خطوات تحقيق النصوص التراثيّة

حجم الخط
0

د. زياد محمود مقدادي يعكس التراثُ إرث حضارةٍ ما، ويجدر بالدارسين والمختصين العنايةَ به، ولا يتمّ ذلك اعتباطًا، إذ لا بُدّ من وجود فريقٍ متخصص في المؤسسات التعليميّة والأكاديميّة للولوج إلى بقايا الأمم السابقة ـ ولا سيّما ـ المخطوطات من أجل الاستفادة منها، وربط الماضي بالحاضر، ولا يقتصر هذا الجهد على المؤسسات الأكاديميّة فحسب، وإنما هناك العديد من الأشخاص الذين ينتجون ما يفوق في بعض الأحيان العمل المؤسساتي. والعمل في المخطوطات القديمة يخضع لمسمى تحقيق نصوص التراث.

ويخضع الحديثُ عن تحقيق النصّوص التراثية لمنهجٍ علميٍّ يقوم به المحقّق، ويبُنى هذا المنهج على خُطواتٍ تُنَفَذ لإتمام العمل المراد تحقيقه. ولكن هل ثمةَ منهجٌ واحدٌ أم مناهجُ عدةٌ عُرفت لتحقيق النّصوص؟

وقد يختلف تحقيقُ النصوص في بعض خطواته، فتجد المحقّقَ يقدم معلوماتٍ لا يقدمها آخرٌ في عمله، فعند الترجمة ـ مثلاً ـ لصاحب الأثر قد تقلّ أو تنعدم المصادر التي تمدُّ المحقِّقَ بمعلوماتٍ مهمّةٍ عن المترجَم له، مما يضطر البعض إلى الإطالة في الحديث عن العصر، فيقدم جزئياتٍ لا حاجةَ للقارئ بها، علمًا أنَّ الأفضلَ هو الاقتصار على ذكر الأحداث التي لها تأثيرٌ مباشرٌ في حياة المترجَم له، أو تنعكس على أثره المدروس. ويظهر الاختلاف بين المحقّقين من خلال عنايتهم بضبط الكلمات الغريبة وشرحُها، فكلما كانت العناية بالكلمات أكثرَ شرحًا وضبطًا كان التعامل مع النّص المحقّقِ أيسرَ للدارسينَ والمطّلعين عليه، وتجدُ بعضَ المحقّقين يضعُ فهارسَ جديدةً على عملهم كأن يضع بعضهم فهرسًا لأسماء الأشجار الواردة في ديوانِ شاعرٍ ما، أو لأسماء الخمور، أو مصطلحات المأكل والمشرب، وأسوأ شيءٍ في تحقيقِ نصٍّ شعريٍّ هو تركه دون فهارسَ. إنّ هذه بعضُ أشكال الاختلاف التي يتفاوت بها المحقّقون، لكن بشكل عام فإنّ هناك منهجًا عامًا في التحقيق، وهو عبارة عن خُطةٍ منظمةٍ لمجموعةٍ من الأعمال التي يقوم بها المحقق قصد إخراج نصٍ من النصوص على الوجه المعتبر. وتقوم عملية تحقيق النّصوص على ثلاث خُطوات رئيسيّة، وتضمُّ كلُّ خُطوةٍ مجموعةً من الأعمال:

أوّلاً: مرحلة ما قبل التحّقيق.

ثانيّاً: مـرحلـة التّحقيــق.

ثالثًا: مرحلة ما بعد التحقيق.

أوّلاً: ما قبل التحّقيق: وتشمل ما يلي:1. التحري عن المخطوط: فعلى المحقّق أن يقوم بجرد الكتب والمجلات العلميّةِ، والفهارسَ المعنيّة بالمخطوطات، وأخذ فكرةٍ أوّليةٍ عن مؤلفها، وقيمتها وعدد نسخها، وحجمها، وجودة خطّها أو رداءته… فإذا تمّ التحري عن المخطوط يسعى المحقّق إلى معرفة فيما إذا كان منشورًا أم لا، وعليه أن يرجِعَ إلى الكتب المختصة بذلك، ومنها: كتاب بروكلمان (تاريخ الأدب العربيّ)، وكتاب فؤاد سزكين (تاريخ التراث العربيّ)، وسؤال أهل العلم عمّا يعرفونه.2. جمع النسخ: يجب أن يتم السعيُّ للحصول على نسخ المخطوط من داخل البلاد وخارجها ـ إن أمكن ذلك ـ ويشير الدكتور عبد السلام هارون إلى أنّ الحصولَ على جميع المخطوطات التي تخصُّ كتابًا واحدُا أمرٌ ليس سهلاً؛ لأنّ المكتباتِ العامةَ وحدها تزيد على الألف، وإلى جانبها هناك المكتباتُ الخاصةُ. 3. فحص النسخ: على الدّارس أن يفحصَ المخطوطَ بالتأكد من ورقه وعمره؛ خشيةَ أنْ يحدثَ التزييفُ في الخطِّ كما يحدث في التأليف، ويتنبه إلى المداد وقرب عهده أو بعده، ثم يتابع نظام الكتابة واطّراد الخطّ ونظامه في النسخة الواحدة ويجدر بالمحقق أن ينتبه إلى أبواب المخطوط وفصوله وأجزائه حتى يستوثقَ من كمال النسخة وصحة ترتيبها، وينظر في خاتمتها لعلّه يتبيّنُ اسم الناسخ وتاريخ النسخ أو تسلسل النسخةِ.4. ترتيب نسخ المخطوط وترقيمها: فعلى المحقق أن يرتب النسخ حسب درجاتها كما يلي:

ـ النسخة التي بخط المؤلف.

ـ النسخة المقروءة على المؤلف.

ـ النسخة المنقولة من نسخة المؤلف أو المقابلة بنسخته.

ـ النسخة التي كُتبت في حياة المؤلف.

ثانيّاً: مرحلة التّحقيق: وقد تُسمى بخدمة المخطوط أو تحقيقه، وتضمُّ ما يلي:1. تحقيق عنوان الكتاب واسم المؤلف: وهذه المرحلة تزداد صعوبةً فبعض المخطوطات تخلو من العنوان إما لفقد الورقة الأولى، أو انطماس العنوان، أو تزييفه، وهذا يحتاج إلى محاولاتٍ تحقيقيّة تتمثّلُ بالرجوع إلى كتبٍ أخرى تبيّن أسماء مؤلفاتِ المؤلفِ، أو مراجعة مصنفاته لعلّ بها إشاراتٍ إلى الكتاب، أو النظر في أبواب الكتاب نفسه.

وإلى جانب العنوان لا بدَّ من تحقيق اسم المؤلف، وهذا يستدعي تقصٍّ في الكتب المعنيّة بأسماء المؤلفين ومؤلفاتهم، فيجب ألا نؤمنَ بصحة نسبة أيّ كتابٍ إلى مؤلفه إلا بعد الرجوع إلى فهارس المخطوطات وتراجم المؤلفين، وتختلف الطرق الموصلة لهذا الغرض تبعًا للفن الذي يتناوله المخطوط. وللاعتبارات التاريخيّة دورٌ في تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها إلى صاحبها.2. كتابة النصّ المخطوط ونسخه: وعلى المحقّق أن يعتمد في هذه المرحلة على أقوى نسخة للمخطوط ـ إن تعددت النسخُ ـ، ويراعي في ذلك الترتيب السالف الذكر.

وهنا يبدأ المحقق بتفريغ المادة العلميّة للمؤلَّف بطريقةٍ جديدةٍ مع الحفاظ على الشرط الأساسيّ للمعنى الاصطلاحي للتحقيق والمتمثل بإخراجه على الشكل الذي أراده عليه مؤلفه. ولهذه المرحلة شروط يجب أن تتحقق بالمؤلف، وتتمثل بما يلي:

ـ التمرس بقراءة النسخة.

ـ التمرس بأسلوب المؤلف.

ـ الإلمام بالموضوع الذي يعالجه الكتاب.

ـ الفطنة والدربة بقراءة الخطوط المختلفة.

ـ الاستعانة بالمصادر والكتب التي نقلت عن النسخة المخطوطة.

ـ التمكن من اللّغة العربيّة وقواعد الإملاء والعلوم الأخرى… ـ الإطلاع على الموروث الشعريّ والنثريّ.

ـ التعرف على مصطلحات المخطوط كما تعارف عليها القدماء، مثل: التعقيبة، والتصحيح… 3. التقويم: وهي مرحلة تصحيح النص وتخريجه وتُعدُّ أصعبَ مرحلةٍ يقوم بها المحقق؛ لأنّها تستدعي التأني وتقليب الكلام على وجوهٍ عديدةٍ، وفي هذه المرحلة لا بدّ من:

ـ عدم التصرف بالنّص بالزيادة والحذف، والأفضل الحفاظ على النّص كما هو وكتابة التعليق بالهامش.

ـ الاستعانة بالمصادر المختلفة في تحرير النص وتقويمه، ومنها كتب المؤلف أو المصادر ذات العلاقة بالمخطوط.

ـ ضبط النّص بالشكل التام؛ لإدراك المعاني والتمييز بين الدّلالات المتعددة للكلمة الواحدة التي يتنوع معناها باختلاف حركاتها.4. التخريج ويشمل: تخريج الآيات، والأحاديث، والأشعار، والأمثال، والتّعريف بالأعلام، والأماكن، والبلدان، وتوضيح الإشارات التّاريخيّة، إلى جانب تفسير الكلمات الغامضة، كلّ ذلك يتمّ بالاعتماد على المصادر المتعلقة بالموضوع المراد تخريجه. وقد يجد المحقّق معلوماتٍ متفاوتةً في الكتب فعليه مراعاتها، ولا يتعامل التخريج إلا مع الأشعار أو ما في حكمها، كالأمثال وغيرها.5. التوثيق: ويضمُّ توثيق الهوامش، ثم المصادر والمراجع، وعلى المحقّق أن يوثقَ كلَّ ما يريده في هوامش النص المحقق. ثالثًا: ما بعد التحقيق: وهي خدمة الكتاب بعد تحقيقه، وتشمل:1. عمل الفهارس وأنواعها: ويراعى في ترتيبها حروف المعجم. وتختلف الفهارس تبعًا للمادة التي يحتويها الكتاب، ولكنّ معظمَ الكتب الأدبيّة تشترك في الفهارس الآتية: الأعلام، والبلدان، والشعر. 2. مقدمة النّص المحقّق: وتتضمن هذه المقدمة الإشارات والتنويرات التاليّة:

ـ دراسة حياة المؤلف (صاحب المخطوط). ـ أهمية الكتاب المحقق.

ـ توثيق الوسائل التي اعتمدها.

ـ وصف النسخ الخطّيّة.

ـ بيان طريقة المحقّق في تفسير بعض الكلمات ودرسها.

ـ بيان منهج المحقق في تحقيقه.3. المصادر والمراجع: يعدُّ المحققُ قائمةً بالمصادر والمراجع التي استعان بها أثناء عملية التحقيق.’ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنيّة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية