خليفة المنحل ـقصة قصيرة

حجم الخط
0

بقلم: سعاد الرقيق *ترجمها عن الانجليزية: غازي القبلاوي

كانت سميرة تذرع الغرفة جيئة وذهاباً. جلست ثم وقفت، ذهبت إلي المطبخ لتصب كأساً من الماء. سرعان ما أفرغته في البالوعة. “ييك” همهمت، “إنها تماماً كمياه حوض أسماك لا طعم لها”. عادت إلي غرفة الجلوس، تمعنت في نفسها بالمرآة الكبيرة المعلقة في الممر، ثم جلست بجانب الهاتف. رفعت السماعة لتتأكد من وجود الحرارة. أشعلت التلفاز ونظرت إلي الشاشة بلا انتباه كان هناك رجلٌ بدين وقصير القامة، يتحدث بلهجة أمريكية جنوبية حادة، ومذيع متبرم يحاول تهدئته. بدا أن الموضوع مهم جداً. شيء يشابه برنامج (جيري سبرينجير). اغلقت سميرة التلفاز وأسبلت جفنيها. إنها تكره الإنتظار دائماً. انتظار نتائج الإمتحانات، التحاليل الطبية، صديق سيأتي لموعد، أخبار طيبة، أخبار سيئة، أن يرن الهاتف. رن الهاتف في تلك اللحظة بالذات. وثبت سميرة كقطة مذعورة تنحنحت ورفعت سماعة الهاتف وقالت بصوت رقيق وناعم، كالقشدة: ” هالو”.”هالو. هل أنت سميرة؟” سأل الرجل علي الطرف الآخر من الخط.”نعم، وأنت السيد خليفة؟!” ردت سميرة.”نعم، كيف حالك؟””أنا بخير، شكراً. كيف كانت رحلتك؟””آه، لا بأس بها. التأخير المعتاد، ولكن أخيراً ها أنا ذا هنا. علي أي حال، أين تريدين أن نلتقي؟” “حسناً، هل أنت متأكد أننا يجب أن نلتقي اليوم؟ أعني، قد تكون مرهقاً وتحتاج لأن ترتاح. بإمكاننا أن نلتقي غداً.” أردفت سميرة. “كلا، كلا، لا مشكلة لدي، إلا إن كان لديك شيئاً ما تقومين به.””أنا..!! كلا، ليس لدي ما أقوم به، بالاحري لقد أخذت إجازة من العمل لهذا اليوم.””حسناً، في هذه الحالة أين تريدين أن نلتقي؟ أنا مقيم مع صديق يسكن في منطقة (أكتون تاون).””بامكانك أن تستقل خط قطار (بيكاديللي) من (أكتون تاون) إلي محطة (جرين بارك) يمكن أن نلتقي في داخل المحطة. سأقف بجانب آلة بيع التذاكر. حسناً، إذا لمحت نسخة مطابقة للراحلة مارلين مونرو في بدلة زرقاء فاتحة، فتلك ستكون أنا” ضحكت سميرة. “ها ها ها،” قهقه خليفة “وأنت إن رأيت نسخة أخري للعظيم بوب ديلن، فذلك سيكون أنا.”علي عكس بوب ديلن، فقد كان ممتلئ الوجه، عجيني، مثل صيني شاحب. كان شعره داكناً وخفيفاً في الأعلي، طويلاً من الجانبين والخلف، محشور خلف أذنيه بطريقة جعلته يبدو كقواد منه ككاتب. عيناه كانتا دقيقتين وذي نظر قصير. بدا وكأنه خلد قصير النظر بنظارتين. كان لديه ثألولة داكنة كبيرة منتصبة علي الجانب الأيسر من ذقنه كأنها حلمة مستثارة. كان متوسط الطول بكرش بارز ومؤخرة ضخمة من الوراء. ملابسه غير رخيصة وغير لائقة، تفوح منه روائح الكحول، فنادق رخيصة، طعام ذو رائحة نفاذة، مطارات، ورحلات طويلة مرهقة. كان هناك إحساس غريب وغير مريح يحيط به. ذلك الإحساس الذي تشعر به في الأماكن غير المألوفة، وحول الغرباء. أعتقدت سميرة أنه يشبه أكثر بوب البناء من بوب ديلن.”أهلاً، هل أنت سميرة؟” سألها خليفة وهو يمد يد ممتلئة وصغيرة. “نعم، وأنت السيد خليفة؟!” ردت سميرة. بمرح. “بلا كلمة (سيد) أرجوك، فقط خليفة” هذر، مكوناً كمية من اللعاب. تركا محطة (جرين بارك) وسارا بمحاذة شارع (بيكاديللي ستريت) إلي حيث أقرب مقهي. مقهي (كافي نيرو). اختارت سميرة ركناً هادئاً وتطوعت بجلب المشروبات. (كابيتشينو) له و(لاتي) لها. وضعت القهوة فوق الطاولة، وجلست علي الكنبة المقابلة له، ونشرت شالاً صغيراً فوق ركبتيها العاريين. لمسة حياء تعجبه. أعجبته كذلك بشرتها البرونزية الناعمة، شعرها الذهبي، ابتسامتها الآسرة، أناقتها الملحوظة، جمالها الغض. رفعت سميرة قدح القهوة وارتشفتها بمهل، محاولة تجنب عينيه الحارقتين. جلسا في المقهي لساعات، ساعتين، ثلاث – ربما أربع – متذكرين ليبيا واناسها. الليبيون، في داخل وخارج البلاد، الأكل الليبي، الفولكلور الليبي، وحتي الكتاب الليبيين. “يعجبني خليفة الفاخري،” قالت سميرة بنعومة. “علي الرغم من أن إبراهيم الكوني أكثر شهرةً. قرأت في مكان ما أن معظم أعماله قد ترجمت إلي أربعين لغة.” “إبراهيم الكوني!” رد خليفة بصوت كأنه يبصق. خالفها في كل كلمة قالتها. فهو لم يعترف بالفاخري، ولم يؤهل الكوني ككاتب. مثل هؤلاء الكتاب لا يستحقون القراءة، كان يقول عدة مرات لم يحتمل سماع أي كاتب، يمدح، أو يعترف به. ببساطة أن تكون أفضل منه، المتنبيء الأسطوري، المخضرم ابو نواس. كان هو شكسبير، تي أس إليوت، نيرودا. كان متمرغاً في البهرجة والخيلاء، وحش من الأنا. “أنا رجل بقدرات عظيمة،” راح يعوي. أرادت سميرة أن تقول، هراء أنت سافل حقيقي ومصاب بجنون العظمة. بدلاً من ذلك، منحته أحد ابتساماتها الجميلة وأخبرته بصوت كالعسل أن عليها المغادرة. أخبرته أنها قد استمتعت بصحبته، وأنها سعيدة بلقائه، نزار قباني الفتان. 0} {0 A pure lie. }0{ كذبة بيضاء. 0} {0 She also told him that she would love to meet him again, show him her London, take him to her favourite haunts, and spend more time in his company. }0{ أخبرته كذلك أنها ستسعد بلقائه مجدداً، لتريه لندن، تصحبه إلي أركانها المفضلة، ولقضاء وقت أطول بصحبته. 0} {0 She deeply and profusely apologised for not being able to join him to meet his friends, the merry gang. }0{ أعتذرت كثيراً وبعمق لعدم قدرتها لقاء أصدقاءه، العصابة المبتهجة. 0} {0 Though she promised sincerely that she would love to do so in the near future. }0{ إلا أنها تعهدت بأنها ترغب بذلك في القريب العاجل. 0} {0 And that she would like to meet him again tomorrow and the day after tomorrow and for as long as he is staying in London. }0{ وبأنها ترغب بلقائه مجدداً في الغد وبعد الغد، وفي أي وقت طيلة أقامته في لندن. 0} {0 She told him that and many other things she regreed telling him later. }0{ أخبرته بذلك وأشياء أخري، ندمت علي قولها له بعد ذلك. 0} {0 She did not know why she said that and what made her say it. }0{ لا تدري لما قالت ذلك وما الذي جعلها تقوله. 0} {0 Why did she want to spend another hour or two with a self-centred fool whose enormous ego needed constant maaging? }0{ لماذا تريد أن تقضي ساعة أو ساعتين مع احمق، أناني، والتي أناه المتضخمة تحتاج إلي تدليك مستمر؟ 0} {0 Why would she endure his bold boasting, unashamed declarations of superiority, unbearable and revolting hay fever fits? }0{ لماذا عليها أن تتحمل تبجحه الفاضح، مجاهرته الوقحة بالتعالي، نوبات الحساسية الجامحة التي لا تحتمل؟. 0} {0 But she had no answer to that. }0{ لكنها لم تمتلك أجابة لذلك. 0} {0 They met and parted at Green Park station. }0{ ألتقيا وافترقا عند محطة (جرين بارك). 0} {0 He continued his journey to meet his merry friends in one of London’s pubs and she went back to her home. }0{ أكمل رحلته للقاء أصدقائه المبتهجين في أحد حانات لندن، وعادت هي إلي بيتها. 0} “أخبريني، كيف كان اللقاء؟ كيف كان الرجل الغامض؟” سألت حنان بفارغ الصبر. “حسناً، مخيب للأمل.” قالت سميرة”لماذا؟” سألت حنان. “ولكن لماذا؟””كل ما في الأمر أنه لم يعجبني،” قالت سميرة.”ولكن أعتقدت أنك كنت معجبة به عندما كنتما تتراسلان بالبريد الالكتروني (الإيميل).””نعم كنت ولكن….””اخبريني ما الذي لم يعجبك فيه؟” قاطعتها حنان.”كل شيء. شخصيته، سلوكه، شكله. ذاك الرجل يظن أن لديه موهبة محمود درويش، كاريزما إدوارد سعيد، جاذبية عبد الحليم حافظ، ووجه عمر الشريف. بجاه الأسياد)، ذاك الرجل لديه أكبر (أنا) أراها علي الاطلاق. بصراحة، إنه سافل بمؤخرة ضخمة. يا إلهي، هل أخبرتك عن مؤخرته؟ اقسم أنها بحجم أفريقيا.””لا تكوني سخيفة” قالت حنان. لا أحد لديه مؤخرة بحجم افريقيا. إلي جانب، إنك لا تستطعين الحكم علي الشخص من اللقاء الأول. لا بد أنه كان مرهقاً، قادماً كل المسافة من نيويورك. وأنا متأكدة من أنه كان متوتراً وكان يريد فقط أن يدهشك. ألم تقولي أنه كاتب، شاعر؟””أوه، بتلك الأصابع الخشنة بدا وكأنه نحات منه إلي كاتب” قهقهت سميرة. “سميرة، أسمعي. إنك تحتاجين لأن تمنحيه ونفسك وقتاً. تحتاجين لأن تلتقيه مرة تلوالأخري، قضاء وقت بصحبته وبعد ذلك إن كنت ما تزالين تشعرين بنفس الإحساس، حينها ينتهي كل شيء. هل ستلتقيه مجدداً؟”ولكن سميرة لم تجب. لأن ذاك ما تنوي القيام به، خطتها. أن تلتقيه مجدداً وأن تعيد اكتشاف الروح العاطفية الودودة التي لمستها من خلال مراسلتهما. كان يوماً صيفياً حاراً بغرابة. كالأيام التي تغلي والتي تتوقعها وتخشاها ما أن تحط طائرتك بمطار بنغازي. تجربة هواء الفرن الساخن والتي يعرفها الليبيون. فأنت تستعد لمغادرة الطائرة بعد رحلة مرهقة، مليئة بالآمال والتوقعات المجهدة. إثارة مبتهجة للقاء الأحبة والاضطراب العالي للوجوه العابسة لقوات الأمن والجمارك والتي يجب أن تحييها وتجربة هواء الفرن الساخن التي عليك أن تمر خلالها. اللحظة التي تطأ فيها قدمك خارج الطائرة لتستقل الحافلة إلي المطار الرث، تصطدم بوجهك نفحة هواء ساخنة حارقة، تمتص نفسك، وتستنزف طاقتك. تتركك دائخاً لبقية اليوم، غير قادر علي تبادل جميع العناقات والعصر من اقربائك المتحمسين بشدة. سيظنون أن وجهك المنتفخ والعينين الدامعتين هما نتيجة للعاطفة الجياشة والدموع المهراقة التي تحاول أن تخبئها. وبهذه النتيجة، فإن العناقات والعصر سيتضاعف، ويشتد، وتصبح غير محتملة. كل ما تريده في مرحلة العصر تلك هو أن تعود علي ظهر الطائرة المتجهة إلي أوروبا المنعشة. ولكن سميرة لم تكن في طائرة تحط في بنغازي، ولم تكن ممتلئة بالاثارة والقلق المتصاعد. كانت تسترخي بكسل في شقتها المنعشة، ملتوية حول نفسها علي الاريكة تقرأ رواية خفيفة. رواية بسيطة، كما تحب أن تسمي مثل هذه الكتب. مثل روايات عبير. “كانت الشمس ساخنة بشدة في ذلك اليوم، بينما سالي تستلقي علي العشب الدافئ، تاركة إياه يداعب ذراعيها العاريين ووجهها. بعد بضع دقائق، أحست بظلٍ طويل يسقط فوق جسدها. عندما نظرت للأعلي، رأت مارك واقفاً فوقها، ذراعيه الضخمتين متلفتين فوق صدره المكشوف، كتفيه الكبيرين جداً، غطا الشمس. جلس مارك بجانب سالي، وضع اصبعاً فوق شفتيها المغريتين…”ورن الهاتف في شقة سميرة، مقاطعاً حالة الاسترخاء اللذيذة.”تباً،” صاحت سميرة. “من المتصل؟””ألو يا قمر،” قال صوت واهن، كما لو أنه قادم من قاع بئر عميق. “قمر! من هذا،” سألت سميرة بغضب. “أوه، إنه أنا خليفة، أهاتفك من بنغازي،” قال باعتذار.”أهلاً خليفة، متأسفة لم أتعرف علي صوتك. فهو غير واضح ويبدو وكأنك تتكلم من القمر العام 1969.””ها ها ها،” قهقه خليفة بسرور. “أتكلم للقمر من القمر.””إذن، كيف هي أحوال العائلة والأمور هناك؟” سألت سميرة”حسناً، أمي بدأت تشيخ ولكنها بحالة صحية جيدة. أتوقع أن تعيش حتي التسعين. أما الأمور الأخري، فسأخبرك عندما آتي الأسبوع المقبل. أنت تعلمين الهاتف و…””أعرف، أعرف،” قاطعت سميرة. “وكيف هو الطقس؟””شفشافي،” تأوه خليفة.”ماذا، ماذا؟” أعادت سؤالها.”إنه يشوي، يشوي، شفشافي،” قال.”إنه شفشافي هنا كذلك، ضحكت سميرة إنه ساخن جداً هنا كذلك. لم أستطع الذهاب إلي أي مكان، أو القيام بأي شيء. أنني في الداخل طيلة اليوم أطالع هذه الرواية البسيطة. الجو ساخن جداً لقراء كتاب جاد.””ها ها ها، زمجر خليفة. هل قرأت ديواني الشعري الجديد، ذلك الذي أرسلته بالبريد الالكتروني (علي الإيميل) قبل بضعة أيام؟ اتذكرين، مجموعتي الجديدة.””نعم، نعم، لقد قرأتها. أعجتني ولكن أظن أنك تحتاج إلي تغيير بعض الكلمات، استعمل كلمات أقل حدة، استعمل اسلوب التلميح.””أي كلمات؟” سأل خليفة.”الكلمات الفجة، الكلمة التي تبدأ بحرف القاف.””الكلمة التي تبدأ بالقاف! “أي كلمة؟””ق ح ب ة. إنها صادمة،” قالت سميرة باشمئزاز. “ولكنني إريدها أن تكون صادمة،” أكد خليفة.”بإمكانك أن تكون صادماً بطريقة ذكية ولكن ليس بهذه الطريقة الفجة والبذيئة. هناك مئات الكلمات في العربية التي بامكانك استعمالها.””مثل ماذا؟””مثل، بنت هوي أو فتاة شارع أو مومس ولكن ليس تلك الكلمة البشعة. إنها فظة جداً، وقاسية ومهينة لمعشر النساء. بجانب ذلك، فأنت لا تستطيع أن تستعملها في الشعر، ربما في السرد، ولكن ليس في قصيدة.””هذا كلام فارغ. ليس هناك حدود للإبداع، للكاتب الحر الخيال (الروح). لا تكوني متحذلقة. لما لا نسمي الأشياء باسماءها الحقيقية؟ قحبة هي مومس، عاهرة، بغيّ، بنت هوي. ما هو الفارق الكبير؟ إلي جانب ذلك، بامكاني استعمال أية كلمة أريد واستطيع أن أناقش وحتي أن أهاجم أي شيء وأي كان، أريده. حتي الله،” تبجح خليفة. “بالطبع يمكنك استعمال اي كلمة تريد ومهاجمة أي من تريد ولكن ارجوك لا تطلق علي هذه الأبيات البذيئة إبداعاً. إذا أردت أن تكون شاعر اباحي، كاتب وضيع، سلمان رشدي آخر، فتلك مسألة تعود لك””كلا، لا أريد أن أكون سلمان رشدي آخر. لقد ذهبت بعيداً. أريد فقط أن أقول واستعمل أي شي أريده.””جيد، استعمل ما بدا لك. فقط لا تطلب مني رأيّ حينها.””حسناً، لن أفعل ذلك. هل أنت غاضبة؟””كلا، إنني أغلي فقط. وجنتاي تحترقان من الحر، ومن حرارة النقاش.””ها ها، راح يضحك. أنني آسف، لقد كانت غلطتي. لم يكن علي أن اتصرف بهذه الطريقة. لقد كنت تقضين وقتاً طيباً بقراءة كتابك الخفيف، لأكلمك من بنغازي لأمنحك وقتاً متعباً ووجنتين تحترقان. اتمني فقط لو أنني كنت بالقرب لأضع يدي علي الوجنتين الجميلتين لألطفهما.”لم تقل سميرة شيئاً.”حسناً يا قمر، علي الذهاب الآن. سأكون في لندن الإثنين القادم، وسأتصل حين أصل إلي هناك. علي فكرة، ماذا تريدين من بنغازي؟””إناء عسل صافي من الجبل الأخضر، صرة من الشاي الأخضر، وكيس من النعناع المجفف من قمينيس، وزجاجة من زيت الزيتون البكر. فأنت تعرف، اننا الليبيون لا تفضل إلا البكر.” “ها ها ها. أحب العذروات أيضاً. هل هذا كل شيء؟” راح يضايقها.”نعم. إن تذكرت شيئاً آخر، سأخبرك بالبريد الالكتروني (علي الايميل). حسناً، شكراً علي المكالمة واتمني لك يوماً سعيداً.””ها ها ها… وضعت سميرة سماعة الهاتف.”لا أصدق أنك قمت بذلك!” صاحت سميرة.”قمت بماذا؟” قال خليفة وهو يصطنع الدهشة.”أن تحضر كل هذه الأشياء من بنغازي حتي أنك خاطرت بتصوير مدرستي القديمة! كيف فعلت ذلك؟ ماذا لو شاهدك أحدهم؟ سيكون الناس مرتابين جداً وقد يتصلوا بالشرطة، أو القوات الأمن السرية، معتقدين أنك عميل، أو جاسوس، أحد اللذين يريدون اسقاط القذافي.” قالت سميرة، وهي لا تستطيع احتواء إثارتها.

ابتسم خليفة بانتصار، شاعراً بالاهمية الكبيرة، بالاعجاب، بالحب. أحس بأنه فخور بفروسيته، مغامرته البطولية، تماماً مثل سندباد. نفث دخان سيجارته، تنحنح وقال، مسترسلاً في الحديث:”حسناً، لقد ظننت أنك تطلبتي هذه الأشياء. الشاي الأخضر، القديد. المضحك في الأمر أن عائلتي ظنت أنها لي. جميعهم انكبوا في بحث مسعور عن عسل من مدينة المرج الصافي. بينما ثبت أن تصوير مدرستك القديمة كان أصعب جزء. كان عليّ أن اسأل عن الاتجاهات وظللت الطريق عدة مرات. وحين وصلت إليها في النهاية، أخذت أدور حول المدرسة منتظراً اللحظة المناسبة لأخرج الكاميرا وأبدأ التصوير.””مثل عجوز مبتذل يراقب فريسته،” قالت سميرة بمزاح.”أردت أن أصطحب أحد أبناء أخي معي ليساعدني ولكنني غيرت رأيي. كان سيخبر العائلة كلها والعديد من الأسئلة كانت ستطرح. وخاصة من قبل أمي. كانت ستجن وتبتهج في الوقت ذاته. حلمها أن تراني اتزوج فتاة ليبية مهذبة. أتعرفين، أنه في كل مرة أزورها تقدم لي قائمة طويلة بالفتيات المناسبات للزواج. صبيات، جميلات، غير جميلات، واللاتي لديهن جوازات سفر أجنبية. جوازات أمريكية، جوازات بريطانية، جوازات سويسرية، حدثي ولا حرج. فقط نقي وأختار، تقول دائماً.””هذا شنيع ومهين. أقصد بالنسبة للفتيات. ولكن البائس أن معظم الفتيات في بلادنا يردن الرحيل عنها وهن مستعدات للقيام بأي شيء من أجل ذلك. حتي الزواج بالشيطان نفسه لو تقدم بالمرة. كم ذلك يائس! ألا يعلمن بأنهن لن يحصلن علي الحرية التي يرغبنها. مواطنيهن سيعاملونهن بنفس السوء الذي تلقينه من آبائهن، أخوتهن، أبناء أعمامهن وكل الذكور الذين يقربون لهن في العائلة. فبعد سنوات من العربدة في أوروبا وأمريكا، وتجربة أصناف عالمية من العاهرات، فإن الليبي المهاجر سيبعث إلي والدته لتختار له عذراء من القرية، قطوسة في شكارة، ليفضها ويضطهدها.””ها ها ها. ليس أنا. لا أريد قطوسة في شكارة. لا أستطيع أن أتزوج واحدة تختارها لي أمي. أريد فتاة ذات إرادة قوية ومستقلة، مثلك تماماً.”اقترب منها، وضع يدها تحت ذقنها وقبل شفتيها. حاول أن يفتح فمها، ضاغطاً كرشه المنتفخ علي جسدها الغض. جفلت بعض الشيء، ولكنها استسلمت له. انتقلت شفتاه، الغليظتان كالنقانق، إلي وجنتيها الملتهبتين، عابثاً بأذنها، مطوقاً عنقها الطويلة. عملت يداه بتناغم مع لسانه، مبعثراً شعراً ناعماً، معذباً نهداً شرساً، ملاطفاً فخذاً متكبراً. قبلها في كل مكان بوجهها وعنقها مصدراً أصوت إلتهام جائعة. “آه، أنت رائعة. لديك بشرة فاتنة، ناعمة كمؤخرة الطفل. هل كان لديك حب شباب؟ كم هو رقيق أنفك. ثغرٌ شهي. كم أنت جميلة، كم انت غضة،” مندهشاً من جمالها. “هل تتزوجينني؟” سأل خليفة بصوت كالهفيف. انتشت سميرة لسماعها ذلك ولكن لم يكن من الممكن أن تبوح بهذا. ولكنها احتجت بخفوت، “هل أنت متأكد؟””بالتأكيد! لم أكن متأكداً في حياتي كلها علي الإطلاق مثلما أنا الآن. آه، أنت لا تعرفين كم أشتهيك. أشتهيك، أريدك،” قال، مصدراً أناتٍ متنافرة. تلوت سميرة مبتعدة عنه، حدقت في عينيه الدقيقتين، بحجم ثقوب صغيرة في بسكويت مصنوع في البيت، صاحت بصوت عالي:”وأنا أحبك يا خليفة”مر وقت منذ أن أتصل خليفة. شهران بالتحديد. أتصل بها هاتفياً وترك رسالة صوتية قائلاً أنه يريد أن يختفي لبعض الوقت. شهران من العذاب المحض. حاولت سميرة خلال هذين الشهرين مهاتفته مرات عدة. في كل مرة ترفع فيها السماعة لتتصل برقمه، ترتجف أصابعها، يرعد قلبها، وتذوب ساقيها. كل رنة في شقة خليفة تضاعف جرعة العذاب، ترتجف أصابعها وساقيها بشدة، أحشائها تصدح أعلي وأعلي. كان شيئاً لا يطاق. كان ذلك مخزياً ومهيناً. مكالمته، تعقبه، داعية الله أن يرفع سماعة الهاتف. لتصرخ في وجهه، لتلعنه، لتستعطفه، لتتوسل إليه من أجل فرصة أخري، أن لا يتخلي عن حبهما. ولكن أي حب؟ فهو لم يستعمل كلمة حب، لم يقل أنه يحبها. قد قال إشتهاء، بالتأكيد. ولكن ليس حب أبداً. “أه، انت تسألين عن خليفة؟ الخليفة المنحل،” قال سامي بسخرية. “كلا، لم نسمع منه منذ وقت طويل. لدي خليفتنا المنحل عادة سيئة للإختفاء لأشهر ثم الظهور مجدداً بشكل مفاجئ، منتعشاً وجائعاً للمزيد من الملذات، للمزيد من النساء. آه، إنه خليفة نموذجي فهو يعيش لملذاته. يدخن بكثرة، يشرب بكثرة، وهو دائماً في حالة حب. لا يهم كم هي مسنة أو بدينة، أو بلهاء ما دام لديها فرج يمكن استعماله. زوجتي تعتقد أنه أبي نواس مجسداً، الخلاعة بلحمها، غير أن أبا نواس كان أكثر فحشاً وأكثر موهبة ابداعية. إذا أمسكت به، أخبريه أن صديقه سامي يبحث عنه.”وضعت سميرة السماعة، يداها ترتجفان، قلبها يرتعد، ساقيها تذوبان.

عيناه الدقيقتان المنتفختان، شعره الخفيف، وكرشه الضخمة جعلته يبدو كنجم موسيقي روك مسن. بطل شعبي. مثل شخص تعبده، كبوب ديلون، ولكن بدون الموهبة والهارمونيكا. بدا أنه قد ازداد في الوزن، أرطالاً من الشحم. كان يرتدي سترة جلدية قديمة ورثة وخاتمين أو ثلاثة غريبة الشكل. لم تكن سميرة تعتقد أبداً أنه يمتلك ذوقاً قبيحاً وجريئاً في اختياره لملابسه. كان يربي لحية صغيرة علي ذقنه، جعلته يبدو مثل تيس ماعزعجوز شرس. كان بارداً، قاسياً، لئيماً، متوهجاً بالنوايا الشريرة. “أسفة علي تأخري، قالت سميرة. فقد أنتهيت تواً من عملي. واعتقدت أن المسألة لن تستغرق عشرة دقائق من العمل إلي محطة (جرين بارك). ولكن المواصلات..””لا عليك،” قاطعها خليفة. لكنني لا أستطيع البقاء طويلاً. لم أكن أعرف مسبقاً أنني سألتقيك اليوم. فقد خططت للقاء صديقي سامي.””حتي من أجل قدح من القهوة!” اعترضت سميرة.”نعم، بالتأكيد. (لا مشكلة)”سارا من محطة (جرين بارك) إلي أقرب مقهي. ستاربكس. لم تحب سميرة مقهي ستاربكس أبداً. قهوتها لاذعة وكعكهم غير شهي، هكذا ظنت دائماً. ولكن ذلك لا يهم هذه المرة. القهوة، المكان، الأشخاص لم تعد تهم. ما يهم هو أن تراه مجدداً، أن تتحدث معه وجهاً لوجه، لتعرف ما الخطأ بالضبط. ما الذي حدث؟ لماذا اختفي؟ لماذا رفضها، رفض حبها. وما الذي استدرجه للخروج من عرينه هذه المرة؟ إمرأة أخري، فريسة أخري! ربما.”أخبرني خليفة. ما الأمر الذي حدث؟ لما اختفيت؟ لماذا تغيرت؟” قالت سميرة بصوت مضطرب ومرتجف “حسناً، لم يحدث أي أمر. بالأحري لم يكن هناك شيئاً ليحدث فبعد أن عدت إلي نيويورك، اكتشفت أن لدينا مشكلة تكافؤ. هناك فجوة ذهنية، فجوة فكرية بيننا. لقد خيبت أملي بعمق (بشدة). فأنت تفتقرين للفطنة. أنا كاتب، فنان مبدع، وحبك الجامح كان سيطفئ إبداعي، سيربك شخصيتي، سيخنقني، سيقتلني ككاتب، كشاعر، كروح حرة،” قال بصوت حاد، ينضح بالقسوة. لم تتفوه سميرة بكلمة واحدة.

