكونوا مستعدين للتنسيق سلفا وإما ان نعمل وحدنا، وقد نشوش على خطتكم. لكن اذا لم نُهاجَم فلن نشارك في الجهد الحربي العالمي على صدام ويستطيع الزعماء العرب الذين ضموا دولهم اليه ان يكونوا ساكني النفوس فجنودهم لن يلاقوا جنود الجيش الاسرائيلي.
واكتفت اسرائيل بالتصريحات بدل السعي الى تنسيق عسكري. وهدد وزراء واعضاء كنيست وقادة من الجيش الاسرائيلي وخبراء بالاستراتيجية ورئيس الوزراء بجلاله وعظمته قائلين انه اذا تجرأ صدام على مهاجمتنا بالصواريخ، فسينال ردا اسرائيليا ساحقا لن ينساه أبدا. أبدا؟ لم يؤثر كلامهم في صدام بل زاد صلفا وهاجم اسرائيل بلا خوف.
وكان على حق في تلك الحال، فقد بقي الهجوم بلا رد تقريبا. واخطأ القصف لقواعد اطلاق الصواريخ في العراق الأهداف وأفضت العملية البرية البريطانية الى نتائج قرب انتهاء الحرب فقط. وقد حاربت الوحدات الخاصة البريطانية في بطولة، لكن لو ان الجيش الاسرائيلي عمل بدلا منها لتم وقف اطلاق الصواريخ في زمن قصير نسبيا لا لأنهم عندنا يعرفون الميدان بصورة أفضل بل وفي الأساس لأن القضاء على قواعد اطلاق الصواريخ عند الامريكيين والبريطانيين كان أمرا هامشيا وكان بالنسبة لاسرائيل أمرا رئيسا ووحيدا.
لست أعلم كيف كان سيرد صدام على عملية رد اسرائيلية من شبه المؤكد أنها كانت ستكون مفاجئة. واستطيع فقط ان أُخمن بأن أقول انه كان سيوقف اطلاق الصواريخ. فقد كان انقاذ حكمه أهم من كل شيء آخر، وكان التهديد المباشر له سيجعله يزن من جديد التحرش باسرائيل.
اختار شامير ألا يرد، ووافقت حكومته على ضبط النفس. واستنتجت القيادة العليا للجيوش العربية والمسلمة من ذلك الاستنتاج المطلوب وهو ان اسرائيل القادرة على كل شيء ليس عندها رد عسكري مناسب على هجوم بصواريخ بعيدة المدى، فهلّم نطور اذا صناعة صواريخ منا، والى ان تنضج سنطلب صواريخ كهذه من دول تعرف انتاجها.
دخل سباق التسلح الصاروخي في الشرق الاوسط منذ ذلك الحين مرحلة جديدة أخطر وأبهظ كلفة. وربما لم يكن مناص من ذلك على كل حال، لكن أكثر من ذلك منطقا ان نفترض ان الرد الاسرائيلي الصارم على هجوم صدام الآثم كان سيؤخر السباق سنين غير قليلة.
يديعوت 2/7/2012