جاء اختطاف علي زيدان، رئيس وزراء ليبيا، نتيجة تراكم حسابات خاطئة وعدم تقدير لجسامة الموضوع وخطورته السياسية.
بعد اختطاف ابو انس الليبي، المشتبه بانتمائه الى تنظيم ‘القاعدة’، أكمل زيدان زيارته الدبلوماسية الى المغرب بدل أن يعود مباشرة لبلاده لمعالجة ذيول الأزمة، وجاء تصريحه بأن الحادثة ‘لن تؤثر على العلاقات بين ليبيا وامريكا’ ليزيد الأمر تعقيداً، دالاً على عدم حساسية كافية في التعامل مع الواقع السياسي الراهن لليبيا.
المفاجأة في اختطاف علي زيدان الذي تلا حادثة اختطاف ابو انس كانت ان الخطف حصل على يد ‘مكتب مكافحة الجريمة’ التابع لوزارة الداخلية التي يرأس هو شخصياً حكومتها.
وكي يكتمل المشهد الغرائبي جاء اعلان المسؤولية عن اختطاف زيدان من ‘غرفة ثوار ليبيا’ (التي نفته بعد اطلاق سراح زيدان). تتبع ‘الغرفة’ المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان) وقد أنكر رئيسه، نوري ابو سهمين، علاقته باحتجاز رئيس الوزراء.
بدلاً من ‘غرفة ثوار ليبيا’ أعاد ابو سهمين توجيه السهم الى ‘ادارة مكافحة الجريمة’، لكنه برّر، عملياً، احتجاز رئيس الوزراء بقوله ‘ان ادارة مكافحة الجريمة لديها بلاغ من ناشط حقوقي بحق زيدان’.
يثير خطف علي زيدان (او احتجازه قانونياً) وقبله خطف ابو انس الليبي (او اعتقاله قانونياً بناء على تفويض من الكونغرس) مسألتين مهمتين، الاولى هي قضية التضارب بين الشرعية الثورية التي تريد أن تبقى أعلى من شرعية الدولة بحيث تمنعها من الانحراف عن الثورة، والثانية قضية التضارب بين قوانين الدول وقوانين امريكا التي تضع نفسها فوق العالم.
في المسألة الأولى تفاجئنا ‘الشرعية الثورية’ وهي تناقض نفسها حين تزعزع الدولة التي ناضلت لتأسيسها، بحيث يقوم جهاز في الدولة برفع سلاحه على جهاز آخر، بل انها حتى تعتقل بسرعة قياسية أكبر مسؤول في سلطتها الثورية.
قد يتخذ الثوار مرجعية لهم في خطاب إسلامي عن ‘تقويم الحاكم بالسيف’، لكنّهم، من جهة أخرى، يبدو أنهم يمارسون تطبيقاً عشوائياً للخطاب الزائف والشعبوي الذي كرسته شعارات الزعيم السابق لليبيا معمر القذافي عن ‘سلطة الشعب’ و’المؤتمرات الشعبية’، والذي أنتج عملياً دولة فاشلة يتلاعب فيها فرد دكتاتور مشغوف بالظهور بأي ثمن في مانشيتات الصحف العالمية.
في المسألة الثانية يصدمنا استناد الامريكيين في اعتقالهم لأبي انس الليبي لقوانينهم الخاصة التي تجيز لهم وحدهم استخدام القوة ضد اية دولة او مجموعة او شخص في العالم، وهو أمر يتناقض مع قوانين المجتمع الدولي وسيادة الدول التي لا تعيرها الولايات المتحدة الأمريكية أي اهتمام، وخصوصاً في أراضي البلدان الحليفة لها.
بدلا من احترام علاقاتها الوثيقة بحلفائها تمارس امريكا انتهاك قوانين هذه الدول واستباحة اراضيها واحراج حكوماتها أمام شعوبها، مما يسهم في تزايد شعبية الجماعات التي تزعم امريكا مكافحتها، وفي ضرب شرعية هذه الحكومات وهزّ قدرتها على البقاء.
هذا الاستهتار الأمريكي كان سبباً للغضب الذي انتاب الثوريين الليبيين كما كان دافعاً لشكهم بتواطؤ حكومتهم في خطف مواطن ليبي تحت أنظارها ومن دون احترام لسيادتها او مصداقيتها أمام شعبها.
اختطاف زيدان اذن هو نتاج اشكاليتين: الشرعية الثورية التي تضع نفسها فوق الدولة، وامريكا التي تضع نفسها فوق العالم.
لا يمكن تبرير اتخاذ أية جهة ثورية ليبية قرار التصرّف ضد دولتها لأن ذلك يضع البلد والشعب على كف عفريت، كما لا يمكن تبرير مساهمة امريكا في دفع بلد خارج من حرب مدمّرة الى حافة الهاوية.
في القرارين يجتمع الطيش مع عدم الإحساس بالمسؤولية نحو الآخرين بحيث يتحوّل خطف فرد الى خطف بلد.