خطاب حماسي… ولكن؟

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

لا يختلف اثنان على عاطفية وحماس خطاب الرئيس عباس في الأمم المتحدة، من حيث طرح معاناة الشعب الفلسطيني منذ ما يقارب الثلاثة وستين عاماً، أو من حيث سرد الجرائم الإسرائيلية منذ النكبة واقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، وصولاً إلى العدوان الصهيوني المستمر على الفلسطينيين في هذه المرحلة، والتطرق إلى الاستيطان وبناء الجدار العنصري العازل، والاعتداءات وهدم الأراضي والبيوت والاغتيال والاعتقال، بحيث كان 23 سبتمبرايلول يوماً فلسطينياً بامتياز في الأمم المتحدة، حيث صفّق الحاضرون وقوفاً وطويلاً لرئيس فلسطين، الأمر الذي يشي بمدى الدعم الكبير الذي يكنه المجتمع الدولي للفلسطينيين ولعدالة قضيتهم الوطنية، ومدى تفهمه لنضالهم من أجل انتزاع هذه الحقوق من بين براثن وأنياب العدو الصهيوني. الجزء الأول من خطاب الرئيس عباس تميز بشجاعة في الطرح وفي قول الحقيقة، وكان من المفترض لواقعية الحديث أن تقود إلى نتائج مغايرة تماماً للتي رددها أبو مازن، ذلك وفق منطق الأمور والواقعية السياسية، وبناء على التجربة الحياتية المرّة والمعاناة الطويلة للفلسطينيين من الكيان الصهيوني. لقد تطرق الرئيس عباس إلى سبع نقاط حددها في الصراع، فهو يطالب بدولة فلسطينية في الضفة الغربية والقطاع أي على مساحة 22′ من أرض فلسطين التاريخية، كما أعلن عن تمسكه بنبذ العنف والإرهاب، وبجميع الاتفاقيات مع إسرائيل، كما أعلن أن خياره الوحيد بالعودة إلى التفاوض إذا ما تم وقف الاستيطان والأعتراف بحدود دولة على أراضي 67، وهو لا يستهدف عزل إسرائيل أو نزع شرعيتها بل نزع شرعية الاحتلال، كما أعلن أنه يريد سلاماً يضمن الحقوق الفلسطينية، كما حددتها الشرعية الدولية واللجنة الرباعية، وطالب بحق العودة للاجئين ضمن اتفاق مع إسرائيل ووفقاً لمبادرة السلام العربية، على خلفية القرارات الدولية الصادرة بهذا الشأن.

بدايةً، فإن قرارات الشرعية الدولية تحدثت عن تقسيم فلسطين في القرار 181، الذي دعا إلى إقامة دولة فلسطين على أكثر من ضعف مساحة الـــ22′ (على 46′) التي يطالبها الرئيس، كان المنطق أن يطالب الرئيس بتطبيق القرار الدولي الآنف الذكر، وبخاصة أنه يعي ويدرك أن إسرائيل ترفض إعطاء الفلسطينيين الضفة وغزة دون مستوطنات أي ترفض حتى دولة فلسطين على 22′ من مساحة فلسطين والتي لا تزيد حاليا بالمعنى الفعلي عن 8 -10′ من مساحة فلسطين بفعل الأستيطان.

ثانياً:

هناك فارق كبير بين المقاومة المشروعة التي شرعتها الأمم المتحدة في قرارات واضحة بما فيها الكفاح المسلح وبين العنف والإرهاب.

التي مارست العنف والإرهاب وما تزال هي إسرائيل، وليس الفلسطينيون، الذين هم مضطرون إلى المقاومة للدفاع عن أنفسهم وللحصول على حقوقهم الوطنية، بالتالي فلا مجال للمقارنة بين قضيتين مختلفتين تمام الاختلاف.

ثالثاً:

لقد أعلنت إسرائيل وفاة اتفاقيات أوسلو ودفنها، حين قام شارون بإعادة اجتياح المناطق الفلسطينية المحتلة، كما أن رئيس الوزراء الصهيوني الحالي نتنياهو أعلن موت هذه الاتفاقيات من جديد، بتنكره لكل نصوصها على علتها وبالرغم من الظلم الفادح الذي ألحقته وتلحقه بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بالتالي كان من المفترض في الرئيس الفلسطيني استغلال موت الاتفاقيات بالإعلان الإسرائيلي عنه، ليؤكد انسحاب الجانب الفلسطيني منها.

رابعاً:

أما خيار الرئيس تمثل بالعودة إلى التفاوض، لذا فهو إصرار على إتباع نهج العبثية والعقم وإعطاء إسرائيل الفرصة للمزيد من المناورة التي قد تستمر لعشرين سنة أخرى أو ما يزيد.

من الخطأ تكبيل الجانب الفلسطيني بخيار التفاوض في الوقت الذي يمتلك فيه خيارا أكثر تأثيراً على إسرائيل، وهو خيار المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وتحديدا المسلحة منها، وبخاصة أن الأمم المتحدة تتيح هذا الأمر للشعوب المحتلة أراضيها، والمغتصبة حقوقها. خيار التفاوض هو خيار قاتل حتى لو أوقف نتنياهو الاستيطان، فما يزيد عن 80′ من مساحة الضفة الغربية والقدس صادرته إسرائيل للاستيطان والجدار ولأغراضها العسكرية والأمنية. خامساً:

كان من المنطقي أن يصب حديث الرئيس في ضرورة عزل اسرائيل لعنصريتها البشعة تماما مثلما جرى للنظام العنصري في جنوب افريقيا ولشبيهه في روديسيا. سادساً:

ولماذا الحرص الفلسطيني على الدعوة إلى قيام تعاون بين دولة فلسطين العتيدة ودولة إسرائيل، فهذه قضية مرهونة بالمستقبل بعد إقامة الدولة الفلسطينية ومرهونة بالنوايا الإسرائيلية تجاه هذه الدولة العتيدة، أما الحديث عن التعاون فنحن وكما نبدو حريصون على العلاقات مع إسرائيل، رغم مذابحها ومجازرها وموبقاتها بحقنا منذ عام 1948 وحتى هذه اللحظة.

سابعاً:

أما خلط الرئيس بين ما يريده من سلام يضمن الحقوق الفلسطينية على أساس مرجعية الشرعية الدوليةوبين مرجعية اللجنة الرباعية الدولية، هو خلط خاطئ، ذلك أن المرجعية الوحيدة التي يمكن أن تستند إليها الحقوق الوطنية الفلسطينية هي: قرارات الشرعية الدولية(الأمم المتحدة) الواضحة تمام الوضوح فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

الدولة الفلسطينية هي ليست منّة من إسرائيل بل هي حق فلسطيني.

لكل هذه الأسباب نقول:

أن خطاب الرئيس عباس في الجزء الثاني منه كان من المفترض أن يقود إلى نتائج مغايرة لنتائجه، فقد جاء خطاب نتنياهو:

الضعيف الركيك ليضع النقاط على الحروف في الموقف الإسرائيلي من التسوية:

لا لإقامة الدولة الفلسطينية قبل عقد اتفاقية سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، قبول الفلسطينيين فيها باشتراطات الأمن الإسرائيلي، ووجود قوات عسكرية إسرائيلية في دولتهم، أسوة بالقوات الأمريكية الموجودة في دول كثيرة من العالم، وعلى الفلسطينيين وكي لا يكونوا عنصريين أن يقبلوا بالمستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية، وأن لا يطالبوا بالقدس الشرقية لأنها تاريخ إسرائيلي الذي هو يهودا والسامرة(وإسرائيل تتكرم عليهم بالتنازل عن جزء من أراضيها) وفوق كل هذا وذاك عليهم:

الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.

كان من المفترض بعباس الأستقواء بالربيع العربي من أجل تصليب الموقف الفلسطيني ليس على صعيد المطالبة بالتفاوض، وإنما بالعودة للمقاومة.

يبقى القول:

أن الصراع في طريق العودة إلى مربعه الأول، فمن المنطقي والطبيعي بعد خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة أن لا يتم السلام مع هذه الدولة، وأن الحديث فقط يجب أن يدور حول إزالتها. ‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية