لقي تصريح منسق الشؤون الإنسانية الإقليمي للأمم المتحدة في سوريا بانوس موتسيس، حول مشاركة الأمم المتحدة إحداثيات مواقع إنسانية مع روسيا، انتقادا واسعاً من المعارضة السورية والنشطاء. وقال المنسق الأممي إن المنظمة الدولية شاركت 235 موقعا محمياً بما في ذلك المشافي والمدارس مع روسيا وتركيا والتحالف الدولي خوفا من هجوم عسكري محتمل على محافظة إدلب.
ويعتبر التصريح بمثابة تحذير لروسيا وحلفائها وتحميلهم المسؤولية عن قصف المشافي والمدارس التي حصلت في الهجوم وتركزت على مشفى كفرزيتا الميداني في ريف حماة الشمالي، وثلاث مدارس في منطقة خان شيخون جنوبي إدلب.
المفاجئ في الأمر، كان رد فعل المعارضة السورية، وعدم اطلاعها على العمل بـ«آلية مشاركة الإحداثيات» التي أقرتها الأمم المتحدة وبدأت العمل بها منذ العام 2014 والتي تعنى ببلدان النزاع، وتتركز جهودها على العمل في سوريا والعراق واليمن وباكستان في منطقة الشرق الأوسط.
وفتحت الآلية تحقيقا في 127 هجوما على مواقع طبية وإنسانية في سوريا منذ إقرار الآلية قبل أربع سنوات، فيما فتحت ثمانية تحقيقات مشابهة فقط في اليمن منذ بدء الحرب فيها وعدد قريب من ذلك في أفغانستان. وأكد مدير صحة إدلب الحرة، الدكتور منذر خليل، لـ«القدس العربي» أن كل مستشفيات إدلب تعرضت للقصف المباشر دون استثناء، وأضاف أن «عدد المشافي والمراكز الطبية في إدلب بلغ 50 لم يسلم أي منها من القصف مطلقا» وعلق: «نحن كمديرية صحة لم نشارك إحداثيات المراكز الطبية مع أحد، وتركنا القرار للمنظمات الداعمة والكوادر في المستشفيات نفسها، بعضها شارك الإحداثيات وبعضها الآخر لم يشارك». وعن رأيه بموضوع مشاركة الإحداثيات قال: «مشاركة الإحداثيات تقيم الحجة على المنظمة الدولية في تحمل مسؤولياتها، بينما تبقى النقاط الطبية التي لم تشارك إحداثياتها خارج إطار المتابعة الأممية، وتعطي حجة للروس والنظام انهم لا يعلمون ان النقطة المستهدفة هي ضمن إطار الآلية الدولية». في السياق، قال مسؤول المناصرة في الجمعية الطبية السورية الأمريكية، الدكتور محمد كتوب، إن منظمته وحدها سجلت أربع شكاوى للآلية الأممية، أبرزها كان خلال الهجوم على الغوطة الشرقية عندما استهدف الطيران الروسي «مشفى عربية» و«مشفى التوليد» في نيسان/أبريل الماضي خلال الهجوم الأخير. وأضاف: «سجلنا الهجوم على مشفى كفر زيتا وقمنا بتوثيق ما طلبته الآلية الدولية».
ونوه في تصريح لـ«القدس العربي» إلى أن «الآلية تبدي عجزها وهي ليست عاجزة، وعلى الأمم المتحدة الضغط إعلاميا وسياسيا في حال تكرر الاستهداف» وطالب محققو آلية مشاركة الإحداثيات باستمرار التحقيقات والكشف عنها في الجلسات الخاصة بمجس الأمن المتعلقة في سوريا.
وأكد مدير تربية إدلب الحرة، ياسين الياسين، استهداف النظام السوري لتجمع مدارس بلدة حيش في ريف إدلب الجنوبي، ومدرستين في بلدة درجناز في ريف إدلب الشرقي، وأدى القصف بالقنابل العنقودية إلى إصابة عدد من الطلاب والحق أضرارا في البناء. وأفاد أن «عدد المدارس في محافظة إدلب هو 1437 استهدف النظام 550 منها وقمنا بإعادة تأهيل 250 مدرسة فيما خرجت قرابة 300 مدرسة عن الخدمة بسبب الدمار الكلي أو الجزئي».
وحصلت «القدس العربي» على نسختي التوثيق قدمهما مدير تربية إدلب الحرة إلى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وتعطي الوثيقتان شرحا مفصلاً عن ساعة وتاريخ استهداف المدارس، وشكل القصف ونوع القذائف.
وعلمت «القدس العربي» أن مديرية تربية إدلب وثقت قرابة 46 قصفا على المدارس من خلال الاستهداف المباشر بالطيران الحربي أو القصف المدفعي لقوات النظام والطيران الروسي.
الخوذ البيضاء لم تشارك الإحداثيات
على صعيد آخر، نفى قائد الدفاع المدني السوري، «الخوذ البيضاء»، رائد الصالح، أن تكون منظمته قد شاركت أيا من مواقع مراكزها مع الأمم المتحدة، وقال لـ«القدس العربي»: «نحن نخشى مشاركة مواقعنا مع روسيا بسبب استهدافها بشكل مباشر من قبل الطيران الروسي، والمشاركة تعرض متطوعينا وآلياتنا إلى القصف المركز». وعلل ذلك «بغياب آلية دولية واضحة لحماية المستشفيات والمراكز، ولو وجدت لما اضطررنا لبناء المشافي تحت الأرض أساساً»، معتبرا «اعطاء الإحداثيات يسهل عملية القصف على المراكز».
من ناحية قانونية، فان قصف المراكز الإنسانية هو جريمة حرب حسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي أوضحته المادة الثامنة، ويشمل المستشفيات والمدارس والمستودعات الإنسانية وسيارات الإسعاف، والمراكز التعليمية والدينية.
وتعتبر مشاركة إحداثيات المراكز الإنسانية مع الأمم المتحدة وأطراف النزاع بمثابة قرينة جرمية على التعمد بارتكاب الجريمة، فالنظامان السوري والروسي يعلمان عبر القنوات الأممية الرسمية أن هذه المواقع هي إنسانية يجب تجنبها قبل أي عملية عسكرية، الأمر الذي يوثق القصدية في ارتكاب أي مجزرة وينفي نسبة الخطأ ولا يكفي الاعتذار عنها في حال من الأحوال.
في المقابل، تدرك روسيا غياب أي آلية محاسبة عبر قنوات المحاكم الدولية، فموضوع الانتهاكات وجرائم الحرب يدخل في إطار المساومات السياسية والصمت المتبادل للدول الكبرى عن جرائم الآخرين، فكل الدول الكبرى تورطت في جرائم حروب في المعارك التي حصلت في أفغانستان والعراق واليمن وسوريا. وفتح أي ملف ضد دولة ما، سيحرك مجموعة قضايا لا ترغب أي من تلك الدول في مواجهتها، لذلك تفضل الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا الصمت عن الجرائم الروسية تجنبا لفتح تحقيقات مشابهة لها، خصوصا تلك المتعلقة بالغزو الأمريكي للعراق وجرائم الحرب التي حصلت هناك خلال تواجد قوات التحالف الدولي.