فـاروق وادي
من بين عدد قليل من الكتّاب المصريين الذين لم يحدث أن التقيتهم، حتّي مُصادفة، الكاتب إبراهيم أصلان. ومن بين أحياء القاهرة التي لم أعرفها ولم أعبرها يوماً، حيّ “إمبابة”. ومع ذلك فإنني، ولفرط الألفة التي تجمعني بكتابات أصلان، أشعر أنني أعرف هذا الرجل حقّ المعرفة، حتّي أنه يمكننا، إذا ما التقينا ذات يوم، أن نواصل حديثاً انقطع بيننا.
لم يسبق لي أن التقيت إبراهيم أصلان، وكم التقيت به دون أن نلتقي. فكتابته، علي قلتها، ورغم قراءتي غير المكتملة لها، تبقي كافية وأكثر لمعرفته والدخول إلي أماكنه الحميمة، ومدّ أواصر المحبّة لبشره الذين يكتب عنهم.
ها نحن نستجيب لسطوة الانطباع السائد الذي يتداوله الكتّاب والنقاد حول تضاؤل التراكم الكمي لنتاج هذا الكاتب، حتّي أن أحد الكتّاب المصريين المتميّزين بغزارة الانتاج، قال بخفّة ظلّ نختلف معه علي مضمونها: إن إبراهيم أصلان هو كاتب.. بـ “دُعا الوالدين”! لكن أصلان، الذي لم يكن ليشعر أبداً بأنه مُقل في الانتاج لولا تكرار الإشارة إلي هذا الأمر ممن هم حوله، لا يعتبر الأمر نقيصة. وهو يقسو علي نفسه أكثر من قسوة زميله الساخر عليه، حين يتواضع قائلاً أنه لا يعتبر نفسه كاتبا.. وإنما مجرّد هاوٍ للكتابة! مع ذلك، فإن إبراهيم أصلان هو كاتب، رغماً عن تواضعه، بل انه كاتب الحارة الشعبيّة بامتياز. يبدو مهجوساً بالكتابة، شاغله الكبير حتّي في أبعد حدود صمته. أخاله يتهيّأ كثيراً قبل أن يكتب، يتردّد، وربما يتهيّب من فعل الكتابة أكثر من أيّ شيء آخر، رغم أنه يعشقه أكثر من أي عشقٍ آخر. يكتب المكان الذي يعرفه، والبشر الذين يحفظ ملامحهم ويستشعر نبضات قلوبهم وهمومهم الصغيرة والكبيرة، يعيش معهم في الحواري الفقيرة، الغنيّة بالعلاقات الاجتماعيّة الحميمة، يفهم لغة قلوبهم ويحمل لهم في قلبه محبّة تفصح عنها الكتابة دون ادعاء.
غياب الادعاء، هو السمة الأوضح في كتابة هذا الرجل. ثمّة بساطة آسرة في كتابته لا يُتقنها إلاّ من تعمدت مشاعرهم بحبّ البشر. وربما يكون إبراهيم أصلان هو الكاتب العربي الأكثر اقتصاداً في العبارة وابتعاداً عن الزخارف والبهارج اللغويّة، وهو الاقتصاد الذي ينطوي علي كثافة شعريّة زاخرة ورؤية تتسع، وتركيز دقيق ينأي عن المتشابه والمتداول. هذه الانطباعات، رافقتني علي امتداد صفحات كتابه “خلوة الغلبان”. إنه كتاب متمرِّد علي حدود التجنيس الأدبي الصارم، يجمع بين فنون متعددة: السيرة الذاتيّة والقصة القصيرة والمقالة الصحفيّة وأدب الرحلة.. وربما غيرها، دون أن يلتفت إلي التصنيفات الأكاديميّة، رغم أن طبعة مكتبة الأسرة أضافت عبارة لم تكن لها ضرورة “أدب السيرة الذاتيّة”. ولكن، مهما كان الجنس الذي يُصنَّف فيه الكتاب، فإنه يظلّ ينتمي، في جوهره، إلي الإبداع السردي. فإبراهيم أصلان سارد بالدرجة الأولي، قبل أن يكون صحفياً أو ساعي بريد. حكّاء يتحوّل الحدث اليومي العادي بين يديه إلي حكاية ممتعة لا تقول أكثر من ذاتها. ومع أن السرد هنا لا يستجيب للخيال القصصي المجنح، إلاّ أن عين الفنان اللمّاحة تبقي قادرة علي التقاط اللحظة الحياتيّة التي تبدو عاديّة، فتتحوّل بين يديه إلي قصّة تستحق أن تُروي. وهو ربما يلتقط شخصيّة عامّة، أو مغمورة وهامشيّة، ضائعة في دهاليز المجتمع، فيكشف فرادتها وأحقيتها في أن تُروي.
وما يميِّز كتابة أصلان هو أنها مختلفة. فهو عندما يتحدث عن واحد من أعلام الثقافة العربيّة، فإنه لا ينظر إليه إلاّ من زاوية رؤية الحارة الشعبيّة له، حارته هو بالتحديد. فالست أمّ عبده تحسب عمر ابنها بيوم نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل. وفي عيد ميلاده التسعين، يزجي أصلان إليه بتحيّة البسطاء.. “الناس كلّهم، وخصوصاً أم عبده، بتسلم عليك”. وفي واحدة من أجمل المقطوعات التي يضمها الكتاب، والتي حملت عنوان “في ذكري رحيل كاتب بديل”، ينحت إبراهيم أصلان تمثالاً باقياً لكاتب مجهول لدي طليعة قرّاء العربيّة، هو “عبد المُعطي المسيري”، الذي عاش مُحكِّماً من الباطن في المسابقات الأدبيّة، يقبض حقوقه الماليّة البسيطة من المُحكِّمين الرسميين التي تُعيِّنهم أجهزة الدولة الثقافيّة. وعندما يرحل الرجل إلي الدار الآخرة، لا يجد أهله إنساناً يُسهم في حمل جثمانه إلي مثواه الأخير. فقد مات في يوم رحيل جمال عبد الناصر! “خلوة الغلبان”، كتاب صغير زادني معرفة بإبراهيم أصلان، إنساناً وكاتباً، بناسه الذين ازدادت ملامحهم وضوحاً بين السطور، وبأمكنته الحميمة، وخلوته المفتوحة علي الأفق. قرأته خلال الساعات الثماني التي تأخرت فيها الطائرة عن الإقلاع في مطار القاهرة. ومن مكاني هناك، علي مقعد الضجر والوقت المتثاقل، زرت إمبابة. أصغيت إلي ثرثرات عصافير النيل. سرت في شوارع وأزقة رأيتها من قبل بعين القلب وبين السطور. كنت أوجِّه التحيّة إلي بشرٍ ملوَّحين بالشمش والألفة. ويهيّأ لي أنني لمحت الشيخ حسني وهو يجلس في المقهي يراقب البشر، ويحدِّق إليّ ببصره وبصيرته الثاقبة، ثمّ يرفع يده مرحِّباً. من موقعي علي مقعد في المطار، طوّفت تلك الأمكنة الضيِّقة الأكثر رحابة. تسكّعت في حارة محمّد عبّاس. طرقت أبواب الناس في شارع فضل الله عثمان مستفسراً عن أحوالهم.. ولأسألهم عمّا إذا كان أصلان، صديقي الذي لم ألتق به من قبل، قد مرّ عليهم اليوم!
؟ كاتب من فلسطين[email protected]