خفايا حرب الموانئ بين العراق والكويت

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”:بعيدا عن الزيارات والمجاملات الدبلوماسية بين مسؤولي العراق والكويت، يدور سباق محموم بين البلدين للسيطرة على منطقة شمال الخليج العربي ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، وسط ضجيج البناء المتسارع لمينائي الفاو العراقي ومبارك الكويتي.

وحفل المشهد العراقي هذه الأيام بتطورات متسارعة متعلقة بمشروع ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق، حيث عاد هذا الموضوع إلى الواجهة مجددا، بعد زيارة رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي إلى الكويت وعقده مباحثات مع الجانب الكويتي حول العلاقات المشتركة، والتي أعقبها نشر مخاوف وتسريبات عن مساومات قوى سياسية عراقية فاسدة لتخريب المشروع الاستراتيجي أو تعطيله، خدمة لمصالح الكويت.

وقبل أيام وصل وزير النقل العراقي ناصر الشبلي، إلى مدينة البصرة أقصى جنوب العراق على رأس وفد حكومي وزار موقع مشروع ميناء الفاو الكبير للوقوف على آخر مراحل بنائه وتطورات المفاوضات مع شركة دايوو الكورية المكلفة بالمشروع، من أجل مواصلة العمل فيه وتجاوز المعوقات والعراقيل التي عطلت الاستمرار به. كما عقد الشبلي، اجتماعا مع شركة دايوو، لحثها على الإسراع في العمل، بعد ان شهد تأخيرا في مراحل إنجازه.

وقد أصدر الشبلي، بيانا، جاء فيه إن “ميناء الفاو من أهم مشاريع البنى التحتية في البلاد وسنزيل كل المعوقات أمام إنجازه” مشيرا إلى “ضرورة البدء بمرحلة البناء والتنفيذ لإكماله خلال المدة المحددة”. وحذر من أن “أي تلكؤ يحدث في التنفيذ سيؤدي إلى الانفتاح على شركات أخرى متخصصة لها باع طويل في تنفيذ المشاريع المشابهة”. وازاء مشكلة التمويل، أشار إلى أنه “إذا لم توفر الموازنات المقبلة المبالغ المطلوبة للمشروع فلدينا عروض القروض الصينية والكورية والأمريكية والفرنسية لإنجاز مشروع ميناء الفاو”.

وردا على انتشار شائعات واسعة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عقب زيارة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى الكويت، من ان الزيارة أسفرت عن اتفاق على أن يكون ميناء الفاو بمواصفات ضعيفة ومساحات قليلة تفقده قدرته التنافسية مع ميناء مبارك الكويتي، فقد أكد وزير النقل ناصر الشلبي أمام الصحافيين، أثناء زيارته ميناء الفاو، إن “إنشاء الميناء الكبير سيكون وفق مواصفات عالمية وسيغير خريطة النقل البحري الدولي” وأوضح أن “طريق الحرير لن يتم دون المرور بالعراق، لأنه نقطة القطع الاستراتيجية وصولا إلى شرق وغرب أوروبا”.

وكان ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي قد تداولوا فيلم فيديو لتصريحات مدير الشركة العامة للموانئ العراقية فرحان الفرطوسي قال فيها، “إن مساحة ميناء الفاو سيتم تقليصها، وان عمقه سيتم تقليله من 19 إلى 16 مترا، إضافة إلى تقليل كلفة عقد البناء من 4 مليارات دولار إلى أقل من 2.5 مليار دولار”. ويتخوف المراقبون من ان تغيير مواصفات بناء الميناء قد تفقده قدرته التنافسية مع موانئ المنطقة عموما وميناء مبارك الكويتي خصوصا.

  ويذكر أن ميناء الفاو الجديد، من المقرر إكمال انشاءه في عام 2024 وسيحتوي على 90 رصيفاً مخصصاً للسلع التجارية، بالإضافة إلى ستة أرصفة للنفط وتصل طاقته الإجمالية إلى حوالي 25 مليون حاوية، وهو سيسمح للسفن الكبيرة بالقدوم إلى الميناء مباشرة من دون المرور بدول أخرى لتفريغ حمولتها، مما سيعود بفوائد كبيرة على البلاد. وقد حصل كاسر الأمواج الغربي الكبير بميناء الفاو، مؤخرا على شهادة من موسوعة غينيس باعتباره الأطول في العالم، حيث يبلغ طوله نحو 15 كيلومترا وكلف بناءه 591 مليون دولار.

الاعتراضات على تعطيل المشروع

وتسابق العديد من السياسيين والقطاعات الاقتصادية والشعبية في حملة انتقادات لتعطيل تنفيذ هذا المشروع الحيوي والتشكيك بنوايا مبيتة لإفشاله.

ففي حراك نيابي لدعم مشروع ميناء الفاو، قدمت لجنة النزاهة النيابية قبل أيام، مشروع قانون، بعنوان “رسم الحملة الوطنية لبناء ميناء الفاو الكبير” ينص على فرض رسم طابع بمبلغ ألف دينار على كافة المعاملات في الدوائر الحكومية، وذلك بهدف جمع مبلغ لإكمال بناء ميناء الفاو إضافة إلى المبالغ المخصصة من الحكومة لهذا الغرض. فيما أعربت لجنة الخدمات النيابية، عن استغرابها من التأخير المستمر في تنفيذ مشروع الميناء، مشددة على ضرورة عدم التلاعب بالتصاميم الأولية له.

النائبة عالية نصيف، طالبت بدورها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والمرجعية الدينية بالتدخل وإيقاف التفاوض مع شركة دايو الكورية لحين الاتفاق على الإبقاء على مواصفات ميناء الفاو السابقة.

وتساءلت نصيف، في مؤتمر صحافي، “من الذي خوّل لجان التفاوض على تخفيض أعماق ميناء الفاو إلى 14 متراً؟ وما الفائدة من الميناء إذا كانت السفن القادمة لا يمكن أن ترسو إلا في عمق 19-24 متراً؟” مبينة “أن هناك محاولات من قبل بعض (الخونة) في لجان التفاوض لجعل أعماق الميناء 14 مترا.

وأوضحت، أن “تقليل قيمة العقد من أربعة مليارات دولار إلى مليارين ونصف أمر جيد وتوفير للنفقات، ولكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب المواصفات” مشددة على أن “القضية في غاية الأهمية والخطورة، ويجب أن يتدخل الجميع للحيلولة دون إبرام هذا العقد بهذا العمق القليل” وهددت نصيف بـ”كشف أسماء الخونة والمرتشين والمتواطئين مع الكويت، ومحاكمتهم بتهمة الخيانة” حسب قولها.
وسبق للنائبة عالية نصيف، أن طلبت في بيان، من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، رفع دعاوى قضائية في المحاكم الدولية ضد الكويت “لتجاوزها على حدود العراق البرية والبحرية ونهب ثرواته” وقالت “سبق وأن حذرنا من قيام الكويت بإنشاء ميناء مبارك الذي تهدف من خلاله إلى تدمير اقتصاد العراق، كما نبهنا إلى المخطط الخطير الذي تقوده الكويت وبعض الخونة الذين كانوا مرتزقة ومحامين لها وأخذوا على عاتقهم التنفيذ الأعمى للقرارات الدولية”. كما أعلنت نصيف، جمع تواقيع 100 من النواب لغرض إلغاء اتفاقية خور عبدالله بين العراق والكويت، كونها تلحق أضرارا بالغة بالعراق.

واتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله هي اتفاقية حدودية بين العراق والكويت، صادقت عليها حكومة بغداد عام 2013 بحجة انها تنفيذ للقرار رقم 833 الذي أصدره مجلس الأمن في عام 1993 بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990.

وأدت هذه الاتفاقية إلى تقسيم خور عبد الله بين البلدين، والواقع في أقصى شمال الخليج العربي بين شبه جزيرة الفاو العراقية وكل من جزيرتيّ بوبيان ووربة الكويتيتين، مما أثار جدلاً كبيرًا في العراق، حيث رأى فريق من السياسيين العراقيين أن رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي والبرلمان العراقي قد تنازلا عن جزء من خور عبد الله، وهو الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، وأن التقسيم اقتطع أجزاء من الأراضي والمياه العراقية لصالح الكويت.

وفي السياق حذر القاضي والنائب السابق عن البصرة وائل عبد اللطيف، من أن “ان جهات خارجية تمنع العراق من إكمال مشروع ميناء الفاو”.
وقال عبد اللطيف في تصريح تلفزيوني، إن “ميناء مبارك الكويتي يخالف كل اتفاقيات البحار والبلدان المتشاطئة” محملا وزارة الخارجية العراقية مسؤولية فشلها في التفاوض مع الكويت، وعدم وجود لجنة تفاوض دائمة، وقال “تم استبعادي لأكثر من مرة من لجان التفاوض لأنني كنت معارضا لميناء مبارك”.

ووصف عبد اللطيف “مؤتمر الكويت للمانحين” بأنه “أكبر كذبة في تاريخ العراق، وان “العراق دفع خلاله ثمنا كبيرا”. وذكر أن الجانب الكويتي أقام ذلك المؤتمر لأخذ مقابل كبير فيه، مؤكدا أن “العراق انخدع بمؤتمر الكويت للمانحين، وانه لم يحصل على دينار واحد منه” مشيرا إلى ان “الكويت ومن خلال المؤتمر أخذت آخر تواقيع خط الخرائط بين العراق والكويت وأودعتها في الأمم المتحدة لتثبيت ما استولت عليه من أراض عراقية” حسب قوله.

مواقف

وبالرغم من المجاملات الإعلامية والدبلوماسية وتبادل الزيارات، إلا أنهمن الواضح أن سياسة حكومة الكويت، وخاصة منذ احتلال العراق للكويت عام 1990 وحتى بعد غزو العراق وتغيير النظام فيه عام 2003 ما زالت تتمسك برغبة الانتقام من العراق والتخطيط لمحاصرته وخنقه اقتصاديا في الخليج العربي الذي يعد المنفذ المائي الوحيد للعراق نحو العالم.

وتتركز مبادئ السياسة الكويتية الحالية على عدة جوانب منها الإصرار على مواصلة استحصال التعويضات المالية التي أقرها مجلس الأمن الدولي بدفع من الولايات المتحدة على العراق لغزوه الكويت، رغم كونها مبالغا فيها وفاقت الخسائر الحقيقية للكويت، حيث فرضت لجنة التعويضات الأممية على العراق دفع 52.5 مليار دولار، استلمت الكويت معظمها وبقي نحو 4 مليارات فقط.

وقد استغلت الكويت قرارات مجلس الأمن الخاصة بالغزو من أجل انتزاع المزيد من الأراضي والمساحات المائية والحقول النفطية المشتركة بين البلدين، مستفيدة من الثغرات القانونية في القرارات الدولية والاحتلال الأمريكي للعراق وضعف حكومات بغداد وتفشي الرشى بين مسؤوليها. ويرى عراقيون أن بناء ميناء مبارك على خور عبد الله، رغم وجود مساحات واسعة للكويت على الخليج، يهدف إلى خنق العراق وانتزاع مساحات مائية كبيرة منه وحصر التجارة العالمية في المنطقة بالكويت، بالتزامن مع عرقلة إكمال بناء ميناء الفاو العراقي قدر المستطاع، عبر وسائل وأدوات محلية وخارجية.

ولأن قضية ترسيم الحدود بين العراق والكويت وعقد اتفاقية خور عبد الله وميناء الفاو، لا يمكن ان تكون بعيدة عن الفساد والرشى المتفشية في حكومات العراق، فقد اعترف هوشيار زيباري وزير الخارجية الأسبق في حكومة نوري المالكي، في جلسة أمام مجلس النواب، بأنه وزميله وزير النقل آنذاك هادي العامري (الذي وقع اتفاقية خور عبد الله) ومسؤولين آخرين ضمن الوفد العراقي المفاوض مع الجانب الكويتي، قد تلقوا هدايا أمير الكويت أثناء تواجدهم فيها خلال جولة مفاوضات على قضايا حدودية.

وفي الختام، يبدو ان حكومة الكويت لا تريد ان تستوعب دروس التاريخ في علاقتها مع العراق، ولا تنوي فتح صفحة جديدة من علاقات حسن الجوار والمصالح المشتركة. وكان سلوكا بعيدا عن الحكمة عندما لجأت حكومة الكويت إلى أساليب تقديم الرشى لمسؤولين عراقيين فاسدين وزائلين واستغلال الظروف المحلية والدولية لانتزاع امتيازات من العراق عبر الاستيلاء على أراضي ومياه وحقول نفط وغاز ومزارع عراقية بدون وجه حق.

كما ان حكومة الكويت تتغافل عن حقيقة ان عواقب احتلال العراق للكويت قد يأتي يوم وتنطبق عليها لأنها جعلت من أرضها منطلقا لقوات الاحتلال الأمريكي البريطاني عند غزوها العراق عام 2003 من دون تفويض من الأمم المتحدة، وبالتالي فإنها قانونيا، تتحمل مع الولايات المتحدة نتائج كل الخراب والدمار الذي لحق بالعراق نتيجة الغزو. فيما يبدو أن السلوك العدائي بين جارين ستكون له تداعياته السلبية ليس الآن فقط بل في المستقبل أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية