خمسون عاما على حريق الأقصى.. حرائق يومية في القدس وورقة في أيدي الساسة لخدمة المصالح الانتخابية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

قبل خمسين عاما فكر جزار غنم استرالي شاب بمؤامرة اعتقد أنها ستكون بداية لعودة السيد المسيح الثانية وبالتالي نهاية العالم.

وكان دينس مايكل روهان في الثامنة والعشرين عندما جاء إلى القدس ونيته حرق المسجد الأقصى تحقيقا لنبوءة أدمن على سماعها في راديو تبشيري “راديو كنيسة الرب” واستمع لمواعظ مذيع ديني أمريكي اسمه هيربرت دبليو أرمسترونغ والذي قال إن نهاية العالم ستكون بعد حرب عالمية مركزها القدس.

وفي 21 آب (اغسطس) 1969 حمل روهان قارورة مليئة بالكاز وبدأ بها حريق أتى على أجزاء من المسجد الأقصى ومنبر صلاح الدين وعمره 800 عام.

قيل إن روهان تصرف وحيدا مدفوعا بمعتقداته الدينية وما سمعه من المبشرين الإنجيليين الذين يعتقدون أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة ستعجل بعودة المسيح ونهاية العالم، فيما ترى أقلية منهم أن أقصر طريق للنهاية هو حرق المسجد الأقصى الذي يؤمن المسلمون أنه المكان الذي عرج منه النبي في طريقه إلى السماء. كانت عملية حريق الأقصى نقطة تحول في العالم الإسلامي وأدت لتظاهرات في كل الدول الإسلامية على الأقل في ذلك الوقت.

ورغم ما قيل من تاريخ روهان في المرض النفسي ووضعه في مشفى للأمراض العقلية، إلا أن ما فعله في ذلك اليوم لا يزال يتردد صداه إلى اليوم بل وزادت حدة المؤامرة على الأقصى والقدس في ظل ما يتعرض له هجمات يومية من المتطرفين اليهود الذين بات دخولهم ساحات الأقصى حالة شبه يومية. وتجرأ هذا اليمين لأن الذين يؤمنون بنبوءة عودة المسيح ناشطون وأكثر حماسا لقضيتهم من ذي قبل. وكان احتفال نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس العام الماضي تذكيرا بعودة طموحات الإنجيليين الذين يشكلون قاعدة الرئيس الأمريكي، بل وخطة السلام أو ما تعرف بصفقة القرن تحمل آثار اللوبي الإنجيلي، من ناحية استبعاد القدس من المسألة وحرمان الفلسطينيين من عاصمتهم ودولتهم. فمثل إنجيلي ترامب قال روهان أمام المحكمة أنه كان يحقق إرادة الرب كما تعلمها من الأنجيل: “أمرني الرب لأنني أطعته” وقال إن محاكمته هي أهم محاكمة في العالم منذ محاكمة السيد المسيح وكما أشارت محطة “إي بي سي” الأسترالية (23/8/2019) في تقرير لها عن مناسبة الحريق فقد انتعشت الحركة الإنجيلية في عهد جورج دبليو بوش لتتراجع في ظل باراك أوباما ولتعود مرة ثانية في ظل إدارة ترامب. ومن هنا فما يجري في الأقصى ينعكس على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والعكس.

ورقة الاستيطان

ولأن القدس خارج المعادلة، على الأقل في العملية السلمية بالنسبة لهذه الطائفة، فإنها ستطل نقطة ساخنة وفي كل يوم حيث تلجأ الشرطة الإسرائيلية إلى إغلاق المدينة المقدسة أمام الفلسطينيين ومنع صلاة العيد ليرد الفلسطينيون بإلغاء الصلوات في كل المساجد والتدفق على الحرم القدسي. وما يجري في الضفة الغربية أو غزة ينعكس على حالة القدس وحرية الحركة للمقادسة من وإلى الحرم القدسي. فأي هجوم أو عملية تؤدي إلى إغلاقات واستفزازات من المتطرفين الذين باتوا رأس الحربة في حركة إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى. ويدخل هؤلاء بحماية الشرطة وأحيانا بزيارات استفزازية من الساسة. ولأن إسرائيل تعيش في موسم انتخابات، فكل شيء ممنوع يصبح حلالا وكل محذور يتم تجاوزه، فبعد شرعنة ترامب ضم القدس ونقله السفارة الأمريكية ومنحه إسرائيل السيادة على الجولان أصبح الحديث عاديا عن ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها. ففي تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” (22/8/2019) عن زيارة بنيامين نتنياهو مستوطنة بيت إيل التي يفصلها عن رام الله جدار اسمنتي ومحاولته جذب أصوات المستوطنين حيث قال وهو يضع حجر الأساس لوحدات سكنية “مهمتنا تسكين الشعب اليهودي في أرضه وسنعمق جذورنا في وطننا القومي، في كل أجزائه”. ويبدو أن نتنياهو تخلى عن استراتيجيته السابقة التي ركز فيها على مكانته الدولية وموضوع إيران لإقناع الناخب الإسرائيلي أنه قادر على حماية أمنه، والتفت بسبب ملاحقات الفساد له إلى الداخل وبالتحديد أصوات المستوطنين الذين عادة ما يسترضيهم حزب الليكود بوعود مثل ضم الضفة أو بناء كتل جديدة على أراضي الفلسطينيين.

فالقدس والضفة هما قضيتان تجمعان اليمين المتطرف الإسرائيلي، فهو وإن اختلف حسب استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلية حول موضوعات مثل تقليل سلطات المحكمة العليا وقضايا أخرى إلا أنه متحد في معتقده الديني بأن الضفة الغربية منحت لليهود في التوراة. وقال يواف كيش، عضو كنيست من حزب الليكود الذي يرأسه نتنياهو: “يجب ألا نتخلى عن هذه الأرض.. اينما كان هناك يهود يجب أن تكون اسرائيل”.

ولذلك يميل الناخب اليهودي للتصويت لأحزاب يمينية تعد بضم ما يسمونه يهودا والسامرة. وفي الأسابيع الأخيرة تمت المصادقة على بناء 6000 آلاف وحدة استيطانية جديدة في عمق الضفة الغربية.

وفي جهوده هذه ساعد نتنياهو حليفه ترامب. فقد انتقل البيت الأبيض الذي كان يصور نفسه على أنه وسيط محايد في الصراع العربي الإسرائيلي إلى ازدراء معلن للسلطة الفلسطينية.

خطة مجهولة

وتقوم إدارة ترامب بالترويج لخطة سلام أشرف عليها زوج ابنة ترامب، جاريد كوشنر برسمها وبدون استشارة للقيادة الفلسطينية. وتجنب كوشنر في المقابلات الحديث عن دولة ثانية بل تحدث بدلا من ذلك عن محفزات اقتصادية وحكم ذاتي محتمل. واعتبر المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” (21/8/2019) توماس فريدمان أن خطة السلام أصبحت مهزلة. وناقش في مقاله أن لا طرف من الأطراف لديه خطة واضحة، لا ترامب الذي يستخدم خطة السلام كوسيلة لجمع الأموال وتمويل حملة إعادة انتخابه من أصحاب رؤوس الأموال اليهود، و”المساهمة الوحيدة لترامب فيها هو استغلالها من خلال التعبير عن دعمه لنتنياهو من أجل الحصول على تبرعات شيلدون إديلسون واصوات اليهود في فلوريدا، ولو لم يكن ترامب راغبا بنشر خطة كوشنر فلن يتم الكشف عنها”. وفي مقاله استعرض الفراغ لدى كل الأطراف في العملية السلمية وانتقد كوشنر الذي صمم خطة السلام لكي تخدم مصالح نتنياهو. وقال إنه لا الحزب الديمقراطي المتمسك بحل الدولتين ولا دعاة مقاطعة إسرائيل الداعين لإنهاء الاحتلال ولا الفلسطينيين المنقسمين لديهم رؤية عن السلام. ويرى أن الفلسطينيين بحاجة لخطة إنقاذ خطة السلام. وليس لدى فريدمان رؤية غير ما فعله أرييل شارون في غزة عام 2005، فهو يتطلع لزعيم إسرائيلي ينسحب من الضفة الغربية تاركا الاقتصاد والشؤون اليومية للفلسطينيين والأمن للجيش الإسرائيلي، أي كيان محاصر مثل غزة والفرق هنا أن الضفة ينقصها الترابط الجغرافي بسبب المستوطنات التي يدعو إلى تقديم حوافز للمستوطنين في قلب الضفة وليس القريبة من القدس أو الكتل الاستيطانية الكبرى لتركها وإلا انتهى حلم الدولتين وبقي حلم دولة لشعبين مما يعني صراع مستمر.

قرار سياسي

ولا حل للمستوطنات طالما خدمت مصالح الساسة في الانتخابات مثلما يحدث في القدس، فعندما يحرم المسلمون من دخول الأقصى ويسمح للمتطرفين اليهود بدخول ساحته وبحماية الشرطة يتم هذا بدعم من “مسؤولين سياسيين بارزين” كما قال قائد شرطة منطقة القدس دورون يديد. وجاء بتقرير في “كريستيان ساينس مونيتور” (12/8/2019) إن فتح أبواب الحرم للمتطرفين اليهود جاء بطلب من حلفاء نتنياهو القوميين اليهود خاصة أن إسرائيل ستتجه الشهر المقبل للانتخابات. وزادت في السنوات الأخيرة اقتحامات المتطرفين اليهود للأقصى في محاولة لتحدي الوضع القائم فيه. ويخشى الفلسطينيون من محاولات إسرائيل السيطرة على الحرم أو تقسيمه.

توتر مع الأردن

 ولا ترضى الاستفزازات المستمرة في الأقصى الأردن الذي يتولى الوصاية على الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس، حيث استدعت وزارة الخارجية في 18 آب (أغسطس) السفير الإسرائيلي في الأردن للاحتجاج على الاقتحامات المستمرة للأقصى. وبعد يوم دعا النواب في البرلمان لطرد السفير الإسرائيلي من عمان وسحب السفير الأردني من تل أبيب وإعادة النظر في اتفاقية سلام وادي عربة الموقعة عام 1995. وغضب الأردن نابع من سماح الشرطة الإسرائيلية للمتطرفين اليهود دخول الأقصى والمسلمون يحتفلون بعيد الأضحى، مما أدى لاشتباكات بين المصلين والشرطة التي أطلقت الغاز المسيل للدموع وجرح العشرات من المصلين. وزاد التوتر الدبلوماسي بين الأردن وإسرائيل عندما دعا وزير الأمن العام غيلاد إردان السماح لليهود بالصلاة في الأقصى، حيث أكد على أهمية التوصل لهذا الترتيب باتفاق لا بالقوة. وأشار تقرير بموقع “المونيتور” (22/8/2019) إلى تكرار عمليات دخول الأقصى والذي لم يقتصر على دعاة هدمه بل وزراء في الحكومة الإسرائيلية بشكل أثر على العلاقة الأردنية- الإسرائيلية. خاصة أن جون كيري، وزير الخارجية السابق رعى في تشرين الأول (اكتوبر) 2015 اتفاقا بين الأردن وإسرائيل تم فيه التأكيد على الترتيبات القائمة وأشترط فيه أن لا يسمح للزوار غير المسلمين بدخول الأقصى يوم الجمعة والعطلات الدينية، ومن هنا فالسماح للمتطرفين اليهود بدخول الحرم يوم عيد الأضحى يعتبر انتهاكا واضحا للاتفاق.

وأصبحت الوصاية الأردنية على الحرم الشريف موضوعا حساسا للملك عبد الله الثاني في ظل محاولات إدارة ترامب تمرير صفقة السلام. وحذر الملك في آذار (مارس) من صفقة تؤثر على دور الأردن في القدس. وكشف أنه يتعرض لضغوط من أجل تغيير دوره التاريخي كحارس للأماكن الدينية في القدس. جاء هذا في ظل تقارير تحدثت عن تطلع السعودية لتولي الوصاية بدلا من الأردن، إلا أن الرياض لا تزال تدعم دور الأردن من الناحية الرسمية.

حرمان

وعلى العموم تنص التعاليم اليهودية على حرمان اليهود من زيارة مكان الهيكل أو حتى الصلاة فيه، ومن يفعل هذا يعتبر نجسا. وكما يقول المفاوض الإسرائيلي السابق يوسي بيلين فمن يدخل الحرم الشريف من اليهود هم من العلمانيين أو المتطرفين القوميين اليهود الذين تعني لهم السيادة على المكان الكثير وكذا رفع الإسرائيلي فوقه. وأشار في مقال نشره موقع “المونيتور” (19/8/2018) إلى أن سبب المشاكل يوم عيد الاضحى هي تزامن احتفال المسلمين بالحج مع ذكرى خراب الهيكل الأول والثاني أو “تشعا بآب”. وقال إن الكثير من المقترحات نوقشت بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشأن الحرم ولم يتم تبني أي منها لأن المزاعم شبه التاريخية ونصف الدينية كانت تحوم فوق كل حل. ويشير بيلين إن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تذكر في شبابه رؤية اليهود يصلون بين حائط البراق وحارة المغاربة التي دمرتها إسرائيل عام 1967 لأنه كان يعرف أن اليهود لا يستطيعون الصلاة في الحرم. وكان يقول أن المعبد اليهودي لم يبن في القدس بل في مكان آخر في الضفة. ويضيف بيلين أن الحل المنطقي للأزمة كان في مبادرة جنيف عام 2003 حيث اقترح نقل السيادة على المكان للفلسطينيين من خلال المفاوضات والاعتراف بحائط البراق أو الغربي بأنه تابع للسيادة الإسرائيلية. ويعلق بيلين على مزاعم اليمين الإسرائيلي أن إسرائيل فشلت بفرض السيادة على الحرم قد تكون صحيحة وهذا لا يعني أنه يجب فرض السيادة الإسرائيلية عليه. بل على العكس يجب على إسرائيل إعادة التفكير بأهمية السيادة التي لا يعترف بها أحد، حتى إدارة دونالد ترامب. فمن خلال التخلي عن السيادة على الحرم هو بالضرورة تخل عن شيء لا تملكه إسرائيل وليست بحاجة لملكيته. ويرى بيلين أن السيادة في المستقبل تنقل إلى الى الفلسطينيين أو هيئة إسلامية ويتم إنهاء الوضع القائم الذي فرضته إسرائيل بعد احتلالها القدس الشرقية. ويرى أن سيادة الفلسطينيين على الحرم لا تمنع في المستقبل من السماح لغير المسلمين الصلاة فيه. ويبدو أن روحية حل بيلين نابعة من الطريقة التي قسمت فيها إسرائيل الحرم الإبراهيمي ولكن مقترحه يتخذ من السيادة الفلسطينية على الحرم كمنفذ للسماح لليهود الصلاة فيه. وهو حل مثل بقية المقترحات لا أحد سيستمع إليه من الطرفين. ففي عام 2000 عندما دخل شارون الحرم أشعل انتفاضة ثالثة وفي عام 2014 كادت ثالثة أن تشتعل وحرق فيها الشاب المقدسي محمد أبو خضير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية