صَعد الغرب في الفترة الأخيرة حملته بزعم وجود خطط لدى روسيا لغزو أوكرانيا وانتزاع أراضيها، وقالت الولايات المتحدة ان لديها معطيات على تحشيد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا (175000 عسكري حسب تقديرات واشنطن) وتقول روسيا إن قواتها المسلحة منتشرة في إطار حدودها الوطنية، وانها كدولة مستقلة وذات سيادة، تتمتع بحق نشر ونقل قواتها المسلحة في أراضيها، وفقا لمقتضيات أمنها الوطني.
وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف، إن روسيا لا تستبعد تكرار «أزمة الكاريبي» و«قد يصل الأمر إلى مثل تلك المواجهة الخطيرة، التي حدثت في بداية ستينات القرن الماضي، تمامًا. إذا لم يفهم الرفاق، كما يقولون، من الجانب الآخر، واستمر كل شيء كما هو، فقد نستيقظ، وفقًا لمنطق تطور الأحداث، ونرى أنفسنا في شيء مشابه. وسيكون فشلا ذريعاً للدبلوماسية، لكن لا يزال هناك وقت لمحاولة التوصل إلى اتفاق على أساس سليم». وبحسب نائب الوزير، فقد تفاقم الوضع بسبب انتهاك الالتزام بمنع النشاط العسكري بالقرب من الحدود الروسية، والذي يتم الآن رصده أكثر فأكثر. «نحن نقدم بديلاً معقولاً لما يحدث، ويمكن إضفاء الطابع الرسمي على الضمانات القانونية بطرق مختلفة، ولكن يجب أن تكون هذه ضمانات وضمانات من النوع التعاقدي، فهذه ليست وعودا ولا كلمات، لقد مررنا بكل هذا مرات عديدة» كما يضيف نائب الوزير.
قوات الناتو
على تخوم روسيا
وتنظر موسكو بعيون الشك إلى نوايا الغرب، وخطابه التحذيري بزعم التحرش بأوكرانيا، وترصد وجود خطط لدفع النظام الأوكراني للتورط في مواجهة عسكرية مع روسيا الاتحادية، لتحقيق أهداف الغرب الجيوبوليتيكية، وإثارة ما يسمى بالفوضى الخلاقة في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك جعل أوكرانيا تدور في فلك الغرب وتكون ميدانا لممارساته العدوانية ضدها. وتبرهن على ذلك بتكثيف الغرب توريدات الأسلحة الحديثة الدفاعية والهجومية لكييف، بما ذلك الطائرات من دون طيار، وتحشيد قوات الناتو على تخوم روسيا في البحر الأسود وجمهوريات البلطيق، وثمة دلائل لدى موسكو تشير إلى أن القوات العسكرية الأوكرانية تحضر لشن غزو جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك ذات الأغلبية الروسية، وهما اللتان أعلنتا الاستقلال من جانب واحد.
وقالت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في إيجازها الصحافي الأسبوع الماضي، بما ينم عن شعور موسكو بالقلق، أن دول الناتو تعمل على تكثيف إمدادات الأسلحة لأوكرانيا وتدريب عناصر قواتها المسلحة. وتقوم بذلك ليس من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن، ولكن من أجل «صب الزيت على النار» وإعطاء نطاق أكبر للحرب الأهلية المستمرة في البلاد منذ عام 2014. وأفادت بأن الولايات المتحدة قدمت لأوكرانيا مساعدات عسكرية بقيمة 2.5 مليار دولار، بما في ذلك أكثر من 400 مليون دولار هذا العام، وقامت واشنطن في الآونة الأخيرة بتسليم 30 نظاماً صاروخياً مضادًا للدبابات من نوع Javelin التي من الواضح أنها لا تهدف إلى إيجاد حل سلمي للوضع في جنوب شرق أوكرانيا، وكذلك 180 صاروخًا مقابل 60 مليون دولار، كما ستزود كييف بالأسلحة والمعدات العسكرية في عام 2022 بكلفة 300 مليون دولار، ويتم تجهيز الدفعة الأولى – مقابل 20 مليون دولار لإرسالها في كانون الثاني/يناير المقبل. وهذه الصفقة تشمل على معدات اتصالات ومراقبة بالفيديو، ومركبات خاصة، وطائرات بدون طيار، وما إلى ذلك. وهذا بالتأكيد لن يحل المشاكل الإنسانية لسكان دونباس، ولن يساهم في الحل السلمي للنزاع المسلح، ولن يهيئ الظروف لتطبيق اتفاقيات مينسك. ووفقا للمعطيات الروسية يواصل المستشارون الغربيون تدريب الجيش الأوكراني، ويتمركز فيها حوالي 10 آلاف جندي من دول الناتو – 4 آلاف من الولايات المتحدة و 6 آلاف آخرين من دول الحلف الأخرى.
ويعتقد المراقب السياسي سيرغي ماركوف، أن خطر دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا قائم بالفعل. وهناك عدة خيارات لهذا الدخول، ولقد رسم الرئيس فلاديمير بوتين ثلاثة خطوط حمراء واضحة للولايات المتحدة وحلفائها، قد يكون تخطيها مؤشرا على انتقال المواجهة إلى مستوى نوعي جديد. وعشية ذلك، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحاجة إلى بدء المفاوضات الدولية بشكل عاجل من أجل صياغة ضمانات قانونية لأمن روسيا، حسبما أفادت خدمة الكرملين الصحافية. وأوجز بوتين مطالبه في محادثات هاتفية مع رئيسي فنلندا وفرنسا، سولي نينيستو وإيمانويل ماكرون. وحسب الزعيم الروسي، فإن الضمانات يجب أن «تستثني أي تقدم إضافي لحلف شمال الأطلسي نحو الشرق ونشر أسلحة في الدول المجاورة، وفي مقدمتها أوكرانيا، التي تهدد روسيا». هذه هي «الخطوط الحمراء» ذاتها التي أصر الكرملين عليها أكثر من مرة.
قواعد عسكرية
والنقطة المهمة بالنسبة للكرملين هي أن الأمريكيين والبريطانيين يبنون الآن في أوكرانيا قواعد عسكرية، وهذه القواعدة محاطة بسرية بالغة. وما يثير هواجس روسيا هو أن الولايات المتحدة تريد نشر صواريخ متوسطة المدى مزودة بأسلحة نووية هناك، يمكنها بلوغ موسكو خلال خمس دقائق.
وثمة هواجس لدى روسيا من وجود خطط لضم أوكراينا وكذلك جورجيا، إلى حلف الناتو. وترى الخارجية الروسية إن تبني نهج جر أوكرانيا إلى الناتو سيكون مصدر خطر يهدد الأمن الوطني الروسي، وهو أمر محفوف بظهور أنظمة صاروخية ضاربة بأقل وقت طيران إلى وسط روسيا وغيرها من الأسلحة المزعزعة للاستقرار. وقالت الوزارة إن مثل هذا السلوك غير المسؤول يخلق تهديدات غير مقبولة لأمن روسيا، ويثير مخاطر عسكرية خطيرة لجميع الأطراف المعنية، وصولا إلى صراع واسع النطاق في أوروبا.
ولهذا ربما تسعى موسكو للاتفاق على ان تكون أوكرانيا خارج التحالفات العسكرية ولن تشارك وبضمانات دولية مكتوبة وليست شفاهية، في خطط الغرب العدوانية الهادفة لعرقلة روسيا عن مواصلة تطويرها ونهوضها الاقتصادي والعلمي التقني، والحفاظ على مواقعها التقليدية ومناطق نفوذها الحيوية. ويرى الغرب، كما كتب زيغينو بريجينسكي في كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى» ان أوكرانيا في المواجهة مع روسيا، هي من الدول التي تستحق الدعم الجيوبوليتكي الأقوى من جانب أمريكا، موضحا «يعزز دور كييف الرأي القائل بان أوكرانيا هي الدولة الحاسمة فيما يتعلق بالتطور المستقبلي لروسيا».
فهل لدى روسيا فعلا خطة غزو واسعة النطاق لأوكرانيا، أم أنها بعض قصص الرعب المنتظمة التي يثيرها الغرب؟ وهناك سؤال للرد على ذلك: «لماذا يحتاج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغزو أوكرانيا؟» فالرئيس يؤكد أن منطقة دونباس، حيث تقع الجمهوريتان الانفصاليتان، جزء لا يتجزء من أوكرانيا. ويرى أن تسوية هذه المشكلة مرتبطة بالتنفيذ الثابت والكامل لاتفاقيات مينسك التي ترسم خطوات التسوية. وتدعو موسكو كل من ألمانيا وفرنسا إلى استثمار علاقاتهما بأوكرانيا للتأثير على كييف حتى تبدأ المفاوضات مع ممثلي دانسك ولوغانسك.
الخطوط الحمراء
وثمة مؤشرات على انخفاض حدة التوتر بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة، وان واشنطن أخذت مأخذ الجد «الخطوط الحمراء» التي أعلنتها روسيا فيما يتعلق بأمنها، وبعد المحادثات التي أجراها عن بعد مع نظيره الروسي بوتين في 7 كانون الأول/ديسمبر الحالي اقترح الرئيس الأمريكي جون بايدن نفسه، الذي قال سابقا بانه لا يعترف بتلك الخطوط، إنشاء مجموعة مشتركة من ممثلي الدولتين لدراسة مخاوف روسيا بشأن تقدم الناتو شرقاً. كما أفادت معلومات بأن الولايات المتحدة جمدت مؤقتا المساعدات العسكرية لأوكرانيا ودعت كييف إلى منح الجمهوريتين الانفصاليتين بعض الحقوق المدنية، والالتزام باتفاقية مينسك التي هي بمثابة طريق لتسوية النزاع في شرق البلاد.
بدوره صعد الاتحاد الأوروبي من خطابة إزاء روسيا. وفي هذا السياق تبنى أعضاء البرلمان الأوروبي في 16 كانون الأول/ديسمبر بأغلبية أصوات قرارا بشأن الوضع على حدود أوكرانيا، بما في ذلك دعوة للتحضير لفرض عقوبات جديدة على روسيا في حالة تصعيد الصراع. ويشير القرار إلى أن الغزو المحتمل للقوات الروسية لأوكرانيا ستكون له عواقب اقتصادية وسياسية وخيمة على البلاد. وانقسم الاتحاد الأوروبي إلى معسكرين الأول يضم فرنسا وألمانيا ويدعو إلى التريث بفرض العقوبات حتى استنفاد القدرات الدبلوماسية والآخر يحث على إطلاق عقوبات شديدة بحق روسيا لمنع هجومها المزعوم على أوكرانيا.