خطابات أنطونان أرتو الثورية في المسرح والسريالية والثقافة
عبدالحق ميفرانيخطابات أنطونان أرتو الثورية في المسرح والسريالية والثقافة كتاب الدكتور سعيد كريمي أنطونان أرتو: خطابات ثورية في المسرح والسريالية والثقافة هو في الأصل ترجمة لكتاب أرتو خطابات ثورية Meages rژvolutionnaires العنوان الذي اقترحه أرتو علي صديقه الناقد جون بولون وذلك في رسالة مؤرخة بـ21 ايار (مايو) 1936، وقد أبلغه من خلالها أن ناشرا مكسيكيا عرض عليه جميع نصوصه المتعلقة بالثقافة المكسيكية المحلية في كتاب واحد، غير أنه يبدو أن هذا المشروع ظل معلقا… ومعلوم أن نصوص أرتو ظهرت مترجمة الي الاسبانية في العديد من الصحف المكسيكية، لكن في سنة 1962 قام لوي كاردوزا وأراغون بالبحث والتنقيب عن هذه النصوص وجمعها في كتاب أسمياه : Mexico(Universidad national autonoma de mscico,1962) وأغلب النصوص التي يتشكل منها كتاب مكسيكو موجودة في كتاب خطابات ثورية باستثناء أربعة نصوص وهي جبل العلامات وهو النص الذي يفتتح به أرتو كتابه سفر الي بلاد التراهوماراس بالاضافة الي بلاد الملوك-المجوس و جنس أصيل و طقس ملوك الأطلسي ، وقد قام الدكتور سعيد كريمي بترجمتها من اللغة الاسبانية. كتاب أرتو خطابات ثورية وكما يؤكد الدكتور يونس الوليدي في تقديمه يعكس لقاء أرتو بثقافة الشمس وبأسرار الحضارة القديمة الكتاب الذي كتبت رسائله حوالي 1936، لم تتعرف عليه فرنسا الا بعد قيام ماري دينزن وفيليب سولر بنقله من اللغة الاسبانية الي الفرنسية. وتكمن قيمة الكتاب، يشير الأستاذ الوليدي الي كشفه للعالم عن كل التحولات الفكرية، والفنية، التي طرأت علي أرتو، وانعكست بعد ذلك علي تجربته المسرحية والشعرية ، ومن خلال ثلة المواضيع المطروحة يعبر أرتو عن الوعي المنقسم الذي صار يعانيه الانسان الغربي في اليومي كالفصل الذي أقامه العقل الأوروبي بين الفكرة والصورة، انطلاقا من أن صورة العقل الأوروبي هي صورة فكر الحادي.لقد جمع الدكتور سعيد كريمي في كتابه أرتو: خطابات ثورية كتابات أرتو، كما قدم نماذج من رسوماته ملحقة مع كرونولوجيا حياته، وجرد لمؤلفاته، مما حدا بالكتاب الي أن يتحول لاعداد وترجمة كان قاسمها المشترك المسرحي أرتو الذي يؤكد أن لا ثورة حقيقية دون ثورة ثقافية .يتحدث أرتو عن تعارضات السريالية والثورة، باعتبار تضادهما معا، وهي مطالبة بالحياة أي السريالية ضد كل كاريكاتوريتها، وفي انتقاد ذاتي صريح يشير أرتو لعلاقته وانضمامه لهذه الحركة، لكنه يعيد فهم طبيعة العلاقة بالسريالية، من خلال التقاط ما عبر عنه بالسر الخفي ألا وهو تمرد السريالية وغرقها في اللاوعي، السريالية صوفية خفية وتنجيم من نوع آخر. انها حركة مكسوة بالصور تبعث عقلية الاستعارات القديمة بواسطة نوع من الرغبة في الفراغ، ويبني أرتو أطروحته النقدية للسريالية بوصوله لمقولة مركزية: افلاس الثقافة العقلانية الأوروبية، وسفره لأرض المكسيك بحثا عن أسس ثقافة سحرية، ولعل مقولة الافلاس هي جواب علي تلك المغالطة التي يعتقد أرتو أن الوعي الأوروبي عاشها طيلة 400 سنة، ترتبط بالمفهوم العقلاني للعالم أو ما يسميه بالوعي المنقسم، وأرتو يعتبر الانسان ضد القدر بحكم أن المعرفة تقهر القدر عن طريق الحركة، ويقدم كنموذج المسرح القديم الذي كان حربا ضد القدر.في باب المسرح والآلهة ينفي أرتو جداوئية أن تكتب ، فالمسرح الحقيقي لديه مثل الثقافة لم يكن مكتوبا أبدا، والفكر ضاع منذ اليوم الذي كتبت فيه أول كلمة، ان المسرح عند أرتو فن الفضاء لأنه يرتكز علي النقط الأربع للفضاء، انه يوشك أن يلامس الحياة التي تجد صورتها في الفضاء المسكون بالمسرح، وعلاقتها بالآلهة التي تقدم منهجا ملموسا لمعرفة تشكل الحياة، يؤكد أرتو أن الميتولوجيا المكسيكية ميتولجية نموذجية مفتوحة، انها المكان الوحيد علي الأرض الذي يقترح علينا حياة خفية علي مساحة الحياة .في مسرح ما بعد الحرب بباريس، يكشف أرتو عن حركة تمثل المسرح والفكر الفرنسيين، في وقت كان اهتمامه منصبا علي الحياة الجوهرية للمسرح، وهذا التمثل لأرتو يندرج في اطار الممارسة والتأمل، اذ اشتغل في هذه الفترة (1920 ـ 1936) كممثل ومخرج في العديد من المسارح كالأوفر الأتولييه، الكولومبي القديم، كوميديا شون اليزيه، استوديو شون أليزي، مسرح كرونيل، مسرح بيغال، مسرح الشارع، مسرح فولي واغرام، كما تعرف عن قرب علي جميع الفرديات التي طبعت المسرح وعمل معها كلونيي بو، سلفان، شارل دولان، جاك كوبو، لوي جوني، جورج لودسيله بيتو ييف، سوزان ديدوري، غاستون باتي، روجي كارل.ان هذه التجربة التي طبعت مسار حياة أرتو شكلت لديه لحظة ولوج الحياة الخفية للمسرح، كذا انوجاده مفهوم السحري وهي بمثابة كشف لخيمياء تشكل المسرح الفرنسي في هذه الفترة، وخلال هذا الكشف يعيد أرتو قراءة هذا الجسد المسرحي وتلمس اضاءاته الدراماتورجية اذ يعيد قراءة العرض المسرحي في انفتاحه الكلي علي أدوات أخري ليس النص الا احدها، فهو يعتبر الانارة اللغة، الحركة، الصوت…وفي هذا الجرد وعبر هذه القراءة الداخلية يثير أرتو أفق المسرح الفرنسي الذي يسعي الي الوصول الي لغة كونية توحده مع الفضاء كاملا، حتي يتسني لهذا الفضاء أن يتكلم لغته ويعيد أرتو التأكيد علي مرجعية الفن المكسيكي في مقاربته للمسرح.في رسالة مفتوحة الي حكام ولايات المكسيك، بعدما كلف بمهمة من قبيل سكرتارية التربية الوطنية الفرنسية، يؤكد أرتو علي افلاس الثقافة الأوروبية لأنها خانت حسب تعبيره الثقافة الحقيقية، ان الطقوس والرقصات المقدسة للهنود الحمر هي أحسن شكل مسرحي ممكن لديه، ويعتبر أرتو المكسيك الأرض الحمراء التي تتكلم لغتها الحقيقية، عكس أوروبا التي تمثل غبارا مثيرا للرثاء في نقده القاسي للأسس الفكرية التي قامت عليها الحداثة وفي تفصيله يضع أرتو الجميع في سلة واحدة.المسرح عالم الوهم الحقيقيفي قراءة للمسرح المعاصر، يثير أرتو خاصية مركزية مفادها أن مخرجي المسرح المعاصر لم يعد لديهم أي حس بماهية التراجيديا، وهدفهم يظل في المقام الأول خداع الأحاسيس، انهم عرائس ومهرجون ومسرح يقوم علي التعامل مع الأشياء فوق الخشبة في طبيعتها، وهي الطريقة لخلق الايهام المسرحي، من خلال الاعتماد علي النص السحري، وتوظيف للعلامات الاستعارية مع اقحام المنطق اللاعقلي والشبحي للأحلام علي الخشبة.ان مسرح اليوم يؤكد أرتو يبحث عن لغة تتموقع في الفضاء، ولاحياء المسرح يجب أن يكون ثمرة عمل لنوع من الانسان المتقلب الذي يعرف جيدا الهيروغلفيات الحية للاخراج. وحين بحث المسرح الفرنسي عن أسطورة من خلال أعمال بريفير وبارو في بدايات القرن الماضي فلأنهما بحثا عن علامات وحياة سحرية لاحيائها علي الخشبة كنوع من التجاوز الذي مثله في التشكيل الفرنسي بالتوس في رد فعله علي السريالية.ويعود أرتو لثقافة المكسيك التي يعتبرها ثقافة خالدة، الأرض الحمراء، الروح المنفصلة والمتجددة في ثقافة المايا، والتولتيك والزابوتيك، وفي عودته للمكسيك تركيز علي الأثر الفعلي الذي أحدثته زيارته لهذه الأرض الغنية بثقافتها في حركاتها الخاصة بالفضاء والماء والهواء والضوء والريح ولعلها التعاليم التي ساهمت في تشكل الوعي المسرحي لدي أرتو.ان حضور أرتو بالمكسيك استجلاء لبعض المفاهيم، أو رغبة في احيائها من جديد. ويعيد أرتو التأكيد علي مقولة السحرية كمدخل خارق واخصابي لفعل المسرح الذي يعتبره فنا مقدسا، يلزم من يشاهده ومن يمارسه، ويساعد التصور السيكولوجي عند أرتو في تجلي فهم الحركة والتي يعيد العقل تشكيلها في صور لها نفس الحركة التي تقوم بها، لذلك يعترف أرتو أنه لا توجد الفة ثورية أفضل من المسرح. ولعلها الثورة التي رآها أرتو في ثقافة المكسيك المسرح الكبير المتحرك، والأرض التي جاء اليها هاربا من الحضارة الأوروبية.ثقافة الثورة ـ ثورة الثقافة:يشبه أرتو الثقافة الأوروبية بالجثة، ولا يعتبر الثورة الماركسية ثورة شاملة، لأنه يؤكد أن لا ثورة دون ثورة في الثقافة كشكل حيوي يستحق أن يعاش، وحين يعلن أرتو حربه علي الماركسية فلكي يوضح تبنيه المختلف لمفهوم الوعي الفردي، ولعل تصوره المختلف هو اعلان لثورة الوعي المعاصر تجاه الانسان والطبيعة والحياة. لكنه يضيف أن علي الثورة أن تبدأ بالثورة ضد الثقافة الأوروبية وضد كل أشكال العقل الأبيض. ولا يحصر أرتو الثقافة الحقيقية في الثقافة المكتوبة، بل ان احساسه الحركي بالحياة يجعل من الثقافة أسلوب عيش في الحياة.. ويختتم كتاب الدكتور سعيد كريمي بضبط لهوامش المقالات المترجمة اضافة لصور ورسومات أرتو مع أعماله الكاملة. ولد أرتو في 4 ايلول (سبتمبر) 1886 بمدينة مارسيليا من أبيه أنطوان روا وأمه أوفرازي نالبس وتوفي في الرابع من آذار (مارس) سنة 1948 إذ وجد ميتا علي حافة سريره، وتم دفنه بمقبرة ايفري في الثامن من الشهر نفسه حسب رغبته.ہ شاعر وكاتب من المغربQMS0