عناية جابر أيا يكن موقف المراقب السياسي من الوضع السياسي السوري، مواليا أم معارضا، ‘منحبكجياب أم اثوريا’، عربياً أم تركياً أم أعجمياً، فإنه سيضطر اليوم الى اعتبار الخطاب الأخير للرئيس السوري في دار الاوبرا مفصلا سياسياً بالغ الدلالة في عمر المسألة السورية. وبمعزل عن المواقف الإجبارية لمن هم في موقع مسؤول هنا وهناك ولمن يشعر بضرورة التصريح من أجل الحفاظ على معنويات جماعته وتماسكها، بمعزل عن كل ذلك لا يستطيع مراقب مستقل إلا أن يسجل على صعيد الشكل أولا أهمية الخطاب في هذا الوقت بالذات.ففي الوقت الذي تتنازع سورية المتمزقة رياح الأطماع الإقليمية والدولية وتحاول وبنجاح أن تجعل من أطراف الصراع الداخلية مجرد أدوات في مشروعها، فاجأ الحكم في سورية الجميع بمبادرة سياسية للتسوية أظهر فيها، وبغض النظر عن مضمونها وعما يمكن أن تؤدي إليه، على الأقل تماسكه وقدرته على الحركة والمبادرة وجر الآخرين كل الآخرين الى التموضع وفقاً لما يطرحه. في الشكل ما من شك أن ذلك يحسب لهذا الفريق الذي يظهر قدرة سياسية فائقة الدهاء والمرونة، خصوصاً إذا ما قورن موضوعياً بالاداء المتواضع المتميز بقلة الخيال والمبادرة للفريق المعارض.أهمية المبادرة التي أطلقها الرئيس السوري بشار الأسد تنطلق من محاولة إرجاع التسوية الى الداخل السوري وانتزاعها جزئياً من يد الأطراف الدولية الأساسية، التي يتردد في أكثرية الدوائر الدبلوماسية والإعلامية عزمها على إيجاد حل وتسوية للنزاع السوري. ضربة كانت ستكون كبيرة االمعلميةب لمصلحة سورية الدولة لو تسنى للمعارضة القليل من الاستقلالية عن مراكز القرار الإقليمية، لكي ترد على مبادرة الأسد بمبادرة مواجهة تعيد اللعبة الى الداخل، لكن ذلك لم يحصل. على أي حال جاءت المبادرة الرسمية السورية بتوقيتها ومكانها وشكلها ومحتواها لكي تنسجم ليس فقط مع المعطيات الدولية الجديدة، بل لكي تدفعها الى الأمام ولكي تحتل فيها موقعاً متميزاً، موقع الشريك الرئيس، المبادر المرن القابل بالتعاون والمنفتح على الحلول. ولم يغب طبعا عن بال المراقبين جميعاً أن المبادرة السورية أتت مباشرة بعد فشل القوات العسكرية المعارضة، حسب المعلومات المتوافرة، في تسجيل نصر عسكري مميز كان قد تم الإعلان عنه في صفوف القيادات المعارضة المتمركزة في انقرة وبيروت وباريس. الأمر الذي أضفى على الخطاب، في هذا الوقت بالذات، هالة من النصر المعنوي على الأقل. الدهاء السياسي لفريق السلطة في سورية نجح إذا من حيث الشكل في تسجيل نقاط كثيرة في صالحه، من خلال إطلاقه لهذه المبادرة، وإن تكن مفاعيل هذا الدهاء متوقفة طبعا على استمرار دوران العربة التسووية الدولية التي يقودها الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي بدعم روسي- اميركي، على ما قيل، كما على بقاء موازين القوى العسكرية على الأرض على ما هي عليه الآن. غير أن خطاب الأسد لم يكن شكلياً وحسب وهو لم يكتفِ بتسجيل بعض المواقف كما تردد هنا وهناك. ففصاحة بنود التسوية الواردة في خطاب الأسد لم تخرج إجمالا عما صار يعرف باتفاق جنيف، فلماذا سارعت الدول الغربية الى تسجيل اعتراضها على الخطاب؟القراءة الموضوعية لخطاب الأسد الأوبرالي تستدعي الوقوف عند جانبين منه. ففيما تركز اهتمام أكثرية المراقبين على بنود المبادرة والتبحر في معانيها ومحتوى السلطة القادمة في دمشق، كان الدبلوماسيون الغربيون يتحسسون من ديباجة التسوية المعروضة ورأوا فيها ابعدا كبيراً عن الواقعب. الحقيقة أن الديباجة الأوبرالية احتفالية نصر من قبل خطاب الأسد. يقول الخطاب ان الأزمة في سورية تتضمن وجهين، واحد داخلي وآخر خارجي. وأما الثاني فكان يستهدف عبر تحقيق هدف إسقاط النظام، تغيير تموضع سورية الإستراتيجي. وبما أن الخطاب يعكس في اللحظة التي كتب بها موازين القوى الفعلية على الأرض، وفشل المشروع المعارض حتى الآن في تسجيل نصر نوعي يعتد به، خلص الى أن التسوية يجب أن تترجم هذه الحقيقة عبر تكريس االموقع الوطنيب لسورية. في ترجمة غير حرفية لخطاب الأسد يمكن الزعم أنه قال: الحل هو في بقاء سورية في موقعها الاستراتيجي وأهلا وسهلا بحل داخلي طائفي إصلاحي يشاركنا به الآخرون. هنا بالذات كانت أهمية الخطاب على ما أظن وهنا بالذات تعقدت الألسن. فلو كان الإصلاح الداخلي هو الهم الرئيس للقوى الدولية لكان عليها أن تثني على خطاب الأسد ذلك أنه ذهب معهم باتجاه الحل الجنيفي لا أن تراه ‘بعيدا جدا عن الواقع’.والحال إن الخطاب المذكور لم يخن كثيراً الوقائع الفعلية عندما وصل الى هذا الاستنتاج. فالمعارضة العسكرية بجميع قواها الداخلية والخارجية، الإخوانية والسلفية، لم تستطع بالطبع لا أن تسقط النظام، ولا أن تحتل مدينة على الأقل تأوي قيادتها من شظف الإقامة في المنافي، كما لم تستطع أن تسجل نصراً عسكريا مبينا، كاحتلال مطار أو السيطرة على طريق رئيسة أو ما شابه. بالمقابل على المراقب الموضوعي أن يعترف بأن النظام حافظ على تماسك مشهود على صعيد القيادة السياسية والعسكرية والإدارية والدبلوماسية، كما حافظ على تماسك ودعم قاعدته الشعبية وأغلبية سكان المدن الرئيسة السورية من جميع الطوائف. طبعا هو لم ينتصر لكنه ليس فقط لم يسقط بل هو في وضعية بعيدة أقله عن السقوط. التحفظ الغربي، خصوصاً الامريكي، هدفه رفع السقف فقط من أجل المناورة في المفاوضات القادمة أم رفض النتيجة كما هي على الأرض ومترجمة بخطاب الأسد االبعيد جدا عن الواقعب وباعتبارها مؤقتة طالما أن الحرب سجالٌ ؟ qlaqpt