خطة الانطواء التي ستضع مئات آلاف الفلسطينيين وراء أسوار الاسمنت والاسلاك الشائكة ستعود لتُفجر الغضب
ستنتج عنها ثلاثة اشكال من الغضب: قومي واقتصادي طبقي ودينيخطة الانطواء التي ستضع مئات آلاف الفلسطينيين وراء أسوار الاسمنت والاسلاك الشائكة ستعود لتُفجر الغضب لكي تُقدم خطة الانطواء أمام العالم الغربي علي أنها حل كبير ويستحق الثناء، يمكن تضخيم أبعاد التأييد اليهودي لـ رؤيا ارض اسرائيل الكاملة .ولكن لو لم تكن ارض اسرائيل الكاملة هي التي تحترق في عظام المواطنين اليهود في اسرائيل، ففي غور الاردن لم يكن ليعيش عشرات المواطنين اليهود من المستوطنين. فعشرات الآلاف كانوا يتدفقون لتوسيع معاليه افرايم والمستوطنات الزراعية، وهكذا كبرت وسطعت أضواء هذه المنطقة الشرقية من ارض اسرائيل الكاملة كما هي الحال في المنطقة الاردنية، في غور الاردن من الجهة الثانية.لقد شددت اسرائيل خلال سنوات المفاوضات حول اتفاقات اوسلو، كما كانت عليه في السنوات التي سبقتها، بأن تترك هذه المناطق الشاسعة مغلقة في وجه تطويرها فلسطينيا ومفتوحة علي مصراعيها أمام كل عمليات التطوير الاسرائيلية. ظروف الحياة الصعبة نسبيا (الحرارة المرتفعة والبعد عن مركز الدولة) لم تكن لتردع تدفق الاسرائيليين علي هذه المنطقة. فلم تكن كل المناطق تمثل قِبلة رغبات آلاف الاسرائيليين من مُحبي ارض اسرائيل الكاملة، فهم لم يكونوا بحاجة للتشجيع اقتصاديا حتي يسكنوا في الارض التي تم احتلالها عام 1967 فقد كانوا سيذهبون للعيش في قمم التلال الأكثر بُعدا ولم يكتفوا بالاستيطان علي بُعد ربع ساعة فقط من بيت شآن. كما أنهم لم يكونوا بحاجة الي يافطات اعلان كبيرة تشجيعية تضللهم بوجود الفيلات الملاصقة للارض. بل علي العكس من ذلك، فهم الذين يشجعون الدولة والمقاولين علي بناء الأحياء كثيرة البيوت. ففي المناطق المحتلة لم يكن ليعيش فيها 420 ألف يهودي حاليا (هذا يشمل الذين يعيشون في القدس الشرقية المحتلة)، بل مليونان من الناس.إن الشيء الذي شد الاسرائيليين اليهود، وحوّل قرابة نصف مليون منهم الي متجاوزين للقانون وفقا لمعايير القانون الدولي، لم يكن الكتل الترابية المقدسة ، بل بسبب وفضل التواجد العسكري الاسرائيلي، الي جانب بناء البيوت الفخمة المرفهة والمريحة ورخيصة الثمن هناك، وهذا كله لم يكن ليتحقق إلا بفضل الدعم الحكومي والمناورات التي لا يمكن قبولها في دولة ذات سيادة. لذلك، فان خطة الانطواء ـ علي هذا الأساس ـ هي الحدود التي ترسم تطلعات الانتعاش والراحة لليهودي ـ الاسرائيلي العادي، وليست لأولئك.هذه تعتبر تطلعات طبيعية، ولو لم تكن علي حساب الفلسطينيين كل واحد علي حدة، وكلهم مجتمعون كشعب. لكن الاسرائيلي العادي (وحتي الذين ليسوا مستوطنين) فانه لا يُشغل نفسه كثيرا في بنود ومواد القانون الدولي في مسألة حياة وعيش في مستوي الحد الأدني من ظروف العيش لدي الفلسطينيين. وإليكم بالتحديد، وجود الكتل الاستيطانية الكبيرة، والاراضي ما بين جدار الفصل والخط الاخضر، هي التي تفصل وتُقطع عمق الضفة الغربية، وهي التي تسلبهم مصادر المياه والاراضي الصالحة للزراعة والتطور، وكذلك هي تفصل مجموعات كبيرة من الفلسطينيين عن أملاكهم وتشوش وتُخرب كل تواصل جغرافي وديمقراطي طبيعي ومنطقي. هذه المناطق ـ ولا يهمنا اذا كانت في نهاية الأمر، لدي تنفيذ الانطواء تُعادل 28 في المئة من مساحة الضفة الغربية أو فقط 13.5 في المئة، فانها أحدثت وستُحدث أضرارا لا يمكن اصلاحها لمجتمع فلسطيني بأكمله يعيش فيها.لكن هذا ليس هو ما يُشغل بال الاسرائيلي العادي ومندوبيه في حزب كديما، وفي حزب العمل وحزب المتقاعدين. فهذه الحقائق تتهرب من الأذهان وتُدفن، كما هي حال مئات القري الفلسطينية التي لا توجد ولا توضع أسماؤها علي لافتات الارشاد علي الطرق التي يسير عليها المستوطنون.صحيح أن الأمن يعتبر عنصرا هاما للحياة الجيدة، ولكن مُحبي الرفاهة والعيش علي حساب الآخرين يجب عليهم الاعتقاد والتصديق بأن خطة الانطواء سوف تضمن لهم أمنا شخصيا. ومن المعقول جدا أن يواصل سكان الكتل الاستيطانية الشعور بالأمن والراحة فيما وراء مختلف أشكال وأنواع الأسلاك الشائكة، ووراء الأسوار الاسمنتية، والبوابات المغلقة، والتغاضي عن حصتهم في هذا السلب. ولكن الفلسطينيين الذين لا يبدو أنهم يستحقون، أو يشعرون ـ كما يعتقدون في اسرائيل ـ سوف يستسلمون لهذا السلب ولهذا التمييز الذي يكمن في خطة الانطواء، وذلك، كما يعتقدون، بأنهم اعتادوا علي هذا في ظل عدم تدخل دولي أو بسبب القوة العسكرية الاسرائيلية. هذا يعتبر خداعا للنفس، تماما مثل الخديعة التي سادت إبان فترة اوسلو، بأن الفلسطينيين سيخاطرون بموضوع توسيع الاستيطان، وسيصمتون علي إبعادهم عن اراضيهم، وعلي تحديد حركتهم وتضييقها بوحشية. لذلك، فان الانفجار الذي دوي في نهاية ايلول/سبتمبر 2000 (بداية الانتفاضة الثانية) حدث نتيجة التصادم العنيف بين الوعود الدولية للسلام وبين واقع الاحتلال والاستعمار. وكذلك، فان خطة الانطواء التي تُجمد عنف الاحتلال في منطقة فلسطينية مكتظة بالسكان، سوف تزيـــد وتتضخم لدي الفلسطينيين بسببها ثلاثة اشكال من الغضب: غضب قومي بسبب التخريب علي المشروع الفلسطيني للدولة، وعلي التطور، والاستقلال. وغضب اقتصادي طبقي، لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين خسروا اراضيهم وممتلكاتهم ومصدر رزقهم لصالح اليهود المُرفهين الذين يعيشون خلف جدران الاسمنت والأسلاك. وغضب ديني لأولئك الذين يلجأون الي الله والقرآن في الدعاء والتوسل حيث سيجدون تفسير ذلك أنه فقط بسبب اليهود.إن مؤيدي الانطواء ودُعاته يخدعون انفسهم عندما يقتنعون بأن جميع حالات الغضب هذه لن تتفجر، أو أنه يمكن اخضاع الفلسطينيين طوال الوقت. لذلك، من الصعب التنبؤ بـ متي وكيف سوف يتفجرون غضبا. ولكن، سواء كان ذلك قريبا أو بعيدا، فانهم لا شك سيعودون لتخريب حلم العيش برفاهة وطمأنينة علي حساب الشعب الآخر.عميرة هاسمراسلة الصحيفة للشؤون الفلسطينية(هآرتس) 5/4/2006