ولكنه قال أنه اشتهاها، أنه أرادها، أنه لم يصدق حظه بالعثور عليها. فتاة أحلامه، نصفه الآخر. أو أنه قد ذكر علي الأقل أنه يمكن أن يحبها، أنهما سيكونان سعيدان معاً. “إلي جانب، قال بتعالي، أنني لا أحبك. أنت لست فتاة أحلامي. أريد شخصاً مختلفاً، شخصاً مميز، شخص مثل تلك السيدة اللبنانية التي ألتقيتها في مؤتمر بفرنسا. لا تخطئ فهمي، صحيح أنها متزوجة وكبيرة في السن بعض الشيء ولكنني أريد شخصاً مثلها، وليس أنت،” قال خليفة مستهجناً. الصوت الرقيق الذي استخدمه لمغازلتها قد أختفي كليةً، وتحول إلي توبيخ لاذع حقود.

أرادت سميرة أن تصرخ من العار، أرادت أن تتوسل إليه لأن يتراجع عن كل كلمة كريهة نطق بها، أرادت أن ترمي بنفسها علي الأرض، أرادت أن تضرب رأسها علي الجدار وتنتحب بأعلي صوتها – مثلما تفعل مواطناتها الليبيات عندما يدفن طفلاً، أباً، حبيباً. أرادت أن تنهي هذه المسرحية الواقعية، بنكهة ليبية مميزة. أرادت أن تلقي خطاباً، أن تترك أثراً ما. أثرٌ مؤلم لا يمحي. ولكنها لم تفعل شيئاً من ذلك. فقط مسحت دموعها الملتهبة وقالت:”كفي أرجوك. كل ما أريده منك الآن هو أن تتركني لوحدي، أن تنسي أنك ألتقيتني أبداً، أنك عرفت فتاة أسمها سميرة.””ولا حتي إيميلات؟” أحتج بخفوت.”كلا”، قالت سميرة بصرامة. “ولا حتي إيميلات.”أيها الفتي، لقد سمعت أن أمك أعطتك قائمة، أجلستك ومنحتك أمنية.

أنتقي يا ولدي، أنتقي أي واحدة تريد، طويلة، قصيرة، صغيرة، سمينة، أو حتي نحيفة.

أختر يا ولدي، أي واحدة تريد.

أسعد أمك، أفرحها.

قلتَ: حسناً يا أمي، وتصرفت كالطفل الشقي، أخترت بقرة سمينة تسير كالبطة وتئن كالقطة.

سعيدة بملاحقتك، سعيدة بأن تكون في ظلك، أن تلعق يداك وأن تكون جاريتك.

لا تنسي أن تطعم البقرة يا ولد، لا تنسي أن تحبلها سريعاً.

عليك أن تسعد أمك، أن تفرحها.

أيها الفتي، لم أعد حزينة عليك.

رجلٌ كريه، حقير، بارد القلب مثلك، ليس مخلصاً، ليس وفياً.

أنت لا تستحق السعادة، لا تستحقني، ربما بقرة سمينة ولكن ليس واحدة مثلي. الحب، الإخلاص، الوفاء، الصدق، كلها سلع بالنسبة لك.

أنت لا تستحق السعادة، لا تستحقني.

لذا، اذهب أيها الولد اذهب، لتفرح أمك.

هكذا غني بوب ديلون الرائع. أم هل كان ذلك مغني الراب ايمينيم؟

سعاد الرقيق: كاتبة من مواليد مدينة بنغازي شرق ليبيا، تكتب القصة القصيرة والرواية باللغة الانجليزية، تقيم بمدينة لندن البريطانية منذ العام 1995 وتعمل في مجال الترجمة إلي جانب التدريس بكلية لندن للعلوم الاقتصادية، مركز اللغات* غازي القبلاوي: كاتب ومترجم من ليبيا يقيم بلندن – بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية