منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مبادرته للسلام في الشرق الأوسط أو كما يحلو له تسميتها بـ”صفقة القرن” لم يتوقف الحديث عن تفاصيلها وما أكد تحيز إدارته لإسرائيل وتجاهلها لأماني الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم على دولة قابلة للحياة. فما حصلوا عليه ضمن رؤية ترامب التي جاءت في 80 صفحة مع ملاحق وكانت وليدة عمل ثلاث سنوات، هو أرخبيل ورقع على خريطة فلسطين التاريخية اسمها “دولة” وعدوا انها سترتبط فيما بينها من خلال جسور وطرق وأنفاق مثل الوضع القائم الآن.
وأهم ما فيها أنها أعطت الضوء الأخضر لحكومة اليمين المتطرف التي يتزعمها بنيامين نتنياهو المضي في عمليات الضم. ولكي تبدو “جادة” قالت إن إسرائيل ستتوقف عن توسيع الكتل الاستيطانية القائمة لمدة أربعة أعوام، وهي المدة التي حددتها إدارة ترامب حال طبق الفلسطينيون الشروط التي ستشرف عليها وسيكون لإسرائيل حق “الفيتو” عليها. وكان نتنياهو ساخرا في حديثه بالغرفة الشرقية من البيت الأبيض عندما قال إن الفلسطينيين سيأخذون وقتا للوصول إلى البداية، فيما زاد جاريد كوشنر، صهر ترامب الذي أشرف على الخطة، التي ظلت طوال هذه المدة وموضوعا للتسريبات هجومه على الفلسطينيين ووصفهم بالمثيرين الشفقة وأنهم غير قادرين على قبول اتفاقية أو تنفيذها بل ووصفهم في عدد من المقابلات بالحمقى. ولهذا تجاهلهم مع زميليه في الخطة وهما توماس فريدمان، سفير واشنطن في إسرائيل وجيسون غرينبلات محامي ترامب وكلاهما من داعمي الاستيطان، بل ودعا فريدمان إلى ضم المستوطنات لإسرائيل، واعترض على وصف إسرائيل بالقوة المحتلة وغير ذلك من تصريحات أطلقها منذ وصوله إلى إسرائيل، حيث أصبح من المقربين لترامب.
تخلي عن دور الوسيط
ولا حاجة في ظل هذا الوضع للقول إن مبادرة ترامب أخرجت الولايات المتحدة من دور الوسيط العادل. وكان هذا موقف السلطة عندما قرر ترامب في عام 2017 نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس واعترافه بسيادة إسرائيل عليها، حيث قطعت السلطة علاقاتها مع إدارته التي ردت بإغلاق البعثة الفلسطينية بواشنطن ووقف المساعدات للسلطة الوطنية حتى التعليمية والصحية منها، وأنهى القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية وأعلن عن حرب على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” التابعة للأمم المتحدة والمطالبة بتعريف جديد لمفهوم اللاجئين. ولهذا تم إعداد المبادرة الأمريكية التي سماها ترامب “رؤية” بدون دور للفلسطينيين فيها. ويمكن وصف الخطة أنها ترديد لمطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف، حيث أعطى ترامب نتنياهو دور المتعهد الذي قام بترتيب بنودها وشروطها وأعادها إلى واشنطن حيث تمت إعادة تغليفها بصورة خطة. فما ورد في الصورة النهائية هي كل قضايا الحل النهائي التي وعد الفلسطينيون بالتفاوض حولها في اتفاقية أوسلو التي ألغتها عمليا مبادرة ترامب. وجرى على مدى الأعوام الثلاثة تفكيك ورفض كل مبدأ من مبادئ الحل النهائي-القدس أصبحت موحدة، لا دولة فلسطينية بل شبه دولة بعاصمة على حي بعيد عن القدس القديمة، لا ذكر لموضوع عودة اللاجئين أو تعويضهم، بل ساوت الوثيقة الأمريكية تعويض الفلسطينيين بتعويض الدول العربية للمهاجرين اليهود منها. وفي الحقيقة تعبر الوثيقة كما كتب ناتال ثرول في صحيفة “نيويورك تايمز” )29/1/2020) عن سياسات الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل ومنذ عقود. وتشترك في هذا الإدارات الأمريكية الديمقراطية والجمهورية المتعاقبة حيث ظل النواب في الكونغرس يدافعون عن أفعال إسرائيل ويقدمون لها الدعم، فيما استخدم سفراء الولايات المتحدة في الأمم المتحدة الفيتو في كل مرة يحاول فيها المجتمع الدولي شجب إسرائيل. ولاحظ ألا فرق كبير في خطة ترامب التي قدمها يوم 28 كانون الثاني/يناير 2020 وخطة بيل كلينتون التي قدمها عام 2000 واقترحت ضم الكتل الاستيطانية ودولة منزوعة السلاح. كما ونصت على وجود عسكري في داخل هذه الدولة وقوات دولية في وادي الأردن تسحب بعد موافقة إسرائيل. وكما هو الحال في مبادرة ترامب فما قدمه كلينتون للفلسطينيين مزيدا من الحكم الذاتي وأطلق عليه دولة. لكل هذا لا يقدم “صانع الصفقات” في البيت حلا لأعقد مشكلة مضى عليها أكثر من قرن بل وتعد بمزيد من المشاكل، وحتى لو بدت إسرائيل نتنياهو رابحة في لعبة ترامب إلا أن إلغاء حل الدولتين يضعها أمام معضلة التعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية. وكان لافتا تأكيد نتنياهو على ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة وهو الذي يقوم بتدمير الفكرة. فإسرائيل بعد خطة ترامب لن تكون يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه لو عاملت الفلسطينيين كمواطنين من الدرجة الثانية.
مرفوضة
لكل هذا جاءت خطة ترامب ميتة. وعلقت مجلة “إيكونوميست” (1/2/2020) على أن منظور السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أصبح قاتما ومن السهل نسيان جهود الرئيس دونالد ترامب بإنهاء النزاع والتي بدأت بوعد. وتساءلت عن جدوى شراء أماني الفلسطينيين بخمسين مليار دولار، ستدفعها دول الخليج كما يبدو في وقت حاول فيه ترضية طرف واحد؟ ولا يمكن لأي زعيم فلسطيني ليرضى بالخطة، ناهيك عن رئيس ضعيف مثل عباس. بل وزادت صحيفة “الغارديان”(29/1/2020) عندما قالت إن الفلسطينيين يرون فيه محتالا ماهرا في تقديم الوعود الفارغة. وتعتقد الصحيفة أن هذه الوثيقة هي هدية للتيار المتطرف في أمريكا وإسرائيل، وتنهي التمثيلية التي يمكن أن يلعب فيها دونالد ترامب دور الوسيط في العملية السلمية. وعلينا ألا ننسى السياق والتوقيت الذي جرى فيه إعلان الخطة والذي جاء في وقت يحاول فيه كل من ترامب ونتنياهو النجاة بجلده من محاكمات بإساءة استخدام السلطة في حال الرئيس الأمريكي والرشوة والفساد وخرق الثقة في حالة نتنياهو، وليس أفضل إعلان شيء جديد يحرف أنظار الرأي العام عن المشاكل ويرضي القواعد الانتخابية، إنجيلية موالية لترامب ويمين قومي متطرف يدعم طموحات نتنياهو في الضفة الغربية. ولهذا جاء التوقيت مناسبا لهما. ويمكن فهم الكشف عن الخطة بأنها جزء من الهدايا التي اعتاد ترامب على منحها لرئيس الوزراء الإسرائيلي كتحلية في موسم الانتخابات، وفشل مرتين في الحصول على أغلبية في الكنيست. ويمكنه القول لأنصاره من الإنجيليين وداعمي إسرائيل في أمريكا أنه أوفى بوعوده الانتخابية من ناحية كونه أفضل صديق لها. فقد اعترف بالقدس وسيادة إسرائيل على الجولان وعدم مناقضة الاستيطان في الضفة للقانون الدولي، وها هو يقدم خطته التي أنهت أحلام الفلسطينيين واللاجئين الذين توزعوا في المنافي.
إملاءات
وفي المحصلة أصبح ترامب وصهره مديران لحملة نتنياهو الانتخابية كما غرد المفاوض الأمريكي السابق أرون ديفيد ميللر. ونقلت روبن رايت في “نيويوركر” (28/1/2020) عن مارتن إنديك السفير الأمريكي السابق قوله إن الخطة الجديدة ليست قابلة للحياة لأن الفلسطينيين لن يقبلوا بما يمكن وصفه بانوستان، وحتى الخطة لن تكون مقبولة لليمين المتطرف في إسرائيل، حد قوله لأنها تعارض أي تنازل عن متر من مناطق جيم في الضفة الغربية. واعتبر إيلان غولدينرغ، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما أن خطة ترامب هي “وصفة لاحتلال دائم” و “لو سلمتها لإسرائيل فلن تحدث أبدا”. وقالت تمارا كوفمان ويتس المسؤولة السابقة في الخارجية الأمريكية، إن الخطة قدمت لكي تكون أساسا للمفاوضات ولكن ليس بهذه الطريقة بل “إملاءات” و “كانت الإدارة واضحة في أنها تريد الاعتراف بسيادة إسرائيل على كل الأراضي التي أشارت إليها في خريطة ترامب، قبل الفلسطينيون أم لم يقبلوا هو ما يجعلها سلاما مفروضا”. ومن هنا ففي غياب الموافقة الفلسطينية فسيكون مصير خطة ترامب مثل غيرها دخول أرشيف المبادرات والخطط التي قدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لحل النزاع ولكن عبر منظور متحيز دائما لإسرائيل.
الفلسطيني الميت
وقد نذهب بعيدا في رصد ردود الأفعال الدولية على الخطة والتي لا تهم ترامب نفسه من قريب أو بعيد، لكن المشكلة الأمريكية والغربية أنها ومنذ نشوء المسألة بوعد بلفور عام 1917 ظلت تتعامل مع الفلسطينيين كعنصر غائب لا يستحق المشاورة. وظلت الحكومات الغربية بريطانية أم أمريكية تعطي اليهود أكثر مما يملكون. وفي كتابه الجديد “حرب المئة عام على فلسطين” يكشف المؤرخ الفلسطيني رشيد خالدي فيه عن المواقف الغربية هذه. ويشير إلى ما قاله لورد جيمس آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني عام 1919 من أن الحكومة البريطانية “لا تقترح أي شكل للتشاور واعتبار أماني السكان الحاليين للبلد” مضيفا أن الدول العظمى ملتزمة بدعم الصهيونية “والصهيونية مصيبة أم مخطئة، جيدة أم سيئة متجذرة في تقاليد طويلة والحاجيات الحالية وآمال المستقبل وأهم بشكل كبير من رغبات وتحيزات 700.000 عربي يعيشون الآن في الأرض القديمة”.
وأضاف خالدي أن الدول العظمى وطوال القرن ظلت تتصرف بعيدا عن رغبات الفلسطينيين متجاهلة الحديث معهم او من وراء ظهورهم أو تظاهرت بأنهم ليسوا موجودين. وفي مواجهة كل التحيزات ضدهم أظهر الفلسطينيون عنادا لمقاومة كل جهود تعمل على محوهم سياسيا وتشريدهم في اتجاهات الريح الأربع.
وبالتأكيد فبعد 120 عاما على أول مؤتمر للحركة الصهيونية في بازل وأكثر من 70 عاما على قيام إسرائيل لم يكن الفلسطينيون حاضرين في هاتين المناسبتين ولم يكن من المفترض أنهم يمثلون أي نوع من الوجود الوطني، فقد كان من المفترض أن تحل مكانهم دولة يهودية لا ينافسها السكان الأصليون الذين كان من المفترض أن تحل مكانهم. ويعتقد الخالدي أن إسرائيل بكل ما لديها من أسلحة نووية وتحالف مع الولايات المتحدة لا تزال، عالميا على الأقل محل خلاف كما كانت في الماضي. وتعتبر مقاومة الفلسطينيين وإصرارهم وتحديهم للطموحات الإسرائيلية من أكثر الظواهر المثيرة للدهشة في عصرنا. ويقدم الخالدي استمرارية الخطاب الاستعماري وتعاون إدارة ترامب ما مع يطلق عليها خطأ تحالف الدول السنية-السعودية والإمارات والبحرين-والتي قدمت على أنها تمثيل لسنة العالم، فكوشنر الذي تحدث عام 2019 في البحرين عن “أمله” في أن يكون الفلسطينيون قادرين مع مرور الوقت على حكم أنفسهم، اعتبر أن كل ما يستحقه الفلسطينيون هو “حياة كريمة” فقط. ويرى أن خطة ترامب لن تمر بسهولة فستواجه مقاومة محلية وعالمية لأنها تتناقض مع مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة التي من المفترض أن تدعمها أمريكا. فخطة يتم فرضها وبناء على الشروط الإسرائيلية المشددة لن تجلب سوى المزيد من النزاع. وبالنسبة للفلسطينيين فهي تمثل فرصا ولكن عليهم إعادة تقييم خياراتهم وما يريدونه في ضوء التجربة التاريخية والتوصل إلى شكل من المقاومة بعيدا عن تلك الأشكال التقليدية التي مثلتها فتح في المفاوضات وحماس في المقاومة والتي لم تقدم شيئا. وتحدث خالدي عن خدمة جماعات التضامن مع فلسطين في الجامعات الغربية وحركة المقاطعة للقضية أكثر مما قدمته الحركتان الفلسطينيتان، ومن هنا فالتفكير الجديد خارج الاطر النمطية كفيل بوقف الخطط الأمريكية والإسرائيلية وتحقيق العدالة للفلسطينيين.