خلال يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني: الفلسطينيون يبرعون في الموسيقي وعروض الفن المعاصر

حجم الخط
0

أسماء الغول

ليس بخطاب فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وحده، والذي ألقاه في الجمعية العامة، مؤخراً، وأثار الكثير من الجدل لدي الطرفين الأمريكي والاسرائيلي، احتفت البعثة الفلسطينية لدي الأمم المتحدة في نيويورك بيوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني الموافق التاسع والعشرين من نوفمبر الجاري، بل كانت هناك فعاليات بلغة مغايرة جانبت الي حد ما الرتم السياسي وخاطبت القلب والعقل معاً. انها الموسيقي وعروض من الفن المعاصر كانت نتيجة ورش عمل نظمتها جمعية الفن المعاصر في رام الله وغزة، ايذاناً بالتدرج والتحول الي أكاديمية دولية متخصصة بالفنون. وكانت مفاجأة للحضور الأجنبي والفلسطيني علي حد سواء أن تكون هذا العام الأعمال المعروضة في صالة الأمم المتحدة مخالفة للتقليدي والكلاسيكي من اللوحات التشكيلية التي اعتادت البعثة علي تقديمها في الأعوام الماضية، ممثلة معاناة الشعب ومتخذة من التراث الفلسطيني منطلقاً.

بل كانت العروض قائمة علي فكرة الفنان أكثر منها توقعات المتلقي وفهمه الخاص وكذلك تجرأت وأبحرت في الفن المعاصر لتصنع من النص الأدبي والمجالات الحداثية للفن توائم في الغموض وربما الجنون.

احدي الأعمال التي قدمها كل من: أيمن الأزرق ومحمد ياسين تمثل بكل بساطة صفحة من جريدة الأيام منشور فيها اعلان عن استبيان يطالب القراء مساعدتهم في البحث عن مفهوم الخطأ، ويسألهم اذا ما كان الخطأ نسيباً، وما الذي يعتبرونه خطأً في تاريخ الشعب الفلسطيني؟ ومرفق في الاعلان الايميل البريدي لبعث الاجابات، وجاءت الاجابات التي تم تعليقها أيضاً في المعرض اما متشككة في الجهة التي لم تذكر اسمها في الاعلان والبعض الآخر يتحدث بكل صراحة.. وهذا النوع من الركض خلف تطبيق الفكرة مهما كانت تفتح من مسارب علي التساؤل عن علاقة الفن بفلسفة الخطأ مثلاً.

أعمال أخري أثارت جدلاً من نوع مختلف يتعلق بالإرث القومي، كان صاحبها الفنان سامح عبوشي مقدماً عملين فنيين: الأول من فئة الانستاليشين أي التركيب أو الانشاء الفني وعبارة عن لافتة حديدية لاحد المحال التجارية الذي جاء اسمه علي اللافتة المحتلة جزءاً كبيراً من المعرض كالتالي: ميني ماركت الحلم العربي، والآخر يمثل كتابة بارزة وضخمة من الحروف لبيت الشعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت والثيمة للعرض هنا هي المطرقة الضخمة الموضوعة تحت الجدار والتي استخدمها الفنان لتحطيم جزء من كلمة الأخلاق.

والعبوشي الفنان الوحيد الذي حضر شخصياً الي المعرض وعلي حسابه الخاص من بين أكثر من خمسة وعشرين فناناً شاركوا اما عبر أعمالهم أو عبر صور لها تم نشرها في بروشر وُزع علي الحضور حمل عنوان: فضاء، بحث محتوي، عملية، تحويل. يقول الفنان: التكنيك هنا يتعلق بالفن الحديث كجزء من العمل الجاهز في مكان ملموس، ليكون مرئياً ومحسوساً يمكن نقله الي صالة العرض أو المكعب الأبيض. ويعطي معني مختلفاً لأنه انتقل الي حالة أخري، ومن هنا تحول اسم الدكان بنقله الي المعرض الي حالة فنية تستدعي الالتفات الي المغزي السياسي: بأن الحلم العربي بمجمله تحول الي ميني ماركت، وميني ماركت مغلق أيضاً كما تبين الصور الفوتغرافية التي صاحبت العرض.

وحول عمله الآخر يبين العبوشي أن هذا البيت الشعري بالذات موجود في الذاكرة الجماعية العربية بشكل مكثف، موضحاً أنه حاول استخراجه بعدما تردد في ذهنه كثيراً، لكن بما يتناسب مع أخلاق هذا العصر التي غدت تعني ازدواجية مع، وصراعات كبيرة، وغياب استحق معه كسر الكلمة بشكل ملموس بالمطرقة.

أعمال أخري متميزة قدمها كل من: رائد عيسي بالصور الفوتغرافية التي تعمد أن تكون مهتزة لتصور حارات غزة بتلك الضبابية الحزينة، وكذلك هناك عرض لمقطع فيديو آرت وحيد من عمل الفنان ماجد شلا، جاء عبارة عن برج ايفل المشهور لكن هذه المرة ليس بفرنسا، بل متنقلاً عبر المونتاج بين حواري مخيم الشاطئ، وعند بحر غزة، وعلي أعتاب الحدود، كأسلوب ساخر من التناقض المذهل بين غزة المحاصرة وعوالم أخري، تعيش مجدها التراثي والسياحي.

كما تميزت أعمال أخري تنوعت بين تركيب الفني، وتصوير فوتغرافي ولوحة سوريالية حملت رموزا من التراث الفلسطيني والأساطير، كأعمال كل من عبد الباسط خلف وايناس حامد وجمانة مناع ومحمد حواجري ومحمد فاضل وخليل حوراني وحسن حوراني. وكان لرسم الحرف العربي مساحة من المعرض ابتدعها الفنان محمد أبو سل، كما كانت هناك لوحة سوريالية واحدة للمُدرس الذي كان يشرف علي تقديم الدروس في الجمعية هنريك بلاخت ولعب فيها اللون الأصفر دوراً رئيساً بحيث كانت وكأنها شمس معلقة، موضحاً بلاخت أن اللوحة تمثل ما يتذكره من رام الله التي قضي فيها ما يقارب العامين. وبالنسبة لتنظيم المعرض واختيار الأعمال الفنية، فقد أشرفت عليها ريم فضة مديرة جمعية الفن المعاصر، والتي قضت معظم وقتها بين تقديم كلمة الافتتاح والشرح للمشاركين بثقافة ووعي فنيين، كان من الصعب معهما أن يخرج أحد المتلقين غير مقتنع بأن الفن المعاصر في غزة ورام الله تجاوز حدود تقليد التكنيك الي الابداع.

وتقول: تم تنظيم المعرض بناء علي طلب من البعثة الفلسطينية في الأمم المتحدة، موضحة أن الأعمال تم اختيارها بناء علي لغة معاصرة مع الاهتمام بأعمال تبرز فيها الحكاية الفلسطينية بشكل غير تقليدي وأكثر عمقاً من التبسيط بالرسم الكلاسيكي، مؤكدة أن تعدد التكنيك الفني والوسائل واستخدام النص الأدبي جاء لاثارة الأفكار والمشاركة الانسانية الأوسع.

وتضيف فضة انهم لم يستطيعوا جلب جميع الأعمال، ولكل الفنانين المشاركين في ورش العمل التي نظمتها الجمعية، بسبب ضيق المساحة المتاحة في المعرض اضافة الي عدم تعدد وسائل العرض التكنولوجي الأمر الذي جعلهم مثلاً يكتفون بمقطع فيديو آرت وحيد.

وفيما يتعلق بالعرض الموسيقي فقد قدمته فرقة شو اسمه، وهي فرقة مكونة من خمسة عازفين أمريكيين وفلسطينيين، يؤلف ألحانها الشاب طارق عبوشي مازجاً بين اللحن الغربي والشرقي.

ويوضح عبوشي وهو يحاول ترتيب وضع حطته الفلسطينية: أمزج في الموسيقي بين العديد من الثقافات الموسيقية فهناك الكلاسيكي والغربي والجاز والشرقي وكذلك الأمر ينطبق علي الآلات التي تتنوع بين العود والكاخون والرق.

وحول فرقته يوضح أنهم يؤلفون الألحان، ويشاركون في المهرجانات العربية والدولية منذ خمسة اعوام، كمحاولة لنقل الثقافة الشرقية الي العالم لتكون لغة انسانية تهدف الي السلام.

وكان فاروق القدومي قدم في افتتاح المعرض كلمة قال فيها: الشعب الفلسطيني ليست صفته الأساسية المقاومة ولكن الظروف فرضت ذلك والآن هو يتحدث بلغة أخري عنوانها السلام والمحبة، ذاكراً أن الشعب الفلسطيني شعب يعتز بتراثه ويعبر عنه بالرسم والموسيقي كاحدي اللغات التي يتحدث بها العالم.

واعتبر القدومي أن الشعب الفلسطيني الذي يضم بين جنبات بلده مقدسات الأديان الثلاثة يرغب بالعيش في سلام مع شعب آخر احتضنه منذ أيام طويلة، لذلك لا يجوز أن يقال أنه شعب يعادي السامية، مؤكداً كون الشعب الفلسطيني صاحب الأرض التي تحوي أقدم المدن يرحب علي الدوام بالشعب الآخر الذي لا ينفك يحاول طرده.

كاتبة وصحافية من فلسطين تقيم في نيويورك بشكل مؤقت2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية