شهدت العاصمة البريطانية لندن على مدى ثلاثة أيام 16-18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تظاهرة فنية مميزة عبر مشاركة 24 فنانا وفنانة من ست دول هي (مصر، والعراق، وفلسطين، والكويت، واليونان، والهند) في معرض تشكيلي نظمته شبكة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الأوروبي على قاعة ”آرت هل غاليري”. وقد أضفت مشاركة الفنان والملحن العراقي احسان الإمام في افتتاح المعرض بتقديمه معزوفات شرقية بعزف منفرد على آلة العود نكهة مميزة لأجواء المعرض.
الأعمال المشاركة كانت بواقع عملين لكل فنان، طبيعتها تنوعت بين النحت والسيراميك والرسم، كما تنوعت من حيث المدارس الفنية التي مثلتها مختلف التجارب الفنية المقدمة.
وقال د. صالح التميمي سفير جمهورية العراق في المملكة المتحدة “معرض (خطوات) يمثل مهرجانا حقيقيا متنوعا يضم أعمال نخبة مميزة من الفنانين، والنقطة الهامة في هذا المعرض ان المشاركات تضمنت أعمالا لفنانين من مختلف المهاجر إلى جانب أعمال قدمها فنانون من دولهم الأصلية، وهذا الأمر مثل بادرة مهمة في مجال تبادل الخبرات والأفكار والتجارب بين أوروبا وأوطاننا في هذا المجال”.
تجارب عربية وأجنبية متنوعة قدمت للتعريف بمنجزات فنانين مختلفين، منهم من سبق له ان أقام معارض شخصية أو مشتركة في لندن، ومنهم من كانت هذه تجربته الأولى في العاصمة البريطانية. الفنان العراقي المقيم في فنلندا أمير الخطيب، الذي يرأس شبكة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الأوروبي وأحد المشرفين على إقامة معرض “خطوات” وصف المعرض وطبيعته ونوعية الأعمال المشاركة بقوله؛ “يحمل هذا المعرض رقم (43) بين المعارض التي أقامتها شبكة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الأوروبي في مختلف مدن أوروبا “. وعن سبب إطلاق اسم “خطوات” على المعرض أشار؛ “الاسم جاء من ان المعرض مثل خطوة تنطلق من أوروبا تجاه أوطاننا الأصلية، لتلاقيها في نفس الوقت خطوة من أوطاننا باتجاه أوروبا، لان المشاركات كانت لفنانين من الداخل إلى جانب أعمال فنانين من مختلف المهاجر”. وأضاف؛ “منذ أكثر من 20 عاما وأنا أشارك في إقامة المعارض الفنية سواء كانت شخصية أو مشتركة في مختلف دول العالم، لكن الحقيقة ان معرض خطوات كان ملفتا، فالافتتاح هذه المرة كان مميزا بحجم ونوعية الزوار، وربما يعزى ذلك إلى طبيعة وحجم الجاليات العربية في لندن”.
مشاركة الفنانين المصريين في المعرض كانت مميزة ولافتة، وجاءت عبر مشاركة عشرة فنانين تشكيليين، تسعة منهم نساء، لذا فقد ألقت هذه المشاركة المصرية النسوية بظلالها على المعرض ومنحته لمسة انثوية سحرية مميزة. وقد أشارت الفنانة المصرية أمل الباشا، إلى مشاركتها في المعرض بالقول؛ “ان أعمالي تعتمد بصورة أساسية على اشتغالي على نقل التكوين النحتي من كينونته المادية إلى قماش اللوحة، والعمل على إعطاء الاحساس للمتلقي بذلك، وقد شاركت بعملين يمثلان هذا التوجه في المعرض”.
أما الفنانة الفلسطينية وفاء النشاشيبي، فقد أشارت إلى مشاركتها في معرض خطوات بقولها؛ “أستعمل تكنيكا خاصا في تجاربي منذ مدة، وقد أصبح هذا التكنيك يمثل بصمتي في الفن التشكيلي في الساحة الفلسطينية، والنتيجة مشاركتي بلوحتين من تجاربي الجديدة في هذا المضمار، والتي أعتبرهما رسالة إلى الإنسان في كل مكان. رسالة تقول له اننا سواسية ومتماثلون، ولا فرق بين إنسان وآخر إلا بما يقدمه من خير للإنسانية”.
الفنانة التشكيلية الكويتية سهيلة النجدي وصفت مشاركتها في المعرض بقولها “شاركت بعملين موضوعهما المرأة، التي تمثل موضوعي المحوري في أغلب أعمالي التشكيلية، فأعمالي تركز على المرأة وعالمها وما يشغلها، وأحاول نقل أفكارها وكل ما تحس به، وعلاقة كل ذلك بهامش الحرية المتاح أمامها. أحاول التعبير عن المرأة ككائن حي بكل ما تمثله هذه الكلمة من تحديات وطموح وآمال، ويتمثل ذلك من خلال بعض الرموز المتكررة مثل الطائر الحاضر في أغلب أعمالي، الطائر الذي تحاول المرأة العربية ان تهمس له بكل ما يعتمل في نفسها، وبالتالي مثل اشتغالي على هذا الرمز، معنى الحرية التي تبحث عنها المرأة العربية اليوم”.
مشاركة الفنان التشكيلي العراقي سعدي داوود، في معرض “خطوات” اللندني جاءت بلوحتين جسدتا بصمته الفنية المميزة عبر استخدامه الثيمات التي تميزه، والتي ينطلق منها في عوالم الحكاية الشعبية العراقية ورموزها المنصبة على تكوينات بصرية متكررة وهذا ما نقرأه في لوحته الأولى، إذ يمثل الحصان والفارس الرمزية المنعكسة على انتظار المعشوقة.
بينما نجد في اللوحة الأخرى رمزية فرس البراق بوجهها الانثوي الحنون ومحاولة الاشتغال على علاقة الميثولوجي بالديني بالشعبي، الذي قد يتعكز على تراث رافديني واضح مستند على الشكل المركب للثيران المجنحة الآشورية. وبالطبع لا تخلو لوحة لسعدي داوود من رمزية الطيور فهي موجودة في أغلب أعماله. كل ذلك يأتي ضمن تكنيك داوود المميز في استخدام اللون الحار النابض بالحياة والذي يذكر بعنفوان ألوان السجادة العراقية التي تنتجها مدن عديدة.
وجاءت أعمال النحات العراقي علي الموسوي، امتدادا لمسيرته الفنية التي ثابر فيها على التجدد، اذ يبدو الفنان في عمليه النحتيين في المعرض، متأثرا بأسلوب الفنان العراقي الرائد محمد غني حكمت، الذي يمثل امتدادا لجماعة بغداد للفن الحديث.
يمثل الجسد الإنساني الثيمة الجوهرية في أعمال الموسوي النحتية، وأن ثيمة الأمومة أصبحت تمثل بصمة في أعماله، لذلك نراها تتكرر في كل مشاريعه الفنية بشكل ملفت. وفي سياق الفكرة نفسها تبدو منحوتاته لمن يشاهدها أول مرة كأنها أعمال تشخيصية، وربما يضعها البعض في خانة الأعمال الكلاسيكية، ربما يصح ذلك لكن حين ندقق بها سنكتشف أنها أعمال تجريدية عمل الفنان على تحريرها من ملامحها الرئيسية ولم يبقَ منها سوى تكورات الجسد الإنساني المتألم بفمه المفتوح الذي يذكرنا بـصرخة أدوار مونك الشهيرة.
شاركت الفنانة العراقية الكردية المقيمة في السويد روناك عزيز، بعملين عبرا عن منهجيتها الفنية التي تقدم رموزها ومفرداتها اللونية التي بقيت ترافقها دائما، وتقول عزيز عن الدفق اللوني الذي تسبغه على لوحاتها؛ “أنا مدمنة على الألوان، أو مجنونة اللون البنفسجي بالذات، إن الألوان لا تتشكل في لوحتي اعتباطا، وإنما تذوب في دمي، في كل قطرة عرق تنزل على القماشة البيضاء، كل قطرة دم تغلي فيّ، كل دمعة شوق إلى أهلي هناك، كل شيء فيّ يتفّطر لونا، جنونا ما بعده جنون نحو الألوان دون معرفة مصدرها، وحتى في أشجاري المحترقة التي أرسمها، هكذا دون وعي أو دراية من رمادها”.
معرض “خطوات” مثل خطوة مهمة لتواصل أوطاننا الأم مع المهاجر المختلفة عبر جهود نخبة من الفنانين التشكيليين، وقد وعدت شبكة الفنانين المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بإقامة نشاطات فنية مقبلة بعد ما شهدته من نتائج مبهرة لمعرضها في لندن.