خطوات جديدة.. هل بدأت عملية “خنق” السلطة الفلسطينية؟

مهند حامد
حجم الخط
1

رام الله- “القدس العربي”: في خطوة غير مسبوقة، أقدمت الولايات المتحدة على منع مؤسسات مالية كبرى بالتعامل مع السلطة الفلسطينية، وهي خطوة يرى فيها خبراء الاقتصاد والسياسة مقدمة لحصار أوسع قد تشهده الأراضي الفلسطينية ارتباطا بتطورات صفقة القرن.

وحذر مسؤولون فلسطينيون من تداعيات منع واشنطن مؤسسات مالية دولية من التعامل مع السلطة الفلسطينية على مهام ومستقبل السلطة الفلسطينية، ومن احتمالية تفجر الاوضاع.

وقالت حركة فتح، الإثنين، إن الولايات المتحدة تهدد البنوك للتوقف عن قبول أي تحويلات مالية للسلطة الفلسطينية، بسبب موقفها الرافض لـ”صفقة القرن”.

وأوضح مدير المكتب الإعلامي للحركة، منير الجاغوب، في تصريح صحافي، أن “الولايات المتحدة وإسرائيل تشددان هجومهما على فلسطين، من خلال تشديد الحصار المالي، بسبب رفضنا للمشاريع التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية”. وأضاف “أمريكا تهدد البنوك لكي تمتنع عن قبول أية تحويلات مالية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتستعد إسرائيل من جانبها لمصادرة أموال الضرائب الفلسطينية التي تجبيها بحسب اتفاق باريس الاقتصادي”.

السلطة تحذر من تفجير الوضع

وقال وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ إنه نقل بطلب من الرئيس محمود عباس إلى إسرائيل رسالة رسمية تؤكد “رفض تسلم أموال الجباية إذا قامت إسرائيل بخصم فلس واحد منها”.

وأضاف “لقد بدأت أطراف ومؤسسات مالية دولية كبرى تلبية طلب أمريكي فرض حصار مالي مشدد على السلطة الفلسطينية”. وتابع الشيخ “لقد طلبت واشنطن وقف تقديم المساعدات المالية للسلطة، كما أنها أصدرت تعميماً على البنوك بعدم استقبال تحويلات لحسابات السلطة. وكشف أن “العقوبات بدأت بمنع تحويل منحة عراقية بقيمة 10 ملايين دولاراً سلمت إلى الجامعة العربية أخيراً، ولم تستطع الجامعة تحويلها بسبب رفض جميع البنوك تسلمها لتحويلها إلى مالية السلطة أو الصندوق القومي”، وحذر من اتخاذ خطوات قد تقلب الطاولة، وتفجر الأوضاع على ضوء هذه التطورات.

عقوبات مالية متدحرجة

من جهته، قال الخبير الاقتصادي، الدكتور نصر عبد الكريم، في حديث مع “القدس العربي”، إن ما نشهده من ضغوطات أمريكية على البنوك لمنعها من التعامل مع السلطة الفلسطينية يندرج في إطار العقوبات المالية المتدحرجة نحو حصار أوسع سيكون مرتبطا بالتطورات الإقليمية، ومدى إمكانية نجاح وتعاطي المجتمع الدولي مع الرؤية الأمريكية لحل الصراع العربي الإسرائيلي.

وأوضح أن ما يحدث الآن عبارة عن عقوبات جزئية للضغط على السلطة الفلسطينية لتحقيق أهداف سياسية عقب قطع جميع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية والتي تقدر بنحو 350 مليون دولار، وأضاف “لم نصل بعد إلى مرحلة إعلان الولايات المتحدة بأن السلطة الفلسطينية خارج منظومة العمل الدولي وبالتالي لا يجوز التعامل معها مصرفيا وفق الرؤية الأمريكية غير الشرعية، وبالتالي في حال إعلان ذلك ستنعكس هذه الدعوة على المؤسسات المالية الدولية وعلى دول أخرى وستمتنع بموجبها الدول عن تقديم المساعدات والتعامل المالي تحت تأثير الضغط الأمريكي.

خنق السلطة الحالية لخلق سلطة جديدة

ويرى عبد الكريم أن السلطة الفلسطينية مقبلة على عام صعب، سيكون عنوانه سياسة”الجزرة” و”العصا” في إطار مشروع التسوية المعروف بصفقة القرن، لافتا أن تطور الأحداث متعلق بمخرجات مؤتمر “وارسو” الذي يعقد في بولندا ويتناول مستقبل الشرق الأوسط، إضافة الى مدى قبول الدول العربية لهذا المشروع، حيث إذا ما تيقنت الولايات المتحدة بأن مشروعها قابل للتطبيق ويمكن إشهاره عندها ستنضم دول حليفة وإسرائيل إلى سياسة “العصا” و”الجزرة ” مع السلطة الفلسطينية بغية دفعها نحو الانخراط بالصفقة.

وتوقع الخبير أن تقوم الولايات المتحدة بتقديم حوافر اقتصادية كبيرة للسلطة الفلسطينية لدفعها نحو قبول الصفقة، وفي حال الرفض سنكون أمام مرحلة أخرى عنوانها دفع السلطة نحو الاختناق والتفكك والانهيار لخلق حالة فراغ سياسي سيتم ملؤه بتركيبة سياسية مستجيبة للمشروع الأمريكي.
لكنه يرى أننا ما زالنا في مرحلة الإبقاء على حالة الاستقرار الإقليمي وعدم دفع الأراضي الفلسطينية نحو الفوضى حتى يتم ترتيب الوضع للمرحلة المقبلة والتي قد تستمر حتى نهاية العام الحالي.

وبين أن أمريكا وحلفاءها لديها الأدوات الكافية للضغط على السلطة ماليا، وتملك الأدوات الكافية لخنق السلطة.

الضربة القاتلة ستكون من إسرائيل

ويشير نصر إلى أن اعتزام إسرائيل اقتطاع جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية، بسبب رفض السلطة وقف مخصصات أسر الشهداء والأسرى، يقع ضمن الخطوات المتدحرجة للضغط على السلطة، حيث لا يوجد الآن لإسرائيل مبرر بقطع كل العائدات لذلك تختلق ذرائع قانونية أمام المجتمع الدولي، وتقيس ردة الفعل وعلى ضوءه تقرر الخطوة التالية.

وبين أن الضربة القاتلة للسلطة ستكون بوقف إسرائيل عائدات الضرائب الفلسطينية، وهي مرحلة ستكون متزامنة مع الخطوات الأمريكية المتعلقة بصفقة القرن.

ولفت عبد الكريم إلى أن زيارة الرئيس الفلسطيني، الإثنين، إلى السعودية في إطار التحضير لمواجهة التحديات المتعلقة بالحصار المالي ضد السلطة الفلسطينية وقطع الطريق أمام أي استجابة عربية للمحاولات الأمريكية.

وتمثّل عائدات الضرائب الفلسطينية أكثر من 50 في المئة من واردات الخزينة الفلسطينية كما أنها تلبي نحو 70 في المئة من المصاريف الجارية للسلطة ورواتب موظفيها.

الضرر سيطول كافة شرائح المجتمع

من جهته، قال الخبير المصرفي ووزير التخطيط السابق، الدكتور سمير عبد الله، إن الخطوة الأمريكية ستسبب إرباكا وخسائر فادحة للقطاع المصرفي الفلسطيني، خاصة أنها لا تستطيع تجاوز التعليمات الأمريكية خشية من ابتزازها وملاحقة محافظها المالية.

وأضاف أن تبعاتها ستكون ليس فقط على البنوك والسلطة الفلسطينية بل على مختلف شرائح المجتمع التي ستضرر من أي حصار مالي قد يفرض على السلطة الفلسطينية في إطار الابتزاز السياسي للمواقف الفلسطينية الرافضة للمشاريع الأمريكية بالمنطقة. ولم يستبعد عبد الله ان تقدم الولايات المتحدة على هذه الخطوة خاصة أنها قامت بفرض عقوبات على دول عظمى من الصين إلى روسيا وتركيا وايران.

ونفت سلطة النقد الفلسطينية، في حديث مع “القدس العربي” علمها بهذه التحذيرات الأمريكية للبنوك بالتعامل مع السلطة الفلسطينية، مشيرة إلى أنها لم تتلق أي تعميمات تخص ذلك.

وقال المحلل السياسي، أحمد حرب، في حديث مع “القدس العربي” إن الإجراءات الأمريكية والإسرائيلية الجديدة، تؤشر على سخونة المرحلة المقبلة، وعلى اقتراب موعد صفقة القرن، وتؤشر على زيادة الضغوطات على السلطة الفلسطينية التي قد تصل نحو الحصار الاقتصادي بغية ابتزاز مواقفها السياسية تجاه صفقة القرن. وأضاف “لذلك سنكون في المرحلة المقبلة أمام أزمة اقتصادية خانقة قد تقوض مهام وعمل السلطة الفلسطينية”.

عباس سيحاول قطع الطريق

وفي السياق، أوضح المحلل السياسي، أيمن يوسف، في حديث مع “القدس العربي” أنه يستشف من هذه الخطوة -عقب قطع أمريكا كافة المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية- بانها تتجه نحو وقف المساعدات التي تقدمها جهات دولية أخرى، لتكون السلطة جاهزة للتسوية السياسية المرتقبة. وأضاف “يمكن فهمها أن خطوة للتمهيد لفرض صفقة القرن لكن وفق الاستراتجية الأمريكية الجديدة التي تقوم على تقنيين المساعدات الخارجية، حيث ستحاول أمريكا خلق بدائل لمساعداتها من أطراف عربية وأوروبية واليابان، خاصة أنها غير معنية في هذه المرحلة بانهيار السلطة”.

وقال يوسف إن زيارة الرئيس الفلسطيني إلى السعودية، في إطار بحث تطورات الصفقة الأمريكية والتي ستكون السعودية جزءا رئيسا في تطبيقها من خلال إقناع الفلسطينيين بأهمية قبولها، وسيحاول أيضا تمرير رسائل إلى مؤتمر “وارسو” عبر البوابة السعودية، ومحاولة خلق بديل للدور المصري المتراجع، وكذلك حشد الدعم المالي على ضوء التهديدات الأمريكية الجديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية