خطة بوش الجديدة في العراق: مقاربة في ضوء فرضية اللا مفكر فيه

حجم الخط
0

الرئيس الامريكي ارتكب نفس خطأ كارتر مع الشاه.. وايران ربحت اقليميا بتبني واشنطن الفوضي الخلاقة مطالب الخطة الامنية في القضاء علي الميليشيات تعزز من فرضية حرص امريكا علي التلاعب بالورقة الاثنية

عزالدين اللواجہ انه أمر يُثير الشفقة أن نكون قادرين علي الوصول إلي القمر بسلام لكننا لا نستطيع أن نذهب إلي الأنبار بالطريقة نفسها الكاتب والمحلل السياسي الأمريكينيكولاس كريستوفمدخل:

احتوت خطة بوش الجديدة في العراق علي العديد من المؤشرات والدلالات المرتبطة في عمقها التحليلي بأسئلة الملف الأمني العراقي والذي يعد أحد أبرز ملفات الأزمة العراقية الراهنة، فالخطة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي بوش الإبن من مكتبه بالبيت الأبيض علي تمام الساعة التاسعة من مساء الأربعاء 10 كانون الثاني (يناير) 2007م ترتب عليها تساؤلات واستفسارات عدة لعل أهمها يتعلق بمدي قدرة محاورها علي إعادة تنظيم وترتيب الأوراق الأمنية المبعثرة في العراق، سيما وأن تداعيات الملف الأمني العراقي باتت تلقي بظلالها الكئيبة والمعقدة علي مختلف الأطراف المحلية والإقليمية المتضررة من حالة الفوضي الناجمة عن ولوج ذلك الملف لنفق الحرب المذهبية الساخنة. ان تناول خطة بوش الجديدة في العراق بالتحليل والتفسير تفرضه عوامل ومعطيات عدة لعل أبرزها يكمن فيما يلي: أ. توقيت صدور الخطة الذي جاء عقب انتكاسة الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي وكذلك بعد استقالة وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد وإقدام الرئيس بوش الإبن علي إحداث تعديلات عدة تتعلق ببعض المناصب التنفيذية الهامة والحساسة في إدارته، هذا فضلاً عن حادثة الإعدام التي تعرض لها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وما ترتب عليها من تطورات عززت من أهمية توقيت صدور خطة بوش الجديدة في العراق. ب. تفاعلات التوصيات التي نجمت عن لجنة بيكر – هاملتون والتي كانت قد سبقت إعلان بوش عن خطته الجديدة في العراق أحدثت حراكاً تحليلياً وسياسياً واسعاًَ داخل كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي وبالأخص ما تعلق منها بضرورة تغيير آلية التعامل السياسي والاستراتيجي الأمريكي مع إيران وسورية. ج. الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق وكذلك الزيادة الاطرادية في معدلات توتر علاقة المحور الإيراني – السوري بالولايات المتحدة الأمريكية، وإقدام إيران علي تصعيد ميكانيزمات ورقتها النووية.

ان العوامل والمعطيات الآنفة تعد من بين أهم أسباب ودوافع تناولنا لموضوع خطة بوش الجديدة في العراق والتي سنحاول السبر في مؤشراتها ودلالاتها التحليلية من خلال رصد أهم تجليات اللا مفكر فيه في شكل الخطة ونقصد باللامفكر فيه هنا مجموعة المتغيرات التي تعمد صانع ومتخذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن تجاهلها واعتبارها من الممنوع التفكير فيه لأسباب يري كاتب هذه السطور انها ترجع في الأساس إلي المدركات والتصورات الإيديولوجية المتعلقة بفكر وتوجهات المحافظين الجدد والمبنية في سياقها الخارجي علي فرضيات أطروحة الفوضي الخلاقة. فما هي يا تري أبرز معطيات ومضامين الخطة الأمريكية الجديدة في العراق؟

وما هي أهم ملامح وتجليات ذلك اللامفكر فيه في التفكير الاستراتيجي الأمريكي المتعلق بالشأن العراقي؟

ولماذا كل هذا الإصرار علي تعمد تجاهل معطيات ومتغيرات فاعلة ومؤثرة في مسألة الملف الأمني العراقي؟ هذا بالضبط ما سنحاول الإجابة عليه من خلال السطور القادمة. ماهية ما سمّي بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق: من خلال تحليل مضمون المصادر الإعلامية التي تناولت حدث الإعلان عما عُرفَ في تلك المصادر بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق يمكننا القول بأن ذلك الحدث احتوي علي ملمحين رئيسيين هما الملمح المعلن والمباشر الذي جاء في نص خطاب الرئيس الأمريكي بوش بتاريخ 10 كانون الثاني (يناير)/2007 والملمح غير المعلن وغير المباشر الذي كشفت عنه عدة مصادر سياسية وإعلامية قبل وبعد حدث الإعلان عما أسمته وسائل الإعلام بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق. ويرتكز الملمح المعلن والمباشر علي ما سمّي بإستراتيجية بوش الجديدة علي زيادة عدد القوات الأمريكية الموجودة في العراق عبر إرسال ما يزيد علي عشرين ألف جندي أمريكي تم تقسيمهم علي ست كتائب خمس منها ستربض في بغداد بغية إشاعة الأمن والاستقرار، وكتيبة سادسة سيكون مقرها في محافظة الأنبار المعروفة بتوترها وتدهور أوضاعها الأمنية، وواضح جداً من خلال خطاب بوش المشار إليه آنفاً انه ثمة محاولات أمريكية جادة تستهدف وضع حل جذري وحاسم لمشكلة وجود حوالي 23 ميليشيا سنية وشيعية في العراق وان إدارة بوش ستبذل جهدها الجاهد من أجل الضغط علي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وحثه نحو اتخاذ تدابير وإجراءات فاعلة حيال ذلك، كما ان إدارة بوش وعلي عكس توصيات لجنة بيكر – هاملتون لن تغير من نهجها الصدامي مع إيران وسورية وان كان هناك من يرجح لجوء تلك الإدارة إلي وسائل ومحاولات بث التفرقة والانقسام في المحور السوري الإيراني الذي بدأ يشكل تحدياً كبيراً لصانع ومتخذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن. هذا فيما يتعلق بالملمح المعلن والمباشر من الحدث الذي وصفته وسائل الإعلام باستراتيجية بوش الجديدة في العراق، أما فيما يتعلق بالملمح غير المعلن وغير المباشر من الحدث والذي أماطت عنه مصادر إعلامية عدة فانه يرتكز علي جملة الآليات والميكانيزمات التالية: 1. دعوة بعض الدول العربية لإرسال قوات من جيوشها إلي العراق، ومساندة القوات الأمريكية الموجودة هناك.2. وضع ضوابط وقيود علي وسائل الإعلام وذلك بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق، وبما لا يعمل علي تشجيع المقاومة وإضعاف موقف الحكومة العراقية. 3. اعتقال كل من يعمل علي إثارة الفتنة في العراق والمنطقة أو يهدف الي الإساءة للسياسة الأمريكية. 4. الدفع باتجاه تشجيع الحروب الأهلية في فلسطين ولبنان وتهديدات إضافية إلي دول عربية أخري وتحديداً سوريةً. 5. تصعيد العمل بخطة اليمين الأمريكي المحافظ الحاكم في واشنطن والتي ترمي إلي الإساءة للإسلام بطرق ووسائل شتي تحت أقنعة عديدة. 6. العمل علي زيادة التدخلات الأمريكية في دول المنطقة وتفجير الأوضاع في بعض الساحات بالشكل الذي يخدم الاستراتيجية الأمريكية. 7. يقوم وفد أمني أمريكي يضم مسؤولاً في دائرة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية بجولة في المنطقة، قبيل جولة لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، برفقة مسؤول أمني أمريكي رفيع المستوي وذلك بهدف إطلاع المسؤولين علي الأجندة الأمريكية القادمة.8. دعم فريق الحريري السنيورة في لبنان مع عدم استبعاد حدوث تغيرات جوهرية علي الأرض في لبنان والعراق. 9. الطلب من حماس تغيير سياستها وموقفها، والانضمام إلي المحور المعتدل في المنطقة، وإلا ستتعرض إلي الملاحقة والتصفية بوسائل عديدة، وممارسة ضغوط جديدة علي الرئاسة الفلسطينية، التي ترفض الانزلاق إلي حرب أهلية، وتواصل جهود تشكيل حكومة وحدة وطنية، ترفضها الإدارة الأمريكية جملة وتفصيلاً.10. دعم إسرائيل باعتبارها قاعدة للولايات المتحدة ودعوة سورية للبدء في تطبيع شامل مع إسرائيل. 11. حل الدولة الفلسطينية المؤقتة وممارسة ضغوط علي الدول العربية لإقناع الفلسطينيين بتطبيق هذا الحل.12. دعم واستقطاب المعارضة الإيرانية وتشجيعها للعمل في الداخل لتقدم خدمات في حال اتخذت واشنطن وتل أبيب قرار بشنّ عدوان علي إيران.13. في الوقت الذي تستعد فيه القوات الأمريكية لفرض الأمن في العراق فان هذه القوات من شأنها القيام بعمل عسكري خاطف ضد المنشآت النووية الإيرانية.14. ان إعدام صدام حسين في يوم الأضحي كان يهدف إلي خلق تحول جذري في الرأي العام العربي والإسلامي ضد إيران. 15. الطلب من إسرائيل الاستجابة لإشارات السلام السورية، حتي لا تنكسر الضغوطات والتهديدات التي تتعرض لها دمشق، وحتي تقوم القيادة السورية بقبول وتنفيذ الاشتراطات الأمريكية وفي مقدمتها الابتعاد عن إيران والمشاركة في الضغوط التي تمارس علي حزب الله والمقاومة الفلسطينية. ومن خلال تحليل مضمون النقاط الآنفة يلاحظ ما يلي: أ. ان هذه النقاط مثلها مثل مضمون خطاب بوش لا تعبر عن تجلّ جديد للإستراتيجية الأمريكية المعتمدة في العراق أو في الشرق الأوسط وان ما تم رصده في الملمح المعلن يؤكد علي انها ليست إلا طبعة جديدة من الاستراتيجية السابقة.

ب. رغم افتقار النقاط الآنف ذكرها لبعض المحاور المتعلقة برؤية البيت الأبيض الاستراتيجية لبعض المناطق المتوترة في الشرق الأوسط وفي مقدمتها أفغانستان والصومال فان تلك النقاط عبرت بوضوح عن مدي هيمنة فكر المحافظين الجدد علي مضمونها وبالأخص ما يتعلق منها بفرضيات أطروحة الفوضي الخلاّقة والتي سيكون من المهم في سياق حديثنا عنها أن نشير إلي انها تنطلق في الأساس من مرجعية فكرية مفادها أن السلطة لا يمكن ممارستها إذا ما حافظ صانع ومتخذ القرار السياسي علي الوضع الراهن، وانه يفترض العمل علي إغراق البيئة الدولية بالفوضي كي تتمكن الصفوة من ضمان استقرارها ومصالحها.

بريجينسكي وثغرات بوش:

القراءة الفاحصة للملمح المعلن وغير المعلن في ما سمّي بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق، تجعلنا نستنبط بأنه لم يكن هناك جديد في محاور وعناصر الملمحين، وان المحاور والعناصر التي وردت فيهما هي في الواقع تكرار للإستراتيجية الأمريكية القديمة في العراق والشرق الأوسط، وبالتالي فان أفضل ما يمكن أن توصف به تلك الروزنامة من المحاور والعناصر هو انها مجرد خطة تنطوي علي تحويرات وإضافات بسيطة علي محاور الاستراتيجية السابقة، كما انها فشلت في إقناع المحللين السياسيين بجدوي تداعياتها علي الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق، هذا فضلاً علي انطوائها علي ثغرات اختزلها زبيغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في النقاط التالية: أولاً: عدم قدرة الرئيس بوش علي التخلص من مثاليته المفرطة ومن شعارات منبرية مبتسرة علي شاكلة قوله بأن مهمته في العراق هي كفاح ضار من أجل الحفاظ والدفاع عن ديمقراطية غضة نامية، في وجه أعدائها من الراديكاليين المتطرفين.

ثانياً: ان التزام بوش بإرسال أكثر من عشرين ألف جندي لا يعدو كونه حيلة سياسية ذات أثر تكتيكي محدد لأن الأزمة في العراق هي أزمة سياسية في المقام الأول وليست أزمة عسكرية.

ثالثاً: ان زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق تضع إدارة بوش أمام خيارين محدودين هما: أ. هروب إدارة بوش من مهمتها في العراق إذا ما اتضح لها عجز الحكومة العراقية عن الإيفاء بمعايير السيادة التي حددتها لها واشنطن. ب. توسيع العملية العسكرية بحيث تشمل سورية أو إيران وهو خيار يجد تأييداً كبيراً عند أساطين ومؤيدي فكر المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية الراهنة.

رابعاً: افتقار الخطة لأي آلية تنسيق مع القيادات السياسية والعسكرية في العراق وعدم وجود أي مؤشرات تشجع دول الجوار الإقليمي علي الانخراط في حوار إقليمي يكون محوره أمن المنطقة واستقرارها. خامساً: تعكس الخطة النزعة الكولونيالية لدي إدارة بوش في وقت كان يفترض عليها أن تدرك أن عصر الاستعمار قد ولي وانه لا مفر من هزيمة ماحقة للذات الاستراتيجية. ان الثغرات التي رصدها بريجينسكي عبر النقاط المشار إليها آنفاً والتي تشكل خروجاً عن بعض الرؤي والثوابت التي كان قد أطلقها في كتابه الموسوم بـ الفوضي جاءت متزامنة مع انتقادات لاذعة وجهها لمضمون الخطة عناصر تنتمي للحزبين الجمهوري والديمقراطي، كما انها جاءت بعد انقلاب فكري أبيض قاده ضد المحافظين الجدد في إدارة بوش المفكر الياباني الأصل والأمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما، حيث طالب هذا الأخير في كتاب صدر له تحت عنوان أمريكا علي مفترق الطرق بضرورة تخلي إدارة بوش الإبن عن سياستها اليمينية المتشددة وان تتبني في أقرب وقت ممكن ولسونية واقعية قائمة علي رفض النزعة العسكرية للسياسة الخارجية الأمريكية، والتركيز علي نشر التنمية السياسية والاقتصادية بين دول العالم.

جانب من اللامفكر فيه في خطة بوش:

وبعيداً عن ثغرات بريجينسكي وانقلاب فوكوياما فان الكتابات والرؤي التي تناولت خطة بوش الجديدة في العراق ظلت الفرضية الغائبة في معظم مضامينها وسطورها التحليلية تتعلق في الأساس بتداعيات ذلك الوباء الإيديولويجي الفتاك الذي يلف منظومة صناعة واتخاذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن، والذي يجعل تفكيرها الاستراتيجي ونهجها التكتيكي يتعمد تجاهل جملة المتغيرات التي تتعارض شكلاً ومضموناً مع غائية الفوضي الخلاّقة المهيمنة علي توجهات وفكر عناصرها اليمينية المتشددة، ولعل من بين أهم تلك المتغيرات التي تعمد المحافظون الجدد في إدارة بوش الإبن تجاهلها إبان مرحلة ما قبل وما بعد احتلال العراق وكذلك خلال مرحلة إعداد الخطة الجديدة ما يلي من متغيرات ومعطيات. أولاً: متغير السؤال الدولتي:

فتحت تأثير الانبهار بأطروحة الفوضي الخلاّقة وفكر وتوجهات مدرسة المحافظين الجدد اتخذ صانع ومتخذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن قراره المتعلق باحتلال العراق والذي كان يرزح كما نعلم تحت نير نظام تسلطي أوتوقراطي هو نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. لقد كان نظام البعث المنهار في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 م نظاماً شمولياً يتسم بعدم وجود كيان دولتي حقيقي قائم علي أسس ومرتكزات دولة القانون والمؤسسات والشرعية الدستورية، وكان من الطبيعي جداً أن يترتب علي تجاهل معطيات الأزمة البنيوية المتعلقة بسؤاله الدولتي أن يؤدي أي احتلال لأراضيه إلي تقويض التوازنات الهشة التي تولدت خلال عقود الاستقلال الأولي وفي مقدمتها البنيتان البيروقراطية والعسكرية واللتان كان يتأسس عليهما هيكل الدولة الحديثة، مما يفضي إلي الانكفاء علي الخصوصيات القومية والطائفية الضيقة والمرشحة للتعبير عن نفسها في أشكال استبدادية مغلقة تؤول إما إلي واقع هيمنة جديد أو إلي حرب أهلية مدمرة.

كما كان من الطبيعي جداً أن يترتب علي عملية إقامة وتأسيس العملية الديمقراطية في ظل فراغ أمني ومؤسساتي وفي ظل وجود قوة محتلة تتعمد التقليل من شأن التداعيات المترتبة علي الإسراع في تأسيس وإقامة تلك العملية علي أرضية مليئة بالتناقضات والميكانيزمات المعرقلة، أن تتعطل كافة المحاولات الرامية لإحلال الديمقراطية ونظام الحكم الصالح في العراق، فالآليات الديمقراطية التي جاءت بها الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ساهمت بشكل أو بآخر في تعميق ومأسسة التقسيمات الاثنية والمذهبية الموجودة فيه، ولعله يكفي هنا أن نشير إلي أن السيد بريمر عندما كوّن مجلس الحكم الانتقالي وخصص للشيعة (13) مقعداً من مقاعد المجلس البالغة ( 25)، مانحاً الأكراد ( 5) مقاعد والسنة العرب نفس العدد والتركمان مقعداً والكلدو آشوريين مقعداً، انما هو بذلك الخطأ الفادح عزز من المذهبية السياسية والتمييز الاثني الذي لا تقل خطورته عن خطورة بقاء المجتمع العراقي تحت حكم نظام أوتوقراطي مستبد مثل نظام صدام حسين.

لقد بات من الواضح جداً أمام مشهد الاحتراب والتطهير المذهبي الراهن ان صانع ومتخذ القرار السياسي في إدارة بوش كان يريد مثل ذلك المشهد المرثي والمزري والذي يتفق شكلاً ومضموناً مع مرتكزات وأسس أطروحة الفوضي الخلاقة فـ التقسيم المذموم والمرفوض والمدان قد يصبح أحسن الحلول السيئة وأقلها ضرراً علي حياة الناس ومستقبلهم، وهي النتيجة التي يراد التسليم بها إذا استمرت الحرب الأهلية أو تفاقمت بما سيترك تأثيره في مستقبل الدولة العراقية وبخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، وقد كان من أولي أهداف الحرب علي العراق إلغاء الدولة العراقية بحل مؤسساتها العسكرية والأمنية وتبديد هويتها الجامعة بدفع المجتمع للتمسك بهويات تجزيئية تقسيمية مذهبية أو دينية أو إثنية أو عشائرية.

علي كل حال فان ما يزيد من وطأة السلبيات والتدابير الكارثية الآنف ذكرها هو تداعيات دكتاتورية ما قبل احتلال العراق علي الشخصية العراقية التي كان للسلبيات والتجليات الأزموية التي رافقت تركيبتها المتناقضة والمعقدة دور كبير في نجاح صانع ومتخذ القرار السياسي الأمريكي في اتخاذ تدابير وإجراءات أسهمت في تسويغ حالة الفوضي واللاستقرار التي يمر بها العراق منذ سقوط نظام البعث، ففي هذا الصدد يشير الدكتور سيار الجميل في محاضرة له إلي أنه ثمة خلل وعطب أصاب الشخصية العراقية في تضاعيف العصر الحديث بحكم شراسة السلطات التي حكمت المجتمع العراقي ومصادرتها للحريات ليست السياسية فحسب، بل وحتي العامة وانعدام كامل لاحترام حق الاختلاف في الرأي والموقف والتفكير، ناهيكم عن حجم الفساد الإداري في مؤسسات الدولة في الخمسين سنة الأخيرة، لقد عبرت عن ذلك الواقع مسرحية ( النخلة والجيران) في واحدة من وقفات بطلها الساخرة من ( هذا مال حكومة.. ) وكأن المال يعد حقاً مشروعاً لصاحبه، وكأن الحاذق في سرقته المال العام هو الأذكي بين العراقيين، وكأن الحكومة هي العدو اللدود للمجتمع.

وفي نفس المحاضرة التي تناول فيها تناقضات بنية المجتمع العراقي يشير الدكتور سيار الجميل في سياق حديثه عن الشخصية العراقية إلي مسألة بالغة الأهمية تتعلق بعامل الأحقاد الاجتماعية العراقية والذي يعد رافداً من روافد تعزيز التناقضات والسلبيات التي سهلت مهمة تطبيق أطروحة الفوضي الخلاقة في العراق. يقول الدكتور سيار الجميل عن ذلك: ان الأحقاد الاجتماعية العراقية هي التي خلقت لنا تاريخاً أسوداً مضمخاً بالدماء، وان تلك الأحقاد لم تكن مقتصرة علي صراع بين الطبقات الاجتماعية أو الصراع بين القبائل البدوية أو صراع بين شيوخ عشائر وأبناء عشائر، انه يمتد ليكون صراعاً ساخناً بين أديان ومذاهب وطوائف، أحقاد بين أعراق وأصول وأقليات متنوعة، صراع بين فئات اجتماعية في المدن، أحقاد بين أبناء ريف وأبناء مدن، صراع بين أصلاء وبين وافدين إلي العراق… الخ، ان الطبيعي من قبل المرفوضين اجتماعياً من قبل أبناء المدن الأصلاء هو العنف بشتي صوره وألوانه.

يخلص من خلال ما سبق ذكره ان تعمد الأمريكي صانع ومتخذ القرار السياسي تجاهل متغير السؤال الدولتي انعكس بالسلب علي الأوضاع الأمنية في عراق ما بعد الاحتلال وان نظام المحاصصة الذي اعتمده بريمر إبان تأسيس المجلس الانتقالي عمل علي تفاقم تلك الأوضاع المزرية والتي ساعد علي وصولها لمرحلة الذروة عوامل وأسباب عدة يأتي في مقدمتها السمات والخصائص المتناقضة والمعقدة التي تتميز بها الشخصية العراقية والتي ساهمت أيضاً في رفع وتيرة المشكل الاثني الذي سيكون موضوع السطور التالية.

ثانياً: (المتغير المتعلق بخطورة التلاعب بالورقة الاثنية): من المعروف ان العراق يعد من أكثر الأقطار العربية تنوعاً من الناحية الاثنية وانه ثمة ثلاثة محاور تحكم التعددية الاثنية الموجودة فيه، وهذه المحاور هي: – المحور اللغوي الثقافي. – المحور الديني. – المحور الإسلامي المذهبي ( شيعة – سنة ). فالعراق يضم فسيفساء اثنية متنوعة المضامين والمعطيات تضم فيما تضمه كل من الأكراد والتركمان والإيرانيين والأشوريين والأرمن والجماعات المسيحية واليزيديين والمانديين والصابئة واليهود هذا فضلاً عن العرب السنة والشيعة. ان أي قارئ ومتمعن للتركيبة الآنف ذكرها يستنبط بكل سهولة ويسر مدي خطورة التلاعب بأي طرف من أطراف تلك التركيبة المتناقضة والمعقدة، كما ان أي متابع لآليات تعامل إدارة بوش الإبن مع تلك التركيبة يدرك مدي حجم التداعيات السلبية التي ترتبت علي مسألة محاولة صانع ومتخذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن توظيف الورقة الاثنية بالعراق، ففضلاً عن نظام المحاصصة والمحاولات التي هدفت لتأليب المكبوت المذهبي المختلج في نفوس شيعة وسنة العراق، فان حادثة إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وكذلك أخيه غير الشقيق برزان التكريتي وعواد البندر رئيس المحكمة الثورية، من المنتظر أن يكون لها تداعيات كارثية وخيمة علي الملف الاثني في العراق وبالذات ورقته المذهبية المتعلقة بالصراع السني الشيعي.

ورغم أن الرئيس بوش الإبن اعتبر أن تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس العراقي السابق صدام حسين كان عملاً انتقامياً وطائفياً يزيد من صعوبة وقف العنف في العراق، وتأكيده علي ان شنق صدام حسين عزز الشكوك حول رئيس الوزراء نوري المالكي وأن حكومته ما زالت تفتقر إلي بعض النضج، الأمر الذي يزيد من صعوبة الدفاع عنها أمام الشعب الأمريكي فان معطيات المحاكمة غير القانونية التي تعرض لها صدام ورفاقه والتدخلات الأمريكية الواضحة والمباشرة في تلك المحاكمة وفي كل ما يتعلق بالشأن السياسي العراقي تفند مقولة بوش الآنفة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما ذكرته صحيفة الهيرالد تريبيون من ( أن رئيس الوزراء العراقي كان وحتي ساعة متأخرة من ليلة إعدام صدام يتحاور مع بعض الرسميين الأمريكيين في بغداد حول ماذا سيفعل بجثة صدام ). وبعيداً عن الخوض في التفاصيل التاريخية المتعلقة بالتطور المرحلي لأوراق الملف الاثني العراقي، فان ما انطوت عليه خطة إدارة بوش الجديدة من محاور تتعلق بضرورة القضاء علي الميليشيات الموجودة في العراق، هو أمر يعزز من فرضية حرص إدارة بوش الإبن علي خلق المزيد من تبعات وتداعيات تلاعبها بالورقة الاثنية، وبالتالي المزيد من الفوضي واللااستقرار اللذين يعدان من أبرز روافد ودعامات الاقتتال والتطاحن الطائفي الفتاك في العراق، صحيح ان وضع حد لتلك الميليشيات هو أمر ومطلب حيوي وهام، لكن توقيت طرح مبادرة التصدي لها يطرح تساؤلات واستفسارات عدة لعل من أبرزها ما يلي: أ. لماذا القضاء علي تلك الميليشيات في هذا التوقيت بالذات؟ ب. هل درس جيداً صانع ومتخذ القرار في إدارة بوش الإبن العواقب المترتبة علي أي مواجهة عسكرية سيخوصها الجيش الأمريكي ضد تلك الميليشيات؟ ج. هل المشكلة تكمن في الأساس في نتائج الأزمة الدائرة الآن في العراق أم في الأسباب الجذرية التي يقف وراءها السلوك السياسي والاستراتيجي لإدارة بوش الإبن؟ ان التغاضي عن معالجة العمق الفعلي والحقيقي للأزمة الدائرة الآن في العراق والتركيز علي القشور والنتائج المصطنعة يؤكد بما ليس فيه مجال للشك ان إدارة بوش الإبن عازمة علي خلق المزيد من الفوضي داخل العراق وعلي إحداث المزيد من المآسي الناجمة عن تورطها في المستنقع الاثني العراقي، ولعله بات من الواضح جداً ان إدارة بوش إبان إعدادها لخطتها الجديدة قد تعمدت التعامل بشكل غير جدي مع جملة من المعطيات والوقائع الحساسة والمؤثرة في الأزمة العراقية الراهنة حيث يأتي في مقدمة تلك المعطيات والوقائع ما يلي من نقاط: أ. ان تصوير عملية القضاء علي الميليشيات علي انها مفتاح الاستقرار والأمن في العراق هو تصوير أمريكي طوباوي واهم هدفه تورية تداعيات التوظيف الأمريكي للورقة الاثنية، فدوائر صناعة واتخاذ القرار في إدارة بوش من المفترض انها أدركت الآن حجم تورطها في المستنقع الاثني الذي زاد من حدة تلوثه تجاهل تلك الدوائر لحقيقة ان تأسيس نظام ما بعد الاحتلال علي العصبيات المسيسة انما يعني تأسيسه علي العنف الذي يزيد من وطأته التحريض الواقعي الداخلي الذي تحاول من خلاله بعض الأطراف إثارة ( فئوية الجماعة المسلوبة، والمظلومة، فتثير هي برد الفعل فئوية الجماعة الظالمة، السالبة، فيقع الاصطدام وينفجر العنف وينشب الاقتتال فيما بينها ب. ان ما يعزز من فرضية طوباوية الآمال المعلقة علي ورقة الميليشيات هو تجاهل التفكير الاستراتيجي الأمريكي وبالذات خطة بوش الجديدة في العراق تداعيات العنف المذهبي الدائر الآن في العراق علي الأجيال الشابة، حيث يؤكد في هذا السياق الكابتن السابق في الجيش الأمريكي جوناثان باورز علي ان العنف المستمر يؤدي إلي جيل دون المستوي التعليمي المطلوب وعاطل عن العمل، يعاني صدمات نفسية، وشديد التأثر بالدعوات الداعية إلي الانتقام والتي تطلقها الميليشيات والمجموعات المتمردة، ولا سيما في صفوف الصبيان، بعض هؤلاء الأولاد بدأوا بحمل السلاح، ضد أعضاء من الطائفة المقابلة، سواء كانت سنية أو شيعية، وفي معظم الأحيان ضد الجنود الأمريكيين أيضاً، يقول باورز: بدلاً من تدريبهم علي إعادة بناء بلدهم، يتم تدريبهم علي استعمال السلاح لتدميره، وإذا لم يتغير هذا النمط، فسنحارب هؤلاء الشبان أنفسهم في المستقبل لإرساء السلام في الشرق الأوسط.

ج. بالإضافة للنقطتين الآنف ذكرهما فان مسألة توظيف الخطاب الديني في العنف المذهبي الدائر الآن في العراق تضع علامة استفهام وارفة حول الفرضية الأمريكية القائلة بأن القضاء علي الميليشيات السنية والشيعية يعد بمثابة مفتاح الاستقرار والأمن في العراق. ولعلنا نلاحظ هنا انه منذ تدمير مسجد الإمامين الهادي والعسكري المقدس في سامراء خلال العام الماضي والتوظيف الديني السلبي المرافق لمشهد العنف المذهبي الدائر الآن بين السنة العرب والشيعة العراقيين يزداد باطراد مستمر، وربما الملفت للانتباه أيضاً هو أن ذلك التوظيف تمظهر في صورة أكثر من بعد براغماتي، فعلي سبيل المثال نجد أن آية الله العظمي علي السيستاني كان قد صرح بعد تفجير مسجد الإمامين الهادي والعسكري انه ( إذا لم تستطيع قوات الأمن الحكومية أن توفر الحماية، فانه يمكن للمؤمنين أن يقوموا بذلك بعون الله ) كما قال السيستاني نفسه في تصريح قبيل الانتخابات العراقية ( قرأت هذا الكتاب عن الديمقراطية في العالم، وكان أول شيء قرأته عن الانتخابات، ولذلك فأنا أطالب بالانتخابات، لم ألجأ إلي القرآن، فالقرآن لا يتضمن أي شيء بخصوص الانتخابات. عموماً سيكون من المهم الإشارة إلي أن مثل تلك التوظيفات تطال بشكل كبير الجانب السني وتحديداً هيئة علماء المسلمين، كما ان تلك التوظيفات كانت مسؤولة بشكل كبير عن المشهديات الانتقامية التي رافقت حادثة الإعدام السيسو – مذهبي الذي تعرض لها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والتي وصلت ذروتها لدرجة ان أحد قادة الميليشيات أكد علي أنها كانت بمثابة ( رد علي الاضطهاد القومي والطائفي خلال سنوات حكم النظام السابق ورداً علي المعادلة التاريخية التي بقيت منكسرة ولفترة طويلة ). استخلاصات نظرية: من خلال المحاور التحليلية الآنف تناولها يمكن القول بأن أبرز استخلاصاتنا النظرية تتمثل في النقاط التالية: أولاً: ان الملمح المعلن وغير المعلن في ما سمي خطأً بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق لا يعدو كونه مجرد خطة ذات إضافات تكتيكية محدودة، بمعني أنه مجرد طبعة جديدة للاستراتيجية التي سبق وأن اعتمدتها إدارة بوش إبان تجاه العراق ومنطقة الشرق الأوسط.

ثانياً: من خلال تناولنا لمتغيرين رئيسيين من متغيرات اللا مفكر فيه في التفكير الاستراتيجي الأمريكي المتعلق بعراق ما بعد صدام حسين وفي الخطة الأمريكية الجديدة في العراق اتضح لنا أن السمة البارزة لدوائر صناعة واتخاذ القرار السياسي في إدارة بوش الإبن ترتبط في الأساس بما أسماه المفكر الأمريكي ميلتون روكيش بالصرامة العقلية والتي تعني عنده عدم قدرة الفرد الدوغمائي علي ( تغيير جهازه الفكري أو العقلي عندما تتطلب الشروط الموضوعية ذلك، وعدم القدرة علي إعادة ترتيب أو تركيب حقل ما تتواجد فيه حلول لمشكلة واحدة وذلك بهدف حل هذه المشكلة بفاعلية أكبر.

ثالثاً: تمثلت أبرز ملامح اللا مفكر فيه في خطة بوش الجديدة وكذلك في التفكير الاستراتيجي المتعلق بعراق ما بعد سقوط نظام صدام حسين في متغيرين رئيسيين هما: أ. المتغير المتعلق بتجاهل تداعيات الأزمة الدولتية التي كان يمر بها الكيان السياسي الأوتوقراطي الموجود في فترة ما قبل سقوط نظام البعث. ب. المتغير المتعلق بخطورة التلاعب بالورقة الاثنية في العراق. رابعاً: ان بوش الذي ارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه الرئيس جيمي كارتر عندما أوكل لشاه إيران مهمة شرطي الخليج، أفرز من خلال تبنيه لأطروحة الفوضي الخلاقة أوضاعاً إقليمية جاءت في صالح إيران. كذلك يلاحظ في هذا السياق ان عدم اعتماد توصيات لجنة بيكر هاملتون المتعلقة بضرورة فتح منافذ للحوار مع سورية وإيران، من شأنه أن يغرق العراق والمنطقة في المزيد من الفوضي واللاستقرار. خامساً: من خلال سبرنا المعرفي والتحليلي في أدبيات الموضوع اتضح لنا بأن ثمة أوراقاً حساسة ومعقدة يفترض الإسراع في وضع حل حاسم ونهائي لها وان أهم تلك الأوراق يتمثل في التالي:

أ. ورقة كركوك التي يصر الأكراد علي ضمها لإقليم كردستان. ب. ورقة تداعيات قانون اجتثات البعث. ج. ورقة رفض الدستور من قبل ثلاث محافظات عراقية.

د. ورقة توظيف الخطاب الديني السني – الشيعي في العنف المذهبي الدائر الآن علي الأراضي العراقية. هـ. ورقة إقدام بعض الأطراف علي استخدم الأطفال والشــــباب في معــــترك الاحتراب المذهبي. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية