باكو – أ ف ب: لا تخفي الابراج الشاهقة في الشوارع المكتظة في وسط مدينة باكو مظاهر الفقر والقمع حسب المعارضين، لكن جوليا أكباروفا (65 عاما) تعرب عن «افتخارها» بالتحولات المهمة في العاصمة التي تجاور بحر قزوين.
تقول ربة المنزل هذه «قبل عشرين عاما، لم تكن الحدائق كثيرة، وكذلك المباني الجديدة. أمنوا ظروفا حياتية طبيعية حتى يعيش الناس حياة رائعة. وكان عدد السائحين قليلا. والان، ثمة الكثير منهم».
كما تبدي إلسا دغافاروفا (46 عاما) المتحدرة من أغدام (جنوب غرب) الرأي نفسه، وتتباهى بالكشف عن مواقع مدينتها بالتبني لزائريها الذين يكتشفونها «بكل سرور».
لقد شهدت أذربيجان تطورا واضحا منذ 1995، وانتقلت من نمو سلبي غداة تفكك الاتحاد السوفييتي، إلى نسبة نمو تقارب أو تزيد على 10% طوال عشر سنوات. بل ان النمو الإجمالي بين 2004 و2008، شهد تقدما تخطى الثلاثين في المئة.
وخلال هذه السنوات المزدهرة، شهدت البلاد تحولات مهمة، فطورت في المقام الاول عاصمتها حيث أقيمت مشاريع عملاقة مثل الأبراج الشهيرة على شكل لهب – «أبراج الشعلة» ، والمركز الثقافي المتموج الذي صممته المهندسة المعمارية ذائعة الصيت زها حديد، بالاضافة إلى الطرق والمطار الجديد.
ويتدافع السياح خلف تحصينات المدينة القديمة، التي تعد من التراث الذي تحميه منظمة «يونسكو». وينفق النظام مبالغ قياسية لاجتذاب أنشطة دولية مثل يوروفيجن والجائزة الكبرى لسباق «فورميولا1» أو نهائي دوري أوروبا لكرة القدم.
وقال الرئيس إلهام علييف لدى إعادة انتخابه في 2018 «لم يتطور أي بلد آخر كما تطورت أذربيجان في المجال الاقتصادي في السنوات الـ15 الأخيرة»، مشيرا إلى زيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية، قائلا إنه «يريد بناء اقتصاد أقوى».
لكن خلف الدولارات المتأتية من النفط، لا تزال البلاد البالغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة، وتحكمها عائلة علييف منذ العام 1993، مكبلة بالفقر وانعدام المساواة والقمع.
وفور مغادرة وسط المدينة، تتراكم المنازل القديمة في أحياء شديدة الفقر والفوضى. وفي الطريق إلى الجنوب الشرقي، تمتد السهول الفارغة إلى أقصى الحدود، ويبيع بعض الرجال السمك على جوانب الطرق.
وفي هذا البلد حيث يشكل النفط 90% من الصادرات ونصف عائدات الميزانية، يتحدد النمو بسعر النفط الخام. وعلى إثر انخفاضه في 2014، فقدت العملة الوطنية نصف قيمتها وتعرضت البلاد لتضخم مزدوج الرقم ونمو سلبي.
لكن مع ارتفاع أسعار النفط، استقر الوضع نسبيا، وبدأ الاقتصاد في تحقيق نمو بين 1 و2% فقط.
ويعترف ناتغ جعفرلي، الخبير الاقتصادي والسكرتير التنفيذي لحزب المعارضة (46 عاما) بأن «الحكومة تبذل جهودا لتحسين الوضع الاجتماعي»، مشيرا إلى زيادة الحد الأدنى للأجور، لكنه لا يزال أقل من 100 يورو شهريا. وقال «منذ أواخر 2018، ثمة ديناميكية إيجابية، لكن اقتصاد البلاد يعاني من مشاكل مزمنة: التبعية للنفط والفساد والاحتكارات».
وأكد الخبير الاقتصادي أن «البترودولار استُخدم في مشاريع البُنى التحتية، التي كانت القوة المحركة للتنمية في البلاد». وأضاف ان «معظم الأموال قد استُخدمت في وسط باكو الذي شهد تغيرا كبيرا، لكن البلد في مجمله لم يشهد أمرا مماثلا».
وإذا كانت الإحصائيات الرسمية تفيد أن حوالي 5% فقط من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فإن النسبة الحقيقية تناهز 30% كما قال. وأضاف «المؤشرات لاحتساب الفقر سيئة. ويرقى البعض منها إلى الحقبة السوفييتية. الواقع مختلف الآن».
وتوجه المنظمات غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان، انتقادات حادة إلى النظام، مؤكدة أن أي احتجاج يحمل السلطات على رد فعل قوي على الفور.
وقد أعيد انتخاب علييف الذي يتولى الحكم في أذربيجان منذ 2003، بعد والده، العام الماضي إثر اقتراع شابته كما يقول مراقبون دوليون «مخالفات خطيرة» وانعدام التعددية.
واحتج عيسى غمبار الذي تولى قيادة حزب المعارضة «موسافات» (أي المساواة) حتى 2014، بالقول «لسوء الحظ، الانتخابات في أذربيجان مزورة بالكامل». وأضاف أن «السلطات تطبق سياسة قمع للمعارضة وجميع الحريات، السياسية والاقتصادية».
وإذا كان الرئيس أصدر عفوا عن حوالي 50 ناشطا ومعارضا الشهر الماضي، فإن إيلغار محمدوف، زعيم حزب «البديل الجمهوري»، الذي سُجن من 2013 إلى 2018، يعتبر أن كثيرين من السياسيين ما زالوا في السجن.
وقال ان «الحكومة تحاول أن ترفع من شأنها حيال الاتحاد الأوروبي الذي تريد توقيع اتفاق معه (…) هذه ليست مؤشرات واضحة على التغيير».
واكد محمدوف، الذي ما زال ممنوعا من المشاركة في الانتخابات حتى 2026، أن «العناد الذي يحاول النظام من خلاله الحفاظ على هذه الاجواء من الخوف في صفوف السكان، أمر مخيب للآمال». واضاف أن أذربيجان ستشهد تراجعا اقتصاديا مقارنة مع جارتيها جورجيا وأرمينيا.
وختم بأسف انه «أمر معيب لحكومة تولت إدارة أموال طائلة فترة طويلة».