خطأ صميمي

حجم الخط
0

خطأ صميمي

غصون رحالخطأ صميميغإلي الدكتور عبد الحسين شعبانفالقاهرة تفور بالبشر، والفندق العريق يلقي بقدميه علي حافة مياه النيل مداعبا. الصباح التشريني مغلف بشبورة ضبابية رطبة، والمطعم الذي يعتمر طبقة الفندق الثالثة عشرة كقبعة أنيقة، ويفوح برائحة القهوة الطازجة وأصناف الطعام الشهية، يدعوني الي التسكع في ارجائه لانتقاء الطاولة الأكثر قربا من الواجهه الزجاجية المطلة علي النهر لاحتساء قهوتي … شمس تشرين الباهتة تطلّ من زجاج النافذه وتغمرني… وأنا التي تبحث عن شمس تشرق مرتين. مرة من ثنايا الفجر، بوجه ملتهب يغمر جسد الارض التائق الي دفء النشوة، ومرة أخري من نظرة عين تخترق شغاف القلب وتدغدغ دقاته كنسيم البحر. تحملني فوق جناحي قوس قزح وتلقي بي في احضان شاطئ نحاسي مدجج بالضياء والدهشة.وفيما كنت غارقة باحتضان حلمي المغمس بالعسل ونثر قطع السكر الكريستالية في فنجان القهوة الصباحية… كان الاجتماع التمهيدي المعد للباحثين قد بدأ. التحقت بالآخرين بعد أن احتلوا مقاعدهم. واجهتني حول الطاولة عشر يافطات باسماء المشاركين، وعشرة أعلام عربية. بحثت عن اليافطة التي تحمل اسمي والي جوارها انتصب علم صغير للبلد الذي امثّله، فجلست في ظلّه. لم أتبين قراره الذي كان قد تمّ بصمت… أثني علي العرض الموجز الذي تقدّمت به عن مجمل دراستي بكلمات قليله: عرض واف، وضمن الوقت المحدد. احييك! لم استطع رد تحيته بمثلها بعد ان استعمت الي عرضه. أسهب كثيرا، وأطال، وشرح، وقدم الأعذار حول خصوصية الوصول الي ارقام ونتائج محددة ضمن بحثه. لكني عذرته طالما انه يتحدث عن العراق. فكيف لباحث ان يتوصل الي مصادر المعلومات حول أي بحث في بلد مثل العراق! مر النهار القرمزي في نقاشات مشبعة بوجع الخيبة …لنجد نفسينا نلهو مع الوقت في مساء الشارع من ميدان طلعت حرب… حتي مكتبة مدبولي العريقة ….أيقنت لحظتها أن الحياة ابعد من قارعة طريق… اخترت رواية ذاع صيتها، واحتلت رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا عمارة يعقوبيان . اما هو فتناول كتابا سياسيا حول العراق ما عدت أذكر عنوانه. ما كان لدينا خطة ما للقضاء علي الوقت، فذهبنا للتسوق، ثم خطر له ان يصحبني الي نادي يوناني شهير لا يبعد كثيرا عن وسط البلد. احتفي به صاحب النادي، والنادل الكهل، وحياه من بعيد رجل يجلس الي طاولة مطرفة، فردّ له التحية. شربنا نخبا وأكلنا تشكيلة من ثمار البحر اللذيذة، وانتشيت بالاستماع الي شعر عذب، لم أكن اعرف انه لمظفر النواب.تفاجأت وهو يلقيه بصوته الحزين ولهجته العراقية الخالصة: مو حزن لكن حزين…مثل ما تنقطع تحت المطر شدة ياسمين.مثل صندوق العرس ينباع خردة من تمضي السنينمثل بلبل قعد متأخر لقي البستان كلها بلايا تين …انا قلتلك مو حزن… لكن حزين .قفز السؤال الي رأسي: ما عسي ان تكون نهاية هذه الليلة؟ رحت أفتش عن ملامح لوجهي في قلب هذا الكون فلم أجدها، ولم أجد الأسئلة المناسبة لما املك من أجوبة مبهمة؛ لم تتحقق نبوءة الخلق، وما كان آدم وذريته إلا صورا من عذابات الأزل! نحن العالقين أبدا ما بين موت طارئ، وموت حتمي لا نعبأ الا بلعق العسل! لا نجاة من مصير لا يعرفني، ولا مفرّ من مذاق الغيب حلوا… او مرّا! ما فات من ايامي ينذر بضياع الفجر، لأنتظر بياض الليل الآتي إذن كي أتبين أمري… سأل بانتعاش من استيقظ من نوع هادئ عميق: أين نذهب؟نظرت الي ساعتي، كانت تشير الي الحادية عشرة ليلا!دار سؤاله في رأسي دورة كاملة، وتساءلت عن مغزي الاستمرار في التسكع! قلت: نذهب الي الحسين ، الي قهوة نجيب محفوظ وندخن النارجيلة. قال: حسنا، ولكن لنذهب أولا لوضع المشتريات في الفندق. وبما أن الفندق كان علي بعد خطوات فقط لم امانع، خاصة وأنني اردت التخفف من أكياس مشترياتي التي أصرّ علي حملها.قلت: نلتقي في الردهة الخارجية بعد قليل. اقترح: سأرن لك عندما أجهز.رن الهاتف بعد حوالي نصف ساعة، كنت خلالها قد تحللت من بعض ملابسي وتمددت علي السرير وشعرت بخدر لذيذ يتسلّل الي اوصالي بعد عناء يوم طويل.اجبت الهاتف بتعب: لندع الحسين الي مرة ثانية، يكاد يقتلني النعاس.رد بنبرة استياء: كما تريدين… وتمني لي ليلة هانئة .بعد وقت… جمعنا لقاء آخر في أحد المقاهي… وفوق أرضي أنا.قال: كنت خائفة… قاطعته باستنكار: ولم الخوف؟ فقط كنت مرهقة… صدقني!لم يصدقني، وما صدقت نفسي أيضا، فاعترفت: نعم خفت. شرد. بعد تنهيدة طويلة قال: انت خطأ صميمي!ابتسمت معلّقة: وكيف يكون الخطأ الصميمي!قال: الخطأ المدروس، الذي يقترف بكامل الوعي والإرادة. استزدت: وما الفرق بينه وبين الخطأ غير الصميمي ؟اوضح: الخطأ غير الصميمي هو الخطأ الذي يقع سهوا. هو الخطأ التافه، الضئيل…قلت مقاطعة: لكن الخطأ المقصود ليس بخطأ لأن الانسان يعتقد وهو يرتكبه انه يفعل الصواب.اجاب: بالعكس. الخطأ الصميمي هو الخطأ البهي، العظيم، الذي يشعر من يرتكبه بالانتشاء رغم علمه الصريح بأن ما يقوم به هو الخطأ بأم عينيه! ـ لم افهم !ـ ليس مهما، ستفهمين مع الايام. وصمت.اخوض ثانية في زحام الطريق حتي باب غرفتي التي تستقبلني علي استحياء، فأدفن بين جدرانها توقي الي الشاطئ النحاسي، واشيّع من علي فراشي حلما الي مثواه الأخير، ثم أخلد الي نوم آخر علّ الغد يشرق من عيني حبيب.مرّت الأيام ولم افهم، وها انت اليوم في الجوار البعيد… تحصي خطاياك.وها أنذا أناوئ نفسي بعد كل هذا الزمن الذي هدّني واقعدني عن ارتكاب الاخطاء الصميمية منها وغير الصميمية، امتلئ برغبة أخيرة… رغبة في موت بهي. موت، اشتهيه، اطارحه الغرام، ثم اميته!لي رغبة في موت أهيم في هواه …كأن اختنق بقبلة !كاتبة من الأردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية