سهراب سبهري
من أصقاعِ كاشان جئتُ
حاصل الكلام لم تكن حياتي قاسية جدّا
فلديّ ما أعيش به: ذرّة من التبصّر، موهبة صغيرة جدّا
أمّ عطوفٌ أحنى من أوراق الشجر
أصدقاءٌ أرقّ من عينٍ سلسبيلٍ
وإلهٌ موجودٌ في جهةٍ ما، قريبٌ جدّا: بين أوراق زهرةِ القرنفل،
عند سفح هذا الصنوبرِ العالي، على الوجهِ الحيِّ وجه الماء،
في ناموس عالم النبات.
أنا مسلمٌ
وِجْهتي إلى مكّة وردة
ينبوع الماء سماطُ صلاتي الصغير
طستُ الوضوء الضوءُ
سجّادةُ صلاتي السهلُ
طقوسُ وضوئي عند الشبابيك النابضةِ شبابيكِ الضوء
في صلاتي يسيل القمر
تسيلُ ألوانُ قوس قزح
في حرارة صلاتي يشفُّ الحجر
كم هو شفّافٌ بلّور صلاتي
أبدأُ صلاتي عندما تُردّدُ الريح نداء المؤذّن فوق صومعةِ الصنوبر
أبدأُ صلاتي عندما يدعو العشب باسم الله تعالى
عندما ترتفعُ الموجةُ عاليا آنَ الأذان للنداء العمودي نداء الله
كعبتي عند حافّة الماء
كعبتي تحت أشجار الأكاسيا
كعبتي ريحٌ طيّبة تهبّ من حديقة إلى حديقة
ومن مدينة إلى مدينة
حجري الأسود ضوء الروضة الساطع.
***
من أصقاعِ كاشان جئتُ
مهنتي الرسم: أحيانا أخلق، من سحر الألوان قفصا
لكم يا أصدقائي، أبيعُهُ
من أجل أن أُنعش قلوبكم الوحيدة
آنَ الأناشيد المحبوسةِ أناشيد الخشخاش المنثور
يا لَلوهْمِ، يا لَلوهْم
أنا أعرف أنْ لا سمكةَ تسبحُ في حوضِ لوحتي.
***
من أصقاع كاشان جئتُ
ربّما كان جدّي الأوّل نبتةً عجيبةً من الهند
أو خزفيّة من «تلّ سيلك» القديم
ربّما كان جدّي الأوّل دمية أسطوريّة من بخارى؟
عَقِبَ موت أبي هِجْرتانِ لطيور السنونو
تساقط الثلج مرّتين
موسمانِ من السباتِ على السطح، في العراء
لقد مات أبي خلف موكب الأزمنة
كانت السماء زرقاء عندما مات أبي
أمّي قفزت من سريرها، دون أن تدري لِمَ؟
ورجال الشرطة كانوا كلّهم شعراء
سألني البقّال: «كم رطلا من البطّيخ تريد؟»
أجبتهُ: «كم من غرام تريد لسلام الروح؟»
كان أبي يرسم من حين لآخر
كان يصنعُ طَارَاتٍ، ويضرب عليها بطريقته.
كان بارعا في الخطّ
كان بستاننا إلى جانب المعرفة الظليل
هناك حيث يتزاوجُ الكائن والنبات
كان بستاننا النقطة التي يتلاقى فيها النظرُ والقفصُ والمرآة
ربّما كان بستاننا القوس الذي كانت ترسمه الدائرة الخضراء دائرة السعادة
في ذلك اليوم، كنت أقضمُ في حلمي، ثمرة الإله الفجّة
كنت أشرب الماء، النقيّ من كلّ فلسفة
كنتُ أقطف التوت، الخالصَ من كلّ علم
عندما كانت قشرة الرمّان تنفجر، كانت اليد تنبجسُ عينا من الرغبة
عندما تأخذ القبّرة بالغناء، كان الصدر يتقلّب حبّا على أحرّ من الجمر
أحيانا كانت الوَحشةُ تُسندُ وجهها إلى النوافذ
كان وَخْزُ الرغبة يخلق الحسّ كهيئة الجسد.
كان الفكر يستسلم للألعابِ المُسلّية
لم تكن الحياة في تلك الساعة، سوى موكبٍ طائفٍ، من الدمى والضوء
وحضنٍ للحرّيّة
لم تكن الحياة في تلك الساعة، سوى حوضٍ من الموسيقى.
لقد ابتعد الطفل، بخطوات صامتة؛ واختفى في مسلك اليعاسيب
حزمتُ أمتعتي، وخلّفت مدينة الأحلام المجنّحة ورائي؛
وقلبي كلّه حنينٌ إلى اليعاسيب.
انصرفتُ إلى مائدة العالم، انصرفتُ إلى سهل الحزن،
إلى إيراق الغنوصيّة الخصيب،
إلى المصاطب المضيئة مصاطب المعرفة.
عبرتُ درج الدين
بلغتُ زقاق الحَيرة، حتّى الهواءِ البَليلِ هواءِ التجرّد
حتّى الليلِ الرطْبِ ليلِ الحنان.
ذهبتُ لأرى أحدا ما في الطرف الآخر من الحبّ
ذهبتُ إلى المرأة، حتّى مشكاة اللحم، حتّى إشباعِ الشهوة،
حتّى خفقان جناح الخَلوة إلى النفس.
هل ثمّة على هذه الأرض أشياء لم أرها؟
رأيتُ طفلاً كان يستنشق شذى القمر، بلذّة
رأيتُ قفصا دون باب، حيث كان الضوءُ يسترخي
سلّما صوفيّا كان يرتقي الحبّ، عسى أن يبلغ سقف عالم الملكوت
رأيت امرأة تدقّ الضوء في هاون.
عند الظهيرة كنّا نرى، على الخوان: خبزا وخُضارا وطبقا من الطَّلّ،
وقصعةَ الحبّ الساخنة
رأيتُ سائلاً كان من باب إلى باب، يتسوّلُ غناءَ القبّرات
وكنّاس الشوارع وهو يعفّر جبينه بين يديْ قشرة بطّيخ.
رأيتُ نعجةً كانتْ ترْتَعي طيّاراتٍ ورقيّة
وحمارا كان يشاطرُ الشعيرَ سرّهُ
وبقرةً متخمةً من كثرةِ ما ارْتعتْ من «الحِكمِ»
رأيتُ كتابا من كلمات مركّبة من البلّور
ورقعةَ قُرطاس صُنعتْ من الربيع.
وأبعدَ من خُضرِ الرياض، رأيتُ متحفا
وأبعدَ من المياه، مسجدا
وعند رأس السرير سريرِ عالم لاهوتٍ يائس، رأيتُ جرّةَ فخّار تفيضُ أسئلة.
رأيتُ بغلاً يحمل أسفارا من مقالات عبثيّة
جملاً يحمل على ظهرهِ سَلاًّ من الوصايا الجوفاء
رأيتُ صوفيّا يحملُ في خُرْجهِ اسم الله الغائب.