رشاد أبوشاور أنشودة تعود إلي الستينات من القرن العشرين، تجددت في العام 2006 عبر فضائيّة (المنار) ليست هي الأنشودة الوحيدة التي بعثت حيّة في أتون معركة التصدّي للعدوانيّة (الإسرائيليّة) علي لبنان، فنشيد (الله اكبر) الذي ارتبط بمعركة مصر الناصريّة في مواجهة العدوان الثلاثي عام 56، وأنشودة (إبنك يقلك يا بطل هات لي النهار) التي تعود إلي العام 67، قالت لنا بأن معركتنا مستمرّة… بهذه الأناشيد التي خاطبت وجداننا وذاكرتنا وانتماءنا، ازددنا قناعةً بأن هذه الحرب علي لبنان من قري ومدن وبلدات الجنوب اللبناني خّط الدفاع الأوّل، حتي عمق لبنان، مروراً بعاصمته الباسلة بيروت، هي امتداد لحروب ومعارك خيضت دفاعاً عن وطن واحد، وأمّة واحدة، ومع عدو واحد لم يتغيّر، ولا تغيّرت أهدافه.
السلاح الصاحي هو الذي مكّن المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة، من مفاجأة عدو هائل القوّة، معتاد علي الانتصارات غير المكلفة… حتي المعارك التي ألحقت بهذا الــــعدو المتغطرس، المدعوم أمريكيّاً، والمتواطأ معه أوروبيّاً، هــــزائم غير كاملة، كمعركة (الكرامة) ـ معركة الفدائيين والجيش الأردني ـ وحرب تشرين 73، وصمود بيروت، وطرده مدحوراً ذليلاً عام 2000، لم تكن تكفي لجعله يكف عن عدوانيته وعنجهيته، ويقلع عن خطابه الاستعلائي، ويتخلّي عن جشعه في التهام أراضي الفلسطينيين، والسوريين، واللبنانيين… باندفاعه للحرب المبيّتة، إثر أسر رجال المقاومة اللبنانيّة اثنين من جنوده، وقتل ثمانية، وجرح ثمانية عشر، ووجه بالسلاح الصاحي، وبأن حربه هذه لن تكون نزهة، وأنه في كل تقدّم مهما كان طفيفاً في أرض لبنان، سيدفع خسائر فادحة لا قبل له بها.
في الأيّام الأولي للحرب تأكّد العدو أن لبنان ليس ضعيفا، وأنه قوي بمقاومته، بعد أن تمرّس في معارك التحرير، وأنهي مقولة أن (قوّة) لبنان في (ضعفه). تعطّلت الآلة العسكريّة الصهيونيّة أمام مقاومة ضارية في القري المتاخمة لحدود فلسطين المحتلّة، وباتت قري (مارون الراس) و(بنت جبيل) و(عيتا الشعب) و(العديسة) و(الطيبة) و(عيترون) و.. عناوين لنشرات الفضائيات، فالعدو يتقدّم منها، ثمّ يلوذ هارباً من جحيم أعدّه حماتها المتحفزين بسلاحهم الصاحي… السيّد حسن نصر الله قال أكثر من مرّة بأن العدو يمكن أن يتقدّم داخل الأرض اللبنانيّة، ولكنه لن يبقي في أرض لبنان، لأن ارض لبنان ستكون مقبرةً له. من عادة العدو في حروب خلت أنه عندما كان يواجه بمقاومة، كان يعمد إلي ترك الموقع المقاوم، ويلتف حوله، مواصلاً هجومه، وبهذا يعزله ويسقطه، هذا ما فعله في سيناء، في حزيران 67، وحتي في تشرين 73، وما يمكن قراءته في مذكّرات قادته العسكريين، وحتي في مذكرات بعض القادة العسكريين العرب… في هذه الحرب، وهي حرب شعبيّة لا جنرالات فيها، ولا (جيوش)، كان عبور بعض الدبابات والوحدات العسكريّة يضعها في حالة حصار، ومرمي نيران، فالمقاومون يمكثون في قراهم، وجبالهم، وشعاب وديانهم، وهم بصواريخهم يصطادون (الميركافا)، وبالبنادق والرشاشات يحصدون قطعان الجنود.
ملايين العرب شاهدوا البرنامج الذي أعدّه الإعلامي غسّان بن جدّو للجزيرة مساء السبت 19 الجاري، عن قرية واحدة من قري الصمود والبطولة في الجنوب.
ماذا رأينا؟ الإنسان اللبناني المقاوم الذي هو مفاجأة الحرب الأولي، الإنسان الذي حفر تحت القرية أنفاقاً، وطلع من دمارها للعدو المندفع بصلف ووحشيّة فباغته وجهاً لوجه، فضربه علي وجهه وقفاه، وأحرق بيته الآمن (الميركافا) فباتت تابوتاً، فبهت الذي اغتر، وتربّي علي مقولة (موشي دايان): العرب لا يقرؤون، وإن قرأوا لا يستوعبون، مضيفاً بعنصرية متمادية: طياروهم شوفيريّة طائرات وليسوا قادة طائرات (وعلي هذا الفكر العنصري قس، فهم يرون في العربي كائناً غير جدير بالتعلّم)! السلاح الصاحي هو الإنسان الذي رأيناه بكامل عدّته الإيمانيّة، الثقافيّة، النفسيّة، الأخلاقيّة، في برنامج غسّان بن جدّو: أبو يوسف والد شهيد سقط أمامه، معتقل سابق لسنتين في سجن الخيام الرهيب، الذي زرته قبل ثلاث سنوات ولا أستطيع الحديث عنه ـ فالشوف ليس كالسمع ـ ولكنني طيلة تأملي للزنازين، وأدوات التعذيب، كنت أتساءل: هل يمكن لإنسان أن يخرج حيّاً من هذا (المكان)، وإن خرج هل سيكون بعقل سليم، ونفس سليمة؟ لم أستغرب عندما قال ذلك المقاتل الذي يبلغ أكثر من الخمسين بأنه قرر أن ينتقم مّمن عذّبوه في سجن الخيام، وأنه يقاتلهم بكّل العذاب الذي أذاقوه له في السجن. من هم؟ الصهاينة وعملاؤهم في (دولة الشريط الحدودي ) … ما رأيناه كان جزءاً صغيراً مما أعدّه حزب الله ومقاومته، وما خفي أعظم، فإن (عاد ) العدو للمغامرة، وهو ضبع جريح، شرس، لئيم، مخادع، فإن حسابه سيكون أشّد.. بعد ساعات من مشاهدتنا برنامج غسّان بن جدّو، هاجمت وحدة من جيش العدو قرية (بوداي ) قرب (بعلبك)، و.. فشلت كما فشلت إنزالات رفع المعنويّة الرامبويّة من قبل، واعترف العدو بمقتل ضابط وجرح جنديين أحدهما جراحه خطيرة.
كدأبه كذب العدو وتخبّط، فتبريراً لعدوانه وخرقه قرار الأمم المتحدة 1701، ادعي أن القصد من العمليّة إفشال تهريب سلاح من سورية وإيران لحزب الله، وأيضا قال ان الغرض من العمليّة اختطاف أحد قادة حزب الله!
لو لم يكن سلاح المقاومة الشعبيّة في تلك المنطقة صاحي، أما كان العدو سيسرح ويمرح، مستخفّاً بسيادة لبنان؟ لا قرارات الأمم المتحدة، ولا القوّات الدوليّة، تكفل وتضمن سيادة لبنان أو غير لبنان، فقوة أي بلد هي سور حمايته وسيادته.
ما ان أعلن عن وقف إطلاق النار حتي لعلعت أصوات، وتطاولت علي المقاومة، وحزب الله، وحاولت النيل مّمن بات رمزاً لمقاومة العرب والمسلمين، السيّد حسن نصر الله، ورفعوا الكلفة معه وكأنه مثلهم زعيم حارة، أو ممثّل جزء من طائفة، وعادوا لنغمة تسليم سلاح حزب الله… لو لم يكن السلاح صاحي من كان سيتصدّي لإنزال العدو قرب بعلبك؟!
سلاح المقاومة الصاحي هو الذي سيعيد مزارع شبعا، ومرتفعات كفر شوبا، ويحرر الأسري، ويردع عدو لبنان من العربدة في سمائه، وبحره، وعلي أرضه، سلاح لبنان الصاحي هو الذي يحمي سيادته…