خطوات متسارعة في مسار السلام في اليمن: ماذا تبقى على اتفاق الهدنة والدخول في عملية سياسية؟

حجم الخط
0

عدن – «القدس العربي»: شهدت الرياض وعدن ومأرب خلال الأيام القليلة الماضية، سلسلة من اللقاءات الهادفة إلى تحقيق تقدم حقيقي في مسار السلام في اليمن، الذي شهد جمودًا في الأسبوعين الأخيرين، وبخاصة عقب هجوم الحوثيين على موقع عسكري على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي.
وشهدت العاصمة السعودية اجتماعات متوالية لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، أفضت إلى حسم الخلاف حول تشكيل الفريق التفاوضي للحكومة المعترف بها في مشاورات السلام مع جماعة «أنصار الله» (الحوثيين).
ويفهم مراقبون من تشكيل المجلس لفريقه التفاوضي أن ثمة موافقة من جماعة الحوثيين على الجلوس على طاولة المفاوضات، علاوة عن أن ثمة مؤشرات إيجابية على حلحلة عُقد الخلاف مع الجماعة ذات العلاقة بما يُعرف بـ»إجراءات بناء الثقة»، التي يشترط الحوثيون تنفيذها قبل المضي باتجاه توقيع اتفاق هدنة طويلة وشاملة تمهيدًا للدخول في عملية سياسية ممثلة في مفاوضات تُفضي إلى تشكيل حكومة ومرحلة انتقالية تنتهي بالاتفاق على شكل الدولة اليمنية المقبلة (وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية)؛ وطي صفحة الحرب التي تعصف بالبلد منذ تسع سنوات.
وعلى ما يبدو أن الوساطة العُمانية السعودية قد استطاعت تهيئة الأرضية المناسبة للمضي صوب تلك النتائج المتوخاة، على الأقل صوب توقيع اتفاق هدنة طويلة وشاملة باعتباره المتاح في الفترة القريبة.
يؤكد ذلك لقاء رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي ومعظم أعضاء المجلس مساء الأربعاء، بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، الممسك بملف اليمن في المملكة.
وعادة لا يكون لقاء رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي بوزير الدفاع السعودي إلا لاطلاعهم من قبل الأخير على ما تم مع جماعة الحوثيين؛ ومن ثم موافقتهم على الخطوات التالية، كما سبق وكان قبل بدء المفاوضات الرسمية بين الحوثيين مع الرياض في صنعاء خلال 8-13 أبريل/ نيسان الماضي.
في تدوينة لوزير الدفاع السعودي على منصة (إكس) أوضح أنه بحث مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي «آخر تطورات ومستجدات الشأن اليمني والجهود المشتركة لدعم مسار السلام (…) وأكدتُ تشجيع الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم تحت اشراف الأمم المتحدة، يُنهي الأزمة اليمنية ويحقق الأمن والسلام والتنمية لليمن وشعبه الشقيق».
ووفقًا لمصادر رسمية يمنية، فقد بحث اللقاء ترتيبات بدء المفاوضات المباشرة بين الحكومة وجماعة الحوثيين عقب توصل السعودية مع الجماعة إلى شبه اتفاق على ما يُعرف بإجراءات بناء الثقة، والمتعلقة بصرف مرتبات الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الجماعة، ورفع القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، والاتفاق على آلية لإطلاق الأسرى وفتح الطرقات مقابل ما تشترطه الحكومة وبخاصة استئناف تصدير النفط في مناطق نفوذها.
وكانت هجمات بطائرات حوثية مسيّرة قد استهدفت موانئ تصدير النفط في محافظتي حضرموت وشبوة شرقي اليمن خلال أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي بهدف منع الحكومة من التصدير، حتى يتم الاتفاق على صرف مرتبات الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الجماعة من عائدات مبيعات النفط والغاز، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية أخرى بين أطراف الحكومة المعترف بها، وبخاصة مع طرف المجلس الانتقالي الجنوبي.

مساع أممية

ووفق المصادر ذاتها، فمن المحتمل أن جولة المفاوضات الرسمية الثانية بين الرياض والحوثيين خلال سبتمبر/أيلول الماضي قد حسمت معظم قضايا الخلاف، ورجحت المصادر ذاتها عقد جولة ثالثة في القريب، يتم خلالها الاتفاق على التفاصيل النهائية، تمهيداً لبدء المفاوضات المباشرة بين الطرفين اليمنيين على اتفاق الهدنة.

والتقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، في الرياض، الأربعاء، المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ.
وذكرت وكالة الأنباء الحكومية، أن العليمي اطّلع من غروندبرغ «على إحاطة بشأن اتصالاته الأخيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، والمساعي الرامية لتجديد الهدنة، واستئناف عملية سياسية شاملة تحت رعاية الأمم المتحدة».
وكان غروندبرغ قد أجرى خلال زيارته الأخيرة للرياض، لقاءات بمسؤولين ودبلوماسيين يمنيين وإقليميين ودوليين.
وفي ختام زيارته، الخميس، أوضح بيان أن المناقشات ركزت «على الخطوات المقبلة في سبيل تيسير التوصل إلى اتفاق بشأن إجراءات لتحسين ظروف المعيشة في اليمن، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، وعملية سياسية جامعة بين اليمنيين برعاية أممية».
بموازاة بيان مكتب المبعوث الأممي عن نتائج لقاءاته في الرياض التي اختتم زيارتها الخميس، أصدر المكتب ذاته بيانًا آخر عن نتائج مشاورات وفد مكتبه مع مسؤولين حكوميين وعسكريين وجهات سياسية وأمنية محلية شملت النساء وشخصيات قبلية ووسطاء محليين من الشباب ومنظمات المجتمع المدني وممثلين عن مجتمعات النازحين في سياق تهيئة الطريق نحو تحقيق السلام هناك.
وركزت المشاورات، وفق البيان، على الأولويات السياسية والأمنية، وسُبل الدفع نحو عملية سياسية يمنية-يمنية برعاية الأمم المتحدة تُفرد مساحة للمشاركة الشاملة والشفافية.
وأشار البيان إلى أن المشاورات «تناولت أيضًا تصميم وقف مستدام لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد والاستعدادات اللازمة لتطبيقه لتعزيز أمن المدنيين اليمنيين، ولدعم العملية السياسية والتمهيد لترتيبات أمنية انتقالية قابلة للتنفيذ».
وأكد ممثلو مكتب المبعوث الأممي الخاص «إدانة الأمم المتحدة لأي اعتداءات تستهدف المدنيين وأي هجمات عشوائية تهدد حياة المدنيين وسلامة البنية التحتية المدنية».
على صعيد النقاش مع الجهات العسكرية، بما في ذلك كبار القادة العسكريين وأعضاء لجنة التنسيق العسكري، قال البيان إن المحادثات «ركزت على استعدادات وقف إطلاق نار مستدام في جميع أنحاء البلاد تديره الأطراف نفسها من خلال آلية تيسرها الأمم المتحدة». فيما أكد المشاركون اليمنيون على ضرورة وجود ضمانات جادة والتزامات واضحة لضمان استدامة أي اتفاق بشأن وقف إطلاق النار».

ماذا بعد؟

يعتقد الباحث السياسي اليمني، عادل دشيلة، في حديث لـ»القدس العربي» أن ثمة خطوات صوب عقد مفاوضات مباشرة بين الحكومة والحوثيين برعاية سعودية عُمانية وإشراف أممي، مرجحًا أن الرياض قدّمت تنازلات لجماعة الحوثيين، بما يدفعها للجلوس على طاولة المفاوضات مع الحكومة، وصولاً إلى اتفاق سياسي.
وقال: «أعتقد أن المملكة خلال الفترة الماضية، وبالشراكة مع عُمان، حاولوا وربما نجحوا في إقناع الحوثيين للجلوس مع ممثلي الحكومة».
وأشار إلى خلاقات كانت قائمة بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وتحديدًا مع عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، حول الفريق التفاوضي؛ باعتبار الانتقالي كان يريد تشكيل فريق تفاوضي مستقل عن فريق الحكومة.
وقال: «يبدو أن السعودية قد نجحت في إقناع الانتقالي بتشكيل فريق تفاوضي مشترك يمثل مجلس القيادة الرئاسي للتفاوض مع جماعة الحوثيين».
ورجّح دشيلة موافقة الحوثيين على الجلوس على طاولة المفاوضات، متوقعًا أن تنعقد المفاوضات في القريب.
وأشار إلى أن الإشكالية التي ستواجه الجميع هي كيفية الدخول في التسوية السياسية والآلية التنفيذية لها. وقال: ربما يتفق الطرفان على هدنة شاملة وصولًا إلى تسوية سياسية، لكن الإشكالية ستكون في تطبيق اتفاق التسوية السياسية.
واعتبر أي تفاهمات بين الرياض والحوثيين «إنما هي لتسهيل التفاوض». وقال: «لقد قدّمت السعودية بعض التنازلات لجماعة الحوثيين، لذا فالمرحلة المقبلة ستكون عبارة عن حوار بين الطرفين، وسيناقشان آليات وضمانات هدنة شاملة وآليات تسوية سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة».
لكنه عاد وقال: «ستبقى المشكلة في السلاح والعملة والقضية الجنوبية التي يحاول الانتقالي أن يكون ممثلها الوحيد». وأضاف: «ثمة سؤال يفرض نفسه أمام هذه الخطوات نحو السلام المنشود، وهو: ما مدى استعداد جماعة الحوثي والمجلس الانتقالي لتقديم تنازلات جوهرية لإنجاح أي عملية سياسية مستقبلية وعملية انتقالية؟».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية