خفايا لغة التهديد بين حكومة نتنياهو وحماس… الجيش الإسرائيلي يستخف برجال الدين في احتفال الغطاس

حجم الخط
1

في حماس انتظروا هذه اللحظة بشوق، فالـ 15 مليون دولار القطري كان يفترض أن ترسل من إسرائيل يوم الأربعاء، ولكن الجهاد الإسلامي قرر تشويش الخطط. فقبل أقل من يوم من التحويلة البنكية التي أجرتها إسرائيل، أطلق الجهاد النار على ضابط من الجيش الإسرائيلي. ولشدة الحظ، أوقفت الخوذة الرصاصة.
وبالفعل، هذه هي غزة: لما كان الجهاد لم يوعد حتى ولا بدولار واحد من الملايين، فقد قرروا تفجير الصفقة. مثلما في الخاوة. لو قتل الضابط الإسرائيلي لكان الجيش الإسرائيلي خرج إلى حملة، وفي الجهاد ما كانوا ليذرفون دمعة، بل العكس، كانوا سيتباهون بالدرس الذي لقنوه لحماس، بل وبالخسارة التي ألحقوها بالإسرائيليين. العلاقات بين هذين الطرفين تشبه سياسة لجنة العمارة. في يوم ما تكون أنت في تحالف مع جارك، وفي الغداة تتنازع معه. هذا الأسبوع عربدت حماس على شقيقها الصغير، وفي الغداة خرجت معه إلى المعركة. كل نهاية أسبوع ورزمتها. هذا الصباح مشحون على نحو خاص. فقد قال اللواء احتياط ايتان دانغوت، المنسق السابق لأعمال الحكومة في المناطق، إن يحيى السنوار يمكنه أن يهز الساحة الإسرائيلية حتى أكثر من قاسم سليماني، فثمة حلول عسكرية لإسرائيل كثيرة ضد الضابط الإيراني، أما حماس، بالوسائل الأكثر تخلفاً، فقد نجحت في إقلاقنا على مدى نصف سنة على التوالي، ولم تهدأ إلا بعد أن تلقت المال. بالنسبة لهم، فإن الانتزاع من إسرائيل للتنازلات هو إنجاز بحد ذاته. فحتى وقت قصير مضى كانت إسرائيل ترى تقريباً في كل شيكل يدخل إلى هناك «أموال إرهاب». غير أن الإنجاز الاأكبر ليس المال.
قبل أسبوعين كتبت هنا عن «الكابنت الإسرائيلي» لحماس. بضع شخصيات أساسية في القيادة، يتكلمون العبرية ويتابعون بلغتنا. صالح العاروري، الرجل رقم اثنين في قيادة الحركة؛ حسام بدران، منسق الشؤون الخارجية الذي يعمل من قطر؛ رئيسا جهاز الأمن الوقائي، توفيق ابو نعيم، والسنوار نفسه. هذه العصبة وشركاؤها حللوا «دي ان ايه» نتنياهو ورجاله. فهم يعرفون أين وكيف يضغطون، ومتى يخففون. من يتابع في الأسابيع الأخيرة تصريحات رئيس الوزراء والوزراء المقربين له ـ يوآف غالنت، يريف لفين، تساحي هنغبي ـ سمع بين السطور نبرات مفاجئة. هذه ليست نهاية العالم، صدحت كلماتهم، إذا ما أدخل المال إلى القطاع. وأنا أضيف: استعدوا لما سيأتي.

عندما يستعرض الجيش الإسرائيلي التواجد

يوم الجمعة الماضي، جرى على نهر الأردن، شرق أريحا، احتفال الغطاس السنوي. آلاف الحجاج المسيحيين وصلوا إلى المكان الذي يسمى «قصر اليهود». وأدار البطريرك ثيوفيلوس، رئيس كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس، الاحتفال وفقاً لقواعد التقاليد. ساعدت الإدارة المدنية في تهيئة طرق الوصول إلى المنطقة، ومنحت تراخيص دخول إلى إسرائيل للكثيرين من الوافدين. ونشر منسق شؤون المناطق صوراً وثقت الحدث. وظهر في الصور البطريرك الموقر وإلى جانبه ضابطان من الجيش وشرطي من حرس الحدود.
معقول الافتراض بأن القساوسة كان يسعدهم لو أن لابسي البزات بقوا في البيت. الإدارة العسكرية هي صاحبة السيادة الرسمية من جانب دولة إسرائيل على الفلسطينيين في الضفة والقطاع. وظاهراً، من المنطقي أن يتواجد ممثلوها في الاحتفال. ولكن هذه القصة ليست خلافاً على المكانة القانونية للضابطين أو عن مسألة هل الجيش الإسرائيلي هو رب البيت القانوني أم جيش الاحتلال. هذا بحث في العلاقات. في رؤية الآخر، في الحساسية، وفي الاتصال بين الأقوياء والضعفاء. إذا كان رجال الكنيسة هم الذين دعوا لابسي البزات، فقد فعلوا ذلك لاضطرار الكياسة وليس برغبتهم الحرة. تصوروا احتفال رأس السنة في كنيس في القاهرة، وإلى جانب رئيس الجالية اليهودية المصرية، أو الحاخام الذي يأتي لإدارة الحدث، يقف ضابطان من الجيش المصري. كيف كانت هذه الصورة تستقبل لدى اليهود في أرجاء العالم؟
ليست هذه هي المرة الأولى التي تستخف فيها الإدارة المدنية بمكانة شخصيات ذات موقف حساس. فقبل سنتين ونصف جاء المغني التونسي صابر الرباعي ليقدم عرضاً في مدينة روابي الجديدة. ضابط الارتباط الذي التقاه في معبر الحدود في الأردن التقط صورة له معه بود. ورفعت الصورة إلى صفحة «فيسبوك» لمنسق أعمال الحكومة في المناطق. وانتشرت في العالم العربي ووضعت المغني في ضوء محرج. ودافع المغني عن نفسه باعتذار قائلاً: «لقد تحدث العربية، واعتقدت أنه عربي».
قبل سنة ونصف، هدد منسق أعمال الحكومة في حينه، اللواء يوآف مردخاي، بفرض الظلام على غزة. وقبل أربعة أشهر هدد خليفته، كميل أبو الركن، بتقليص مجال الصيد في شواطئ غزة. العنوان للتهديدات هي قيادة حماس، ولكن المتضرر الفوري هم السكان. هؤلاء السكان هم أسرى لدى زعمائهم، وفي قيادة الجيش الإسرائيلي يعرفون ذلك. وتستهدف هذه التهديدات تشديد الضغط على حماس، وهي جزء من اللعبة المتوترة في الواقع السائد في القطاع. والسؤال هو لماذا انطلقت بالذات على لسان الحاكم العسكري للمناطق. هناك جهات أخرى مخولة بذلك.. الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي مثلاً، وزارة الدفاع، بل وحتى وزارة الخارجية أو ديوان رئيس الوزراء. إن استخدام منسق أعمال الحكومة في المناطق الذي وظيفته الأساسية هي الحرص على الفلسطينيين والإحسان إليهم، مس بقوة صلاحياته على السكان المؤتمن عليهم.
كل حدث كهذا يذكر الفلسطينيين من هو المسيطر ومن هو المسيطر عليه. صحيح أن الأخيرين يتضررون، ولكن إسرائيل تفوت النقاط. وهي تفقد الفرصة لأن تبني حيال الفلسطينيين ذراعاً نقية تكون عنواناً بالنسبة إليهم، ويطور معهم علاقات تبادل وثيقة. مثل هذه العلاقات كفيلة بأن تكون تحت تصرف الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن، في الأيام العادية وفي ساعة الضائقة. في حالة البطريرك ثيوفيلوس كان يجدر إبداء حساسية خاصة. رئيس كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس يعاني من صورة متهالكة لدى الجمهور الفلسطيني كعميل لبيع الأراضي لليهود. ونشر الصورة يعزز صورته السلبية. خير أن الاثنين لم يتصورا سلفي معهم.

جاكي خوجي
معاريف 25/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية