خلاف أم تبادل أدوار: نتنياهو يرسل عربات داوود إلى غزة وترامب ينسى الفلسطينيين في بحثه عن الثراء والعقود

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

من المؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نسي غزة في جولته المهمة للشرق الأوسط وأعاد فيها ضبط العلاقة الأمريكية مع المنطقة، على الأقل مع دول الخليج.
فمحور الزيارة كانت السعودية وقطر والإمارات التي تعهدت كل واحدة منهما باستثمار مليار الدولارات في الولايات المتحدة ووقعت صفقات أسلحة وتكنولوجيا متقدمة، أما الحرب في غزة والقتل الطقسي والدم النازف هناك فلم يكن يشكل أهمية في هذه الرحلة التي ركزت على التجارة والتبشير بعصر ذهبي لأمريكا أولا التي يؤمن بها الرئيس وأتباعه.
وفي البداية يبدو خطابه في العاصمة السعودية في الرياض وكأنه تذكير بخطاب البداية الأولى التي بشر بها سلفه باراك أوباما، ففي خطابه الذي ألقاه بجامعة القاهرة عام 2009، بشر أوباما فيه بعلاقة جديدة مع العالم العربي والإسلامي وقال فيه كلاما جيداعن فلسطين والقضية الفلسطينية، وهو ما أغضب إسرائيل في حينه.
ولكن ترامب لم يكن مهتما إلا بقدر بما يجري في غزة، فهو الرئيس الأمريكي الثاني بعد جو بايدن يزور منطقة مشتعلة بالحروب، واختار مثل سلفه ألا يفعل شيئا. بل على العكس قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأكيد لضيف الخليج بأنه قادر على إكمال المهمة، وهي العبارة التي تتردد كثيرا في كلامه. ولا نعرف ما يعني بإنهاء المهمة، كما لم نعرف معنى شعاره «النصر الكامل» ضد حماس الذي ظل يردده طوال عام ونصف.

ترامب المتواطئ

وفي وسط الحفاوة بترامب في عواصم الخليج، قرر ترامب أن يرسل عرباته التوراتية «عربات داوود» ضد أناس عزل أنهكهم الجوع والرحيل والموت، فماذا يعني أن يقتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 250 فلسطينيا على مدار يومين وفي ظل وجود أعظم رئيس دولة في العالم بالمنطقة؟ لا حاجة لتفسير الوضع، فمن الواضح أن إدارة ترامب أعطت نتنياهو الضوء الأخضر لمواصلة المهمة حتى النهاية، تماما كما فعلت الإدارات الديمقراطية في فيتنام والتي انتهت بانسحاب مهين للولايات المتحدة. ولا نحتاج اليوم ونحن نستعيد أصداء تلك الحرب للقول إن أمريكا «انتصرت» في كل معركة على الفيتت كونغ ولكنها خسرت الحرب. لكن نتنياهو يرفض الاعتراف بأنه خسر الحرب في غزة. وقبل مغادرته المنطقة، تحدث ترامب عن معاناة وجوع أهل غزة، وقال إنه سيفعل أمرا حيال هذا. وسينسى ترامب كلامه فهو غير قادر على حل أي مشكلة مستعصية، وخاصة الأزمة في غزة التي تشرف عليها أهم حليفة له بالمنطقة. وقد أكدت مجلة «إيكونوميست» (14/5/2025) أن الرئيس ترامب يشعل الأزمات ويصدر التهديدات وعلى أكثر من جبهة ثم يتنازل ويدعو إلى التحاور والتنازل وتغليب المصلحة المشتركة، وقد ينجح بعقد صفقات لكنها ناقصة تتجاهل المسائل الجوهرية. والأمثلة واضحة من أوكرانيا إلى الصين والناتو وغزة التي طلب وقف إطلاق للنار فيها لم يستمر سوى 56 يوما، ولكنه لم يقل شيئا عندما خرقته إسرائيل واستأنفت الحرب من جديد. وإلا فما معنى أن يكون يوم الأربعاء إلى الجمعة من أكثر الأيام دموية على غزة، منذ قرر نتنياهو العودة إلى الحرب واحتلال القطاع ودفع الفلسطينيين نحو اليأس والهجرة؟

صمت الرئيس

ووسط الضجيج الذي أحدثه الإعلام الأمريكي والإسرائيلي حول استبعاد إسرائيل من جولة ترامب، والتقارير التي لم تتوقف عن العلاقة المتوترة بينه ونتنياهو، فالحقيقة أن اليمين المتطرف في إسرائيل والداعي لمواصلة الحرب وحتى تدمير كامل غزة، كما قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لم يكن يريد من الرئيس أكثر من الصمت على الجريمة. وقال أستاذ العلاقات الدولية والزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، يوسي ميكلبيرغ بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» (15/5/2025) إن نتنياهو لم ينتظر حتى نهاية رحلة الرئيس ترامب في المنطقة، فبينما جرت مفاوضات بمشاركة الأمريكيين هذا الأسبوع في قطر بشأن إطلاق سراح من تبقى من الأسرى، رأت إسرائيل أيضا أنه من المناسب تنفيذ محاولة اغتيال لزعيم حماس، محمد السنوار، بغارة قتلت العشرات تلتها غارات جوية مكثفة على القطاع. وبينما لم يتأكد مصير السنوار بعد، فإن وقوع كل هذا أثناء وجود الرئيس الأمريكي في المنطقة يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية عازمة على «إنهاء المهمة» هناك. وتتجاوز الخطة العسكرية الإسرائيلية الجديدة، التي تم الاتفاق عليها تحت ضغط هائل من قبل أكثر أعضاء اليمين تطرفا في الائتلاف الحكومي «هزيمة حماس» وتعبر عن القليل من الاهتمام بمصير الأسرى المتبقين. بدلا من ذلك، تهدف إلى احتلال كامل الأراضي في القطاع إلى أجل غير مسمى. وبينما يحاول نتنياهو تجميل النوايا الحقيقية للمرحلة التالية من الحرب بأسباب أمنية وحجج إنسانية زائفة مفادها أن سكان غزة سيتم نقلهم «لحمايتهم»، كشف وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، وهو مستوطن مسياني يميني، عن اللعبة. اقترح سموتريتش أنه في غضون نصف عام، سينحصر سكان غزة في مساحة ضيقة من الأرض، مع «تدمير» ما تبقى من الأراضي بالكامل. نتيجة لذلك، سيبحثون عن توطين جديد لبدء حياة جديدة في أماكن أخرى. بعبارة أخرى، الخطة هي تهجير قسري. وفي الماضي، عندما كانت هذه العناصر السياسية على هامش المجتمع والسياسة الإسرائيليين، كان من الممكن رفض هذه الدعوات، التي ترقى إلى جرائم حرب، باعتبارها مجرد ديماغوجية يمينية متطرفة. لم يعد هذا هو الحال عندما يشغل أولئك الذين يمثلون هذه الأفكار البغيضة مناصب رئيسية في الحكومة. والأسوأ من ذلك، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتمد عليهم كليا للبقاء في السلطة حتى الانتخابات القادمة، وتمكينه بالتالي تمكينه أيضا من عرقلة محاكمته بتهم الفساد، وخاصة وأنها وصلت إلى مرحلة غير سارة للغاية حيث سيخضع للاستجواب من قبل الادعاء.
ويمنح نتنياهو اليمين المتطرف ما يريدونه لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف انتخابات عامة جديدة (وهو ما يتوق إليه معظم الإسرائيليين)، ناهيك عن احتمال تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في الفشل الذريع في هجوم حماس في 7 أكتوبر.. لذا، يشعر نتنياهو بأنه مجبر على التمسك بالائتلاف الحالي، والرضوخ لمطالبهم، مهما كانت مدمرة وإجرامية. ويدفع الفلسطينيون بالدرجة الأولى ثمن حرص نتنياهو على التمسك بالسلطة بأي ثمن، لكن شعبه يدفع أيضا. فقد منعت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة منذ أسابيع، وتحذر منظمات الإغاثة باستمرار من المجاعة، ونقص المساعدة الطبية، لا سيما مع قصف المستشفيات، وتناقص فرص الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي.
لكن وقف الحرب ليس في ذهن الرئيس الأمريكي، واختار عدم استعراض عضلاته، والنتيجة هذه المرة ستكون المزيد من سفك الدماء والتشريد وسلب ممتلكات الفلسطينيين في غزة، وعلى نطاق أسوأ من ذي قبل. وسيكتشف الرئيس ترامب الذي اكتفى بتكرار خطابه الغريب عن تحويل غزة إلى «منطقة حرة»، أنه منح إسرائيل الدفعة بمواصلة الحرب حتى النهاية، وبدون معرفة بالنتائج والتداعيات. وقال للصحافيين: «لقد كانت غزة أرض موت ودمار لسنوات عديدة» و«لدي أفكار جيدة جدا بشأن غزة، تحويلها إلى منطقة حرة. فلتتدخل الولايات المتحدة وتجعلها منطقةً حرة فقط». وهي تصريحات لا معنى لها وسط تصاعد الشجب العالمي ضد إسرائيل حتى في الدول التقليدية التي دعمتها، باستثناء بريطانيا التي تواصل حكومتها الصمت حيال ما يجري في غزة، وأسكتها ترامب باتفاقية تجارة ضعيفة. وتساءلت ياسمين أحمد مديرة أمنستي انترناشونال بمقال في صحيفة «الغارديان» (12/5/2025) إن كانت بريطانيا تخرق القانون الدولي ترضية لترامب. وعلقت على دعوى قدمتها جماعات حقوقية فلسطينية للمحكمة العليا تتهم بريطانيا بخرق القانون الدولي، لمواصلتها إرسال الدعم العسكري لإسرائيل.

علاقة متينة

ومهما قيل عن توتر العلاقة بين ترامب ونتنياهو، فمن المؤكد كما قالت إيما أشفورد في مجلة «فورين بوليسي» (14/5/2025) فإن الأمر الوحيد المؤكد أكثر من شروق الشمس من الشرق وغروبها في الغرب هو أن الرئيس الجمهوري سيدعم إسرائيل دائما، وأن الرؤساء الديمقراطيين سيفعلون الشيء نفسه إلى حد كبير، بينما يلامون على عكس ذلك. ورغم عدم زيارة ترامب إسرائيل في الجولة الأخيرة، إلا أن ترامب ليس على وشك الانفصال تماما عن إسرائيل، وما يبدو جليا بشكل متزايد من سلوكه أن شعار «أمريكا أولا» قد لا يشمل استثناء لإسرائيل في النهاية. ولا يمكن للواحد، إلا أن يتوقع سياسة مؤيدة بشدة لإسرائيل من هذه الإدارة. ففي نهاية المطاف، خلال فترة ولاية ترامب الأولى، عمل صهره جاريد كوشنر (الذي كان والده صديقا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو)، وكبار المانحين المؤيدين لإسرائيل مثل شيلدون أديلسون، وزمرة قوية من المستشارين المؤيدين لإسرائيل داخل البيت الأبيض (جون بولتون) وفي الكابيتول هيل (السيناتور ليندسي غراهام) على تأكيد الدعم لنتنياهو وتلبية طموحاته، فقد ألغى ترامب خطة العمل الشاملة المشتركة، وفرض عقوبات «الضغط الأقصى»، بل وزاد الضغط العسكري على إيران.
وعلى المستوى الدبلوماسي، نقل ترامب السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، بينما ساعدت اتفاقيات إبراهيم بين دول الخليج وإسرائيل على إخراج تعاونهما الناشئ ضد إيران من الظل. لم يكن من الممكن أن تكون الأمور أفضل بالنسبة لإسرائيل، ولهذا السبب كان الافتراض السائد بين معظم مراقبي السياسة الخارجية خلال الحملة الرئاسية هو أن ترامب سيكون داعما لإسرائيل بدون أدنى شك إذا أعيد انتخابه. ويبدو أن انتقال ترامب للسلطة، بتعيين صقور جمهوريين مؤيدين لإسرائيل مثل مايك هاكابي وماركو روبيو ووالتز، قد أثبت صحة هذا الافتراض. وأشارت أشفورد إلى أن الخلافات في المواقف بين ترامب ونتنياهو لا تعني بالضرورة أنه على حافة قطع العلاقة، كما بدا في التقارير الكثيرة التي تحدثت شق واسع.
ففي موضوع إيران، كانت الفجوة بينهما أوسع. وخلال فترة ولاية ترامب الأولى، كان هو وفريقه متفقين إلى حد كبير على سياسة إيران، حيث كثفوا الضغط ودرسوا الخيارات العسكرية. ومع ذلك، من الواضح أن الرئيس والمحيطين به يشعرون الآن أن هذا لم يحقق النتائج المرجوة. فبدلا من ممارسة أقصى قدر من الضغط، تنتهج الإدارة هذه المرة أسلوب إبرام الصفقات بهدف بدء المفاوضات. وبالنظر إلى افتراض ما قبل الانتخابات بدعم غير مشروط لإسرائيل، يبدو ترامب مترددا بشكل مفاجئ في بعض أولويات نتنياهو الأمنية الأساسية.
ومن المهم عدم المبالغة في تفسير هذا التحول. فقد واصلت إدارة ترامب بيع الأسلحة لإسرائيل لاستخدامها في غزة، ولم تبذل سوى جهود ضئيلة نسبيا للضغط على الإسرائيليين في مسائل تتعلق بالاحتياجات الإنسانية أو وصول وكالات الإغاثة. وعلى الصعيد الداخلي، استخدمت الإدارة قانون الهجرة كسلاح ضد المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، حيث سجنت العديد من الطلاب الأجانب لمشاركتهم في احتجاجات جامعية، وألمحت في المحكمة إلى أن دعم غزة يساوي دعم حماس. وحتى أن ترامب نفسه أعرب عن دعمه للتهجير المتعمد للفلسطينيين من قطاع غزة، وهو أحد أكثر الإجراءات المروعة التي اقترحتها عناصر من الحكومة الإسرائيلية. وهو اقتراح وإن جاء بلمسة «ترامبية»، فيديو وتمثال ذهبي وراقصات شرقيات إلا أن التهجير المتعمد للمدنيين من منطقة صراع لا يزال جريمة حرب بموجب القوانين الدولية المقبولة على نطاق واسع.
وعلينا هنا أن نفهم أن أي خلاف لا يعني التخلي الأمريكي عن إسرائيل، ففي النهاية تنتشر اللوحات الإعلانية في شوارع إسرائيل والتي تقول إن ترامب هو أعظم رئيس خدم إسرائيل في تاريخها. وما يبدو تناقضا في المواقف نابع من التركيز على الأهداف والأولويات. فنهج ترامب تجاه إسرائيل يعمل على محور تحليل مختلف تماما عن معظم نقاشات السياسة الخارجية الأمريكية. فهو لا يدعم إسرائيل بشكل مطلق، ولا يهتم أيضا بالقضايا الإنسانية ومسألة الحقوق الفلسطينية. وما يبدو بالفعل هو أنه يفي بشعار حملته: سياسة «أمريكا أولا» التي تعطي الأولوية للمصالح الأمريكية.
وترامب لا يعارض ما تفعله إسرائيل في غزة، وقد أوضح أنه لن يضغط على إسرائيل لوقف الحرب، خاصة بعد إطلاق سراح آخر الأسرى الأمريكيين. من المرجح أن تواصل إدارته قمع المتظاهرين في الجامعات والجماعات ذات التوجهات التقدمية التي تنتقد إسرائيل. ورغم أنه يرغب في اتفاق سلام في غزة، أو توسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل السعودية، أو اتفاق نووي مع إيران مقبول من إسرائيل، إلا أنه يبدو واضحا بشكل متزايد أنه مستعد للانسحاب إذا لم يتحقق ذلك. قد لا يضغط ترامب على إسرائيل بشأن إيران أو غزة أو المستوطنات أو أي شيء آخر، لكنه مستعد تماما لتوقيع اتفاقيات دون مشاركة إسرائيل وتركها تتولى عواقبها. وعليه فتباين المصالح بين الحلفاء لا يعني الطلاق، ومن المفارقة حقا أن ترامب هو الشخص الذي يقود تحالفا أمريكيا إسرائيليا أكثر متانة. في العقود الأخيرة، فقد القادة الأمريكيون، بطرق عديدة، القدرة على كبح للحكومة الإسرائيلية وإخبارها أنها تتجاوز حدودها. ولكن، كما يوضح ترامب، فإن هذا النهج لا يتوافق دائما مع وضع المصالح الأمريكية في المقام الأول. وإذا صح هذا فمن المنطقي القول أن فكرة «أمريكا اولا» تستثني إسرائيل.

مخاوف إسرائيلية

وهو ما بات بعض المحللين الإسرائيليين يستفيقون لحقيقته، وكتب المسؤول الإستخباراتي الإسرائيلي السابق عوديد عيلام في صحيفة «إسرائيل اليوم»: «في رؤية ترامب، لم تعد إسرائيل ضرورية في الحس الإستراتيجي الكلاسيكي العميق متشارك بالقيم، بل أقرب إلى «عميل مميز» وربما «رصيدا عقاريا» في الشرق الأوسط». وأضاف، مشيرا إلى تهميش المحافظين الجدد وصقور إيران في فريق ترامب: «يجب أن نأخذ في الاعتبار التغييرات الجذرية الجارية داخل الحزب الجمهوري نفسه وداخل الدائرة المقربة منه» و «يجب أن تدرك إسرائيل أن ترامب في عام 2025 مخلوق سياسي مختلف، وأن الحزب الجمهوري لم يعد كما كان في السابق». وأشارت مجلة «بوليتيكو» (15/5/2025) إلى هذه المخاوف التي تدفع الإسرائيليين للتفكير بتقديم أمر مماثل أو مفيد لأمريكا يرضي ترامب كما يفعل حكام الخليج. وبالمحصلة، قد لا يكون هناك ما يبرر هذه المخاوف الإسرائيلية، فكما تقول صحيفة «فايننشال تايمز» (15/5/2025) فقد عزز الرئيس الأمريكي مكانة نتنياهو مرارا وتكرارا بسخائه السياسي، بما في ذلك دعوته ليكون أول زعيم أجنبي يزوره في البيت الأبيض في ولايته الثانية. ولا يزال ترامب يردد إلى حد كبير خطاب نتنياهو بشأن حماس، حتى أنه يدعم قرار الزعيم الإسرائيلي بمنع دخول الغذاء إلى غزة. وقد تفشل المحادثات مع إيران، مما يعيد ترامب إلى التوافق مع نتنياهو. لكن بينما يسعى ترامب إلى بناء علاقات تجارية مع قادة العالم، رفض نتنياهو منح الرئيس الأمريكي أمرا كان يسعى إليه بوضوح: إنهاء سريع لحرب غزة، مما قد يطلق سراح ما يصل إلى 20 أسيرا إسرائيليا على قيد الحياة من أسر حماس.
وبالمحصلة، فرحلة ترامب إلى المنطقة لا علاقة لها بإسرائيل ولا غزة بقدر ما تتعلق بالعقود في دول الخليج، وكانت هذه هي التي أملت عليه مواقفه، سواء من الحوثيين وسوريا وإيران، كما أشار سايمون تيسدال في «الغارديان» (11/5/2025). ومع ذلك يخشى القادة العرب أن تؤدي سياسات ترامب وخاصة دعمه للحرب في غزة إلى خلق توترات في دولهم، من ناحية ظهورهم بمظهر المتواطئ مع إسرائيل وأمريكا في حربها الإبادية وتهجير الفلسطينيين. ويرى مارك لينتش في مجلة «فورين أفيرز» (12/5/2025) أن مذبحة غزة تركت أثرا مدمرا على نظرة العرب لإسرائيل والولايات المتحدة، ووضعت أفكار التطبيع في آخر القائمة، وكان هذا واضحا في كلام ترامب عن التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي الذي رهنه بالظروف والوقت المناسب.
وبالمقابل يشعر القادة العرب بالقلق إزاء نهاية اللعبة التي تسعى إليها إسرائيل وترامب في غزة والضفة الغربية. وليس مصادفة أن يهدد نتنياهو ترامب بتدمير غزة وسكانها إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بحلول 15 أيار/مايو (ذكرى النكبة)، بالتزامن مع زيارة ترامب للخليج. وهو ما فعله طوال رحلة الرئيس الأمريكي الذي يبدو وإدارته يتقبلون بطموح إسرائيل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالقوة العسكرية. وهذا يتناسب مع طموح ترامب وفريقه الذين يريدون نظاما إقليميا قائما على القوة والمعاملات بدلا من الشرعية أو الشراكة. لقد قوضت الإدارة بشكل جذري القوة الناعمة الأمريكية والوجود الأمريكي غير العسكري في المنطقة. إن دعم تهجير إسرائيل وضمها لغزة لن يؤدي إلا إلى تأجيج الرأي العام في الشرق الأوسط بطرق لن يخففها أي اتفاق أو صفقة حتى لو كانت مع إيران. ولن يكون هناك أمل طالما لم يكتشف ترامب ونتنياهو عبثية الحرب والثمن الباهظ الذي لا تتركه على الفلسطينيين فقط بل وعلى إسرائيل والعالم الصامت. وحتى يصحو العالم من سباته ويقول كفى، فستواصل إسرائيل المتعطشة للدم والإنتقام حملتها ضد أناس غزة العزل الذين باتوا وحدهم وقد غدر بهم القريب والبعيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية