خطوة ترامب

حجم الخط
0

اعترفت الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل في إعلان تأريخي، في 6 كانون الأول 2017. الدولة الأولى التي اعترفت بإسرائيل بعد إعلان الاستقلال في 1948 كانت أيضا الأولى التي اعترفت رسميا بعاصمتها القدس. في أرجاء العالم لا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتحدى حركات دينية وقومية الدول والحدود التي تقررت في الماضي، ثمة أكثر من رمزية في خطوة الرئيس ترامب هذه، الذي أقام الاعتراف، ضمن أمور أخرى على الصلة عتيقة العهد للشعب اليهودي بعاصمته.
كما هو متوقع، فإن إعلان الرئيس ترامب أثار مظاهر تأييد وموجات احتجاج على حد سواء. فالعالم الإسلامي والعربي، الممزق منذ سنين وجد في هذا الإعلان موضوعا يمكن أن يصرف بمساعدته تُجاه الإحباط، اليأس وخيبة الأمل من فشل حركة النهضة التي تسمى «الربيع العربي». ومساعي المصالحة بين الطرفين الأيديولوجيين ـ الجغرافيين للشعب الفلسطيني، والتي اصطدمت بالمصاعب، حظيت بالتعزيز إذ أنه من السهل لكل الفصائل العاملة في الساحة الفلسطينية أن تتحد حول موضوع القدس. أما في إسرائيل فاحتدم الجدال بين مؤيدي التنازلات في القدس وفي يهودا والسامرة من أجل الاتفاق الكامل مع الفلسطينيين، والمؤيدين للحق الذي لا جدال فيه للشعب اليهودي بكل هذه. وفي الاتحاد الأوروبي، منعت دولتان عضوان إعلانًا مشتركا لوزراء الخارجية، ينتقد إعلان ترامب.
مع ذلك، يخيل أنه مع أن الكثيرين سمعوا وقرأوا التصريح، إلا أنهم تجاوزوا جملة أساسية فيه أو تجاهلوا معانيها. فقد قال ترامب: «اليوم نحن أخيرا نعترف بالأمر المسلّم به في أن القدس هي عاصمة إسرائيل. ليس أمرا أكثر أو أقل من الاعتراف بالواقع». الواقع الذي وصف الرئيس الأمريكي قسما منه هو أن كل المؤسسات الرسمية لدولة إسرائيل توجد في الجانب الغربي من المدينة، ولكن إسرائيل أحلت القانون الإسرائيلي أيضا في المنطقة التي ضمت إلى القدس في 1967 وشملت القدس الشرقية، وقرى ومخيمات لاجئين أخرى. جواب جزئي على هذا التجاهل للواقع الذي نشأ في المدينة بعد 1967 أعطاه ترامب نفسه بقوله: «لا نتخذ أي موقف في كل موضوع التسوية الدائمة، بما في ذلك الحدود المحددة للسيادة الإسرائيلية في القدس، أو القرار في الحدود موضع الخلاف. هذه مسائل تتعلق بالطرفين ذوي الصلة». كما قال الرئيس إنه أمر بالشروع في الإعداد لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ولكنه لم يشر إلى جدول زمني.
كان يفترض بأقوال ترامب هذه أن ترضي الفلسطينيين، إذ أنه أعلن صراحة بأنه في موضوع حدود السيادة الإسرائيلية لم يتغير الموقف الأمريكي، وبشكل غير مباشر قال إن الاعتراف الأمريكي بـ «العاصمة» الإسرائيلية للقدس ينطبق فقط على ذاك الجزء في الواقع، الذي لا يختلف عليه الفلسطينيون ومعهم الدول العربية. كان ينبغي لهذه الأقوال التي قالها ترامب أن تبرد أيضا ردود فعل الكثير من الإسرائيليين، في المعسكرات السياسية المختلفة، ولكن في إسرائيل وخارجها على حد سواء، فإن المعنى الأكثر تواضعا لأقوال ترامب دحر. في إسرائيل كان هناك حتى من شبهوا تصريحه بتصريح بلفور قبل قرن، بشأن حق الشعب اليهودي بوطن قومي في بلاد إسرائيل ـ التشبيه الذي فيه وجه شبه واحد فقط، وهو اعتراف قوة عظمى رائدة في حق الشعب اليهودي في وطن قومي، والذي لا جديد فيه، والاعتراف بحق الدولة اليهودية في تحديد عاصمتها.

ردود فعل

لقد ولد إعلان الرئيس ترامب ردود فعل حادة وغريبة إذ ليس واضحا هل تستند هذه إلى القراءة الدقيقة لأقواله. في بعض منها جاءت ردود الفعل هذه من زعماء ومقرري السياسة الخارجية في العالم، ممن تناولوا على نحو خاص التغيير في الوضع الراهن في القدس النابع زعما من مجرد التصريح. وغريبة هي ردود الفعل لأن جزءا من أصحابها يمثلون دولا تعترف بالواقع الذي تعاطى معه ترامب وهي تتصرف في هذا الواقع مثلما تتصرف الولايات المتحدة. فرئيس دولة إسرائيل يستضيف رؤساء الدول وممثليها في مقره في القدس، ومثله أيضا رئيس الوزراء. رؤساء دول ألقوا خطابات في كنيست إسرائيل في مقرها في القدس، ويذكر في هذا السياق الرئيس المصري أنور السادات. سفراء الدول الأجنبية، الملزمون بتقديم أوراق اعتمادهم لصاحب السيادة في الدولة التي انتدبوا فيها، يفعلون هذا في مقر رؤساء لإإسرائيل في القدس. رئيس الولايات المتحدة قال إنه يعترف بهذا الواقع وإنه لا يغير الوضع الراهن القائم منذ قيام الدولة في 1948. مؤسسات رسمية، مثل الوزارات الحكومية في معظمها والكنيست، نقلت بعد وقت قصير من ذلك إلى القدس، ومقر الرئيس يوجد في القدس منذ ولاية الرئيس الثاني.
لأولئك الذين لا يزالون يتعلقون بقرار 181 للجمعية العمومية في الأمم المتحدة من عام 1947 (قرار التقسيم) لتعليل معارضتهم ل ، يمكن القول إنه تقررت عشر سنوات (ابتداء من تشرين الأول 1948) لذاك الجزء من القرار الذي يبحث في خلق «كيان منفصل» (كوربوس سبراتون) للقدس، وهذه انتهت في 30 أيلول 1958. آخرون، مثل مفوضية الخارجية والأمن للاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغريني، يستندون إلى قرار 478 لمجلس الأمن في 1980. في هذا القرار، الذي جاء في أعقاب «قانون القدس»، دعي أعضاء الأمم المتحدة إلى عدم الاعتراف بالقانون أو بأعمال أخرى لإسرائيل، تغير الطابع والمكانة للقدس. والولايات المتحدة نفسها امتنعت عن التصويت، وفضلا عن ذلك، أعلن ترامب أن ليست النية تغيير مكانة القدس. ولكن إذا كانت الولايات المتحدة ستنفذ نية الرئيس بنقل سفارة بلاده إلى القدس فمن شأنها أن تخرق القرار الذي دعا الدول التي في 1980 أقامت سفاراتها في القدس إلى إخراجها. قرار 478 نفسه لم يتناول الواقع الذي يكون فيه أعضاء الأمم المتحدة الذين يعترفون بإسرائيل ويقيمون معها علاقات دبلوماسية يفعلون ذلك في عاصمة إسرائيل، وبالتأكيد لم يدع القرار الخروج عن هذا الواقع، أينما كان موقع سفاراتهم.
يبقى البحث في مسائل مثل لِمَ الآن؟ وماذا سيكون تأثير تصريح الرئيس ترامب على المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين؟
بالنسبة لموضوع التوقيت يمكن فقط التقدير أن ترامب طلب استيفاء وعده بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، الذي أعلنه في أثناء حملته الانتخابية للرئاسة، وكان يعيش معضلة حين كان ملزما بالتوقيع على التأجيل في التنفيذ ـ الواجب وفقا لنص القانون الأمريكي كل ستة أشهر. وبالنسبة للمسألة الثانية، شرح ترامب نفسه بأنه برغم امتناع أسلافه في المنصب عن نقل السفارة منذ أقر القانون في 1995 بشأن القدس، فإن السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ليس قريبا. من جهة أخرى، صرح الرئيس أيضا أنه يتمسك بالتزامه بالعمل على اتفاق السلام وسيعمل كل ما في وسعه لتحقيقه، فيما يذكر أيضا رغبته في تحقيق «صفقة الصفقات» بين إسرائيل والفلسطينيين وما نشر أيضا عن خطته أو مبادرته التي ستعرض على الطرفين.

أمريكا ليست وسيطا نزيها

لقد رفض معارضو تصريح الرئيس الأمريكي، وبينهم المفوضون الفلسطينيون، في أعقاب التصريح اعتبار الولايات المتحدة وسيطا نزيها. وبالمقابل، في الطرف الإسرائيلي أطلق الادعاء بأن الولايات المتحدة ستطالب إسرائيل بتنازلات للفلسطينيين «مقابل» الاعتراف الرئاسي بالقدس كعاصمة إسرائيل. فدور الولايات المتحدة في جولات المفاوضات التي خاضتها إسرائيل مع جيرانها العرب كان منذ 1973 موضع خلاف، في الجانب الإسرائيلي وفي الجانب العربي على حد سواء، ولكن الطرفين، بلا استثناء، توجها إلى واشنطن وطلبا المساعدة في إغلاق الفجوات في مواقفهما في مراحل مختلفة من المفاوضات بينهما. أما مظاهرات الغضب وإحراق أعلام الولايات المتحدة فلن تغير الواقع الذي نجد أن العامل الدُّولي الوحيد الذي يوجد فيه قدر من التأثير على مواقف إسرائيل في المفاوضات بينها وبين جيرانها، هو الإدارة الأمريكية.
في أعقاب الإعلان الرئاسي، انطلقت مظاهرات بحجوم محدودة في أوساط عرب إسرائيل، في شرق القدس وفي المناطق. منظمة سلفية في قطاع غزة أطلقت حتى صواريخ نحو إسرائيل. في الأعمال التي اتخذتها إسرائيل لمواجهة المظاهرات على مقربة من جدار الحدود مع قطاع غزة وفي الهجمات المضادة على إطلاق الصواريخ قتل أربعة فلسطينيين. في باقي المناطق كان جرحى فقط. وبالتالي فإن ردود الفعل المنضبطة من جانب الجيش الإسرائيلي وشرطة إسرائيل ساعدت في لجم المظاهرات. في هذه المرحلة، ليس واضحا إذا كانت الحماسة في أعقاب تصريح ترامب ستؤدي أيضا إلى موجة جديدة من العمليات الفردية. مظاهرات جماهيرية أكبر جرت في مدن عديدة في العالم العربي والإسلامي. والزيارة المرتقبة لنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إلى المنطقة ستمدد أغلب الظن موجة المظاهرات والاحتجاجات، ولكن في هذه المرحلة يمكن فقط التقدير بأنه في غياب عمل ملموس ومحدد لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ستخبو ردود الفعل ومعها الخطر من أعمال العنف. أما النشاط السياسي والدبلوماسي المحدود على أية حال قبيل نهاية السنة الميلادية فكفيل هو أيضا بالمساهمة في تهدئة الخواطر.
إذا ما عرضت مبادرة أمريكية بالفعل او كل مبادرة أخرى ترمي لأن تكون أساسا لمفاوضات سياسية متجددة بين إسرائيل والفلسطينيين، فاحتمالات نجاحها منوطة قليلا باعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل. وبالنسبة لمضامين المبادرة، للوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، للوضع السياسي الداخلي في الطرف الفلسطيني، للمكانة الشخصية للزعماء في الطرفين، للظروف في الشرق الأوسط وللظروف في الساحة الدُّولية ـ لكل هذه سيكون تأثير أكبر. مهم في هذا السياق موقف الدول العربية المجاورة، التي تعتبر حليفة للولايات المتحدة ـ مصر، الأردن والسعودية. والرضا في إسرائيل من خطوة الرئيس الأمريكي مبرر، ولكن إذا كان زعماء هذه الدول سيجرون تحليلا حذرا لأقواله، فإنهم سيفهمون أنه لم يصدر فيها أي شيء يتعارض و»المبادرة العربية».
فضلا عن الاعراب عن الشكر لرئيس الولايات المتحدة، يوجد لإسرائيل أيضا دور ليس فقط في تهدئة الميدان، ولا سيما إذا ما عرضت مبادرة أمريكية لاستئناف المفاوضات. وسواء كانت المبادرة تعنى بتسوية دائمة كاملة ام بتسوية جزئية، هدفها النهائي هو دولتان للشعبين وستتناول أيضا المجال المقدسي. إسرائيل يمكنها أن تتخذ سياسة تتضمن خطوات «إفعل» و «لا تفعل»، وهكذا ستساعد في تعزيز الرئيس ترامب والتقدم في خطواته.

نظرة عليا 14/12/2017

خطوة ترامب
مزايا اعتراف الولايات المتحدة التاريخي بالقدس عاصمة لإسرائيل
عوديد عيران

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية