«خطوات» للفلسطيني يوسف الكبرا: ضوءٌ يخترق عزلة الفرد ومسيرٌ مُتكرّر يخشى المواجهة!

حجم الخط
0

بيروت- «القدس العربي»: تتحدّى بيروت التي تحبّ الحياة كلّ الظروف الأمنيّة والسياسية التي تخنقها، خاصة مع تفاقم أزمة «عرسال» والجنود اللبنانيون المخطوفون ومنعكسات هذا الوضع القاسية على جزء من اللاجئين السوريين في لبنان.
إلاّ أنّها بيروت، المدينة التي تخزّن ذاكرة الحرب في ثقوب الرصاص على جدران أبنيتها، في الحكايات المنقولة شفاهاً لجيل ما بعد الحرب من شهوده الفعليين، المدينة التي عاشت مع الموت يومياً لثلاثين عاماً فتعلّمت اقتناص ووهب فرص الحياة والتمتّع بها. فكان أن تابع الجمهور المسرحي السوري واللبناني والأجنبي عرض «خطوات» المسرحي ذي الثلاثين دقيقة. تجربة تميّزت بالطابع العابر للحدود: فكانت البطولة لبنانية من خلال الممثلة «كارول عبود»، بدعمٍ من مؤسسة «عبد المحسن قطّان» في رام الله الفلسطينية، عن نص الكاتب الايرلندي «صموئيل بيكت» (1906-1989)، حيث قدّم المخرج الفلسطيني الشاب المولود في سوريا يوسف الكبرا تجربته الإخراجية الاحترافية الأولى، على خشبة مسرح «دوّار الشمس» اللبنانية.
مغامرة الكبرا (1985) الاولى كانت باختياره النص، وهو من نصوص المرحلة المتقدّمة في عمل «بيكت» المتشائم غالباً حول المصير الإنساني، والتي تتميّز بكثافتها الفكرية، بساطتها الفنية، إيجازها وحتى شحّها اللغوي. فالرجل الذي شكّل أحد أهم رموز مسرح العبث خاصّة نصّه الشهير «في انتظار غودو« (1948) أولى الكلام قليلاً من اهتمامه الذي توجه بكليته إلى عمق الحالة الإنسانية.
وهي مغامرة ناجحة، إذ لسنوات طويلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والعالم العربي غالباً ما يقرأ الآداب ويتناول الفنون التي أنتجت ما بعد الحرب دون أن يُدرك الحساسية الإنسانية التي ولّدت مسرح العبث، ومسرح القسوة، والتكعيبية والدادائية والسُريالية وسواها من الفنون. اليوم السوريون ربما أكثر من نظرائهم العرب هم الأقدر كما الفلسطينيون على إدراك هذه الحساسية أينما كانت، ففي بلد هُجّر نصف سكانه تقريباً (10 ملايين سوري ما بين مُهجّر داخل سوريا وخارجها من أصل 23 مليون) ودُمّرت مدن بأكملها، يصبح للعبث معنىً أعمق بكثير، وللفلسطيني السوري الذي وجد نفسه في الظروف الأخيرة يستعير من الأكراد بطاقة الإقامة الفعليّة (ليس للكردي إلاّ الريح- محمود درويش) تكتسب العُزلة والخُطى والذاكرة معانٍ أعمق بكثير.
في نص «بيكت» امرأة أربعينية، وصوت أم تسعينية. كثرٌ يهتمون بتفاصيل الحكاية وماذا حدث. في حين أنّ هذا ليس ذي أهميّة فعليّة في واقع الأمر. كل شيء يمكن أن يحدث وأي شيء يمكن، وتكون النتيجة ذاتها. طفلة ثمّ امرأة حبيسة منزلها، وكُلٌّ منّا حبيس مكان ما. طفلة تعيش في كنف أمها المُتسلّطة، ومن منا لا يعرف السلطات القعميّة والحياة في ظلها. ولنا جميعاً كما لممثلة «بيكت» وكما تؤدي «عبود» تلك اللحظة من الزمن حين وقفنا هاربين أو مُرغمين في مواجهة الحائط بثباتٍ لا يتزحزح. البعض عقاباً كأطفال المدرسة، البعض الآخر انتظاراً للعقاب كما المعتقلون أينما كانوا، والبعض الثالث لا يريد أن يرى. ولأننا جميعاً «ماي» بطلة المسرحية في لحظة من حياتنا تغدو ملامح المؤدية غير مهمة، طولها وجسدها وحتى صوتها. ما يهم هي قدرتها على أن تكون أياً منّا في تلك اللحظة.
بذات الثبات المُفرَغ من الغايات، تروح وتجيء «ماي» كزحف الرمل، جملها متقطعة، حوارها مُفكك، يتداخل بين كلماتها وكلمات أمّها، التي اختار الكبرا أن تؤدي صوتها عبود أيضاً ونسمعه عبر المذياع في حين طلب «بيكت» من مُخرج العرض (قدّمه في مسرح «رويال كورت» في لندن عام 1976) أن تكون ممثلة أخرى على الجانب لا ترى، لكنها حاضرة. هل يهم هذا التفصيل؟! هل يهم حقيقةً إن كان الخطاب هو للأم أم للابنة لتبيان هل الأم موجودة أم لا في حياة ابنتها؟! فالضرر قد وقع في تلك الحياة، والعزلة لا تهتم بحضور الآخر لتشيّد كيانها، كما الغريبُ غريبٌ أينما كان، وكما اللاجئ لاجئٌ ولو أخذ جنسية بلدٍ آخر.
يحاول الكبرا أن يحتال على جمهوره ليدخله في عالم الحساسيّات الخاصة هذا، فيُشيّدُ مصطبةً من أربع مستويات لجلوسٍ غير مريح، ولكن حميمي، لجمهوره، هو لا يدعوهم إلى الاسترخاء ولا إلى المتعة، هو يدعوهم إلى مشهدٍ طويل مع الألم الإنساني، إلى اختراق جدران الضعفاء وليلهم، إلى مُلاحظة وجودهم وربما هم كما تفعل «ماي» يتسللون في ليلنا لا إلى حيواتنا بل لاطالة حيواتهم. ولهذا نحن لا نرى سوى المستطيل الضوئي الذي تتحرّك فيه «ماي»، فهو ليس عرضٌ لحياة إنسانية، بل لحالة درامية، مسرحها هو هذا المستطيل، فاعليتها ووجودها، أمّا فضائها فهو خشبة المسرح، حيث يحضر الآخرون طيفاً أو صوتاً، حقيقةًأو وهماً.
تقول «ماي» أنّها بحاجة إلى سماع صوت خطواتها، وهي الحاجة الإنسانيّة إلى التواصل، إلى الآخر. نسمع وتسمع صوت خطواتها التسع كأشهر الحمل، فهل من ولادة ما بعد كلّ ذاك المسير. يؤكد صوت الأم أنّ «ماي» لا تتوقف عن اجترار «كلّ هذا»، ولا ندرك الـ «هذا» الخاص بـ «ماي»، لكن ما أكثر ما لدينا بعد ثلاث سنوات من الألم، ومن صور الذاكرة الحزينة. في المشهد الأخير نرى المستطيل فارغاً بعد ان كانت «ماي» تبتعد عنّا نحن الجمهور قليلاً قليلاً، وهي في خشبة مسرح «دوّار الشمس» تبتعد نحو عمق الصالة الذي غدا مع ترتيب الكبرا الجديد لسينوغرافيا فضاء العرض يُقارب باب المسرح، باب الخروج. فهل خرجت «ماي»؟! هل كسرت عزلتها؟! ربما الأكثر جدوى
أن نتساءل متى سوف نكسر جدار عُزلتنا ونجابه شياطيننا وحُراسنا، ملائكتنا.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية