القصة عماد أي فيلم يتحدى الملل:
محمد بنعزيز عرضت في مهرجان طنجة المتوسطي للفيلم القصير ضمن المسابقة الرسمية، الفيلم الأول كان ‘ندوب’ لمهدي الطاهري عن طبيب نفسي يستغل ضحاياه، فيلم عن شخصين في غرفة بحوار هزيل، مع أن التصوير في فضاءات مغلقة يقتضي حوارات قوية لماحة لتعوض محدودية ما يرى. الممثلة كانت ممتازة في أدائها – لدور مريضة مزعومة الذي تطلب مشاعر متقلبة، قطعت قضيب الدكتور ووضعته في بلاستيك ورفعته إلى أعلى… لم يخطر الجمهور على بال المخرج حين كان يكتب، لقد بحث عن إحداث الدهشة فجنى التقزز. صحيح أن حرية المبدع مقدسة، لكن هل يستطيع أن يتجاهل السياق السوسيولوجي الذي يتحرك فيه؟ نتيجة هذا التجاهل يعطي مخرجون متشوقون للشهرة الناطقين باسم التيار المحافظ في المجتمع المغربي فرصة للتسديد على السينما… مخرجون لا يرون أبعاد ما يفعلون. الدليل؟ ‘حين شاهدت الفيلم في طنجة عرفت لماذا صورته’، هذا ما اقر به مهدي الطاهري لبرنامج صورة على القناة الثانية 16-10-2010. الفيلم المغربي الثاني كان الروح التائهة لجيهان البحار يحكي عن فنان يعاني أزمة إلهام، وبما انه رسام فقد جعلت المخرجة شخصيات لوحاته تتحاور لتكشف له أزمته، يجد راحته في قتل أبيه، لكن والده حي… يقرر ان يزوره ليجدد صلته بجذوره.. هكذا وجدت الروح التائهة سبيلها، بفضل استخدام شخصيات اللوحات كرسوم متحركة، أخرجت البحار سؤال الإبداع من جمجمة الفنان وعرضته بصريا.. الملاحظ أن الكثير من الأفلام المغربية تتناول هذا الموضوع. لماذا يجد الفنان المغربي صعوبة في ابتكار الجديد؟ يبدو أنها ازمة خيال. أزمة ثقافة، كثيرون ممن التقيتهم في مهرجان طنجة لا يطالعون حتى خمسة كتب في السنة. لذا فإن الافلام المغربية القصيرة، رغم جودة الصورة، لا تمنح إحساس العمق الدلالي الذي ميز الأفلام التركية واليونانية. الفيلم الثالث ‘المنحوتة’ ليونس الركاب، يبدأ بلقطات القبيلة الشرسة تطارد شابة حاملا بسبب قصة حب مجهولة… تلجأ الشابة إلى بيت رسام معزول وسط الغابة… في لحظة المخاض تأتيها امرأة وتشرف على ولادتها… تكبر الطفلة… وتجد لدى الرسام منحوتة عزيزة… لقد قتلت الشابة بعد الولادة… صنع لها الرسام منحوتة يذكره بأيام حبه… يتلمسها مثل بجماليون مع حبيبته من الرخام… بينما يغرق الرسام في الذكريات تتولى المرأة التي أشرفت على الولادة تربية الطفلة… للتوضيح يستخدم يونس الركاب الفلاش باك ليفسر الحاضر بالماضي، تتقدم الأحداث، وفي اللحظة المناسبة تدرج لقطة فلاش باك لتفسر ولتدفع الحدث، فلاش باك جيد رتق شرخ الزمن، يدفع الأحداث إلى الأمام بدل أن يكسر خطية السرد… هذا فيلم يحترم البنية السردية للقصة الموباسانية، لا نكتشف الحقيقة إلا في السطر الأخير… وبذلك يبقى التشويق على أشده… كل فيلم يشبه مخرجه… الفيلم الرابع ‘حياة قصيرة’ لعادل الفاضلي عن حياة شخص منحوس مدتها 40 سنة في أكثر من عشرة أمكنة عبر فلاش باك في 16 دقيقة، تم استخدام راو لرتق القفزات في الزمن… حين يسكت الراوي يرتفع الكثير من الصراخ… راو لا يضيف بل يفسر ما نراه لأن الصور لا تفسر نفسها… هذا مشوش، لكن الجانب التقني للفيلم قوي جدا… فالراوي يتحدث بنبرة متميزة، المؤثرات الصوتية متقنة… الإضاءة المتحركة وتصوير المطر وصدمة حادثة سير يظهر أن الفاضلي قد استهدف بالدرجة الأولى استعراض قدراته التقنية في الإخراج… ماذا لو حصل عادل الفاضلي على سيناريو عميق ووظف فيه مهاراته؟ الفيلم الخامس ‘أبيض وأسود’، يطابق اسمه لونيه، عن سيدة أعمال تتعطل سيارتها في الطريق فيجرها بغل إلى كراج ميكانيكي لتصليحها. في اللقاء يتضح أن السيدة الثرية تحت ضغط الزمن لتصل إلى موعد مهم… بينما الميكانيكي لا يعد الزمن. إنه لقاء بين البرجوازية والبروليتارية المغربية، الأولى تعد الزمن بالدقائق والساعات، بينما الثانية تعد ‘النهار طويلا’. يتحرك الميكانيكي ببطء فتغريه المرأة بمضاعفة أجره… في هذا اللقاء الكوميدي بين عالمين ومنظومتين قيميتين، تظهر التناقضات، فسيارة المدام رقمية، وزوجها يهدد بتطليقها إن لم تصل في الوقت… بينما الميكانيكي لم يدخل العصر الرقمي بعد، يعلن انه يخاف السيارات الإلكترونية… يطلب أخذ أجرته فقط، بينما المدام كانت تفتش حاجاته وتسرق ما يناسبها… نجح الميكانيكي في ترقيع سيارة كولف جديدة من قطع سيارة كولف قديمة… صفق الجمهور الذي تعاطف مع الميكانيكي.. جمهور كثير، فقد كانت قاعة سينما روكسي تمتلئ عن آخرها تحت وفوق عندما يعرض فيلم مغربي، كانت الأفلام القصيرة المغربية في موقع مشرف، لجيل جديد من المخرجين الشبان، سيتربون في المهنة. واضح أن الجمهور يتفاعل بقوة مع الأفلام التي تقدم قصة، بغض النظر عن موقع الكاميرا. القصة هي عماد أي فيلم يتحدى الملل. ناقد سينمائي من المغرب