خلف الصيف.. وخلف الشتي

حجم الخط
0

خلف الصيف.. وخلف الشتي

خلف الصيف.. وخلف الشتي تغني فيروز: بأيام البرد بأيام الشتي والرصيف بحيرة والشارع غريق تجي هاك البنت من بيتا العتيق ويقللا انطريني وتنطر عالطريق (…………………)حبيتك بالصيف حبيتك بالشتينطرتك بالصيف ونطرتك بالشتي وعيونك الصيف وبعيوني الشتيوملقانا يا حبيبي خلف الصيف وخلف الشتي فيروز تجمع الحب ببرده ودفئه. ولكن للوهلة الأولي فقط. اللهجة اللبنانية تترك مساحة للسؤال: هل أن الرصيف بْحَيرَة، بمعني أنه بُحيرة، مستودع مياه، ولذلك فإن الشارع غريق لأنه أكثر انخفاضًا من الرصيف/البحيرة، أم أن الرصيف بْحيرَة، معني أنه في حيرة من أمره، ولذلك فقد غرق الشارع فيما يفوق حيرة الرصيف الذي يعلوه؟ غير واضح. غناء فيروز متقاطب بين صيف وشتاء؛ هو ما بعد الفرح والحزن. ومصير الحب أيضًا ما وراء الصيف والشتاء: وملقانا يا حبيبي خلف الصيف وخلف الشتي .الأغنية تقول إن الحب سيتجسّد ما بعد الصيف والشتاء معًا. وهو مكان/زمان يقع خارج متوالية الصيف والشتاء. لو كان بعد الصيف لكان شتاء. ولو كان بعد الشتاء لكان صيفًا. لكنه بعدهما معًا: ملتقي الحب يقع خارجهما معًا. الحب خارج هذه الثنائيات المرتبة. الحب في لامكان.غنّت فيروز أغنيتها قبل عهد ابنها زياد الرحباني. كانت يومها لا تزال في العصر الرومانسي اللبناني جدًا. لكن هذا لا يخفي ولا يلغي كافكائيّة ما غنّته منذ ذلك الحين. إنه حبّ مستحيل، كونه يتفاعل خارج الزمن. في ما بعد الصيف والشتاء معًا. حب خارج أيام السنة الـ 365. لا توجد نهاية سعيدة هنا، وليس هناك خاتمة تراجيدية أيضًا. لا توجد نهاية رومانسية. لا يوجد حب وردي مثمر، ولا حب سوداوي مفجع. هناك حبّ مستحيل بحكم كونه يقع خارج الثنائيات. خارج الطبيعة المقسومة الي فصول. هو حب يقع في بُعد ثالث، خارج عن كل مألوف ومتوقع. حب محكوم بالاستحالة من أساسه؛ منذ بذرته الأولي. فيروز زرعت بذور العبث الساخر من الرومانسيّات قبل قدوم زياد اليها موسيقيًا.سماع فيروز في الصباح يتعرّض للخيانة إذا ما سمعتها ليلا. الصباح للموسيقي، أما الليل فللكلمات. أغنية فيروز ترتكب فعل خيانة فاضح. هناك تمرّد مختبئ خلف رزانتها. وملقانا يا حبيبي خلف الصيف وخلف الشتي هل يمكن أن تقول فيروز جملة متمرّدة علي الطبيعة، كهذه؟لكنها الحقيقة، لقد قالتها. غنّتها. وقبل أن يدخل زياد الي المشهد بمأساته الجميلة: رفيقي صبحي الجيز، تركني عالأرض وراح،رفيقي صبحي الجيز، حطّ المكنسة وراح هل كانت مشاعر الرحيل الرفاقية المأساوية تكمن مسبقًا في مشاعر استحالة الحب الذي لن يلتقي سوي في اللامكان القابع خلف الصيف والشتاء معًا؟ سيستطرد أحد السامعين في السؤال ويحمّله القليل مما لا يتضمنه سياقه ويسأل: هل أن فشل وخفوت العلاقات والروح الرفاقيّة هو النبتة المنتحرة الخارجة من بذرة الفشل الانساني العتيق لعلاقات وروح الحب؟ هل كان فشل تلك المشاريع الإنسانية الحالمة المثالية بسبب خلل أساسي في العمق، في الحب؟الأسطوانة تدور وتدور. فيروز تغنّي، والسامع غائب خلف الموسيقي وخلف الكلام. هو كالأغنية تمامًا: خلف الصيف وخلف الشتي .هشام نفاعاعلامي وكاتب6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية