حالة الفلتان الامني التي تسود المناطق الفلسطينية المحتلة هذه الايام باتت تشكل عبئا ثقيلا علي كاهل الشعب الفلسطيني، وتهدد بنسف كل انجازاته النضالية بسبب اثارها السلبية الخطيرة التي تتفاقم يوما بعد يوم.
فقطاع غزة تحول الي غابة سلاح، ينعدم فيه الامن تماما، وترتفع فيه معدلات الجريمة، فلا يمر يوم دون حدوث اكثر من جريمة قتل ناهيك عن عمليات السلب والسطو المسلح، في وقت يواجه معظم ابناء القطاع المجاعة والبطالة والفقر المدقع بسبب عدم تسديد الرواتب لاكثر من سبعة اشهر، وانهيار مؤسسات السلطة الامنية قبل المدنية.
التطور الاخطر لهذه الظاهرة، اي الفلتان الامني، هو وصولها الي الصحافيين ورجال الاعلام الاجانب الذين جاءوا من مختلف انحاء العالم، وخاطروا بحياتهم من اجل تقديم صورة عن معاناة هذا الشعب بسبب الحصار، والاغتيالات الاسرائيلية التي تتسع يوما بعد يوم وتحصد ارواح العديد من الابرياء يوميا.
بالامس تعرض الصحافي الاسباني ايميليو موريناتي الذي يعمل مصورا لدي وكالة اسيوشيتدبرس للخطف في مدينة غزة علي ايدي جماعة مسلحة مجهولة، وقبله ببضعة اشهر واجه صحافيان تابعان لمحطة تلفزيون فوكس نيوز الامريكية حادثة مشابهة، ويعلم الله من سيكون الضحية المقبلة.
السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء اتفق مع السيد محمود عباس رئيس السلطة علي ادانة هذه الجريمة، ووعدا ببذل كل ما في وسعهما من جهود للافراج عنه، وطالبا الخاطفين بضمان سلامته، وعدم المساس به باي سوء، ولكن من الواضح انهما لا يسيطران علي الاوضاع الامنية في القطاع، ويعجزان عن وضع حد لمثل هذه الظاهرة المؤسفة.
الامر المؤكد ان الجهة التي اقدمت علي عملية الخطف هذه لا تدرك خطورة الضرر الذي يمكن ان تلحقه بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من جراء هذه الحادثة المؤسفة، والا لما اقدمت علي ما اقدمت عليه، وبالطريقة التي تمت بها.
فالصحافيون هم اكثر الناس خدمة للقضية الفلسطينية، والقناة الاوثق والاكثر تأثيرا في ايصال معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الي الرأي العام العالمي، وفضح الممارسات الوحشية الاسرائيلية اليومية في حقه.
فالتحول الكبير الذي طرأ علي الرأي العام الاوروبي وتمثل في اعتقاد اكثر من ستين في المئة من الاوروبيين وفق استطلاع للاتحاد الاوروبي، بان اسرائيل هي مصدر العنف وعدم الاستقرار في العالم واتساع دائرة الارهاب، ما كان له ان يحدث لولا رجال الصحافة الاجانب العاملين في المناطق المحتلة. فهؤلاء انحازوا دائما الي الحقيقة، ونقلوا بامانة وصدق ما يجري علي الارض، وليس مطلوبا منهم اكثر من ذلك.
اختطاف الصحافيين يعطي صورة سيئة عن الفلسطينيين، علاوة علي كونه يقلل من وجود هؤلاء في موقع الحدث لنقل ما يجري علي الارض للرأي العام في وقت تتعاظم فيه التوغلات والاغتيالات الاسرائيلية.
الشعب الفلسطيني اتسم دائما باعلي درجات الوعي في التعامل مع الصحافة الاجنبية، وكان دائما مضرب المثل في كرم الضيافة، وتوفير كل اسباب الراحة لرجال الاعلام لاداء مهامهم علي اكمل وجه، ولذلك لا نعرف من اين اتت هذه الظاهرة المرعبة والمسيئة.
ندرك جيدا ان ظروف الحصار التجويعي الظالم اخرجت بعض الناس عن طورهم، ودفعتهم للاقدام علي تصرفات اقرب الي الجنون سعيا من اجل فدية او مساومة مع السلطة لتأمين بعض المال او الوظائف، ولكن من غير المقبول التضحية بقضية شعب ومستقبله وفي مثل هذا الوقت الحرج الذي يحتاج فيه الفلسطينيون حاجة ماسة الي الاعلام ورجاله من اجل مكاسب صغيرة، وبمثل هذا العمل الخارج عن القانون.
اننا نضم صوتنا الي اصوات رئيس السلطة ورئيس وزرائها، في ضرورة الافراج عن الصحافي الاسباني المخطوف فورا ودون تردد، وعدم تكرار مثل هذه الاعمال التي تصب في خدمة اعداء الشعب الفلسطيني والامتين العربية والاسلامية.