خمسون عاما علي رحيل الشاعرة الشيلية غابرييلا مسترال: أنا يقظي وقلبي نائم!

حجم الخط
0

عبد الرحيم الخصار

الذين يعشقون الأدب، ويستلذون بالحياة في الأرياف مثلي يعرفون بالضرورة ما معني أن تستلقي في ظهيرة آب (اغسطس) تحت شجرة التين علي مقربة من كأس شاي كثيف الرغوة وفي يدك مجموعة من قصائد غابرييلا مسترال.

تكمن اللذة الأولي في كون هذه الشاعرة الشيلية كتبت أروع القصائد وغادرت هذا العالم قبل أن تصل إلينا مفاهيم الحداثة، وتكمن اللذة الثانية في كونها كانت معلمة في الأرياف اعتذرت عن حضور حفل تتويجها في سانتياغو عام 1914 لأنها لم تكن تملك سوي بذلة واحدة لا تليق بالحفلات العامة.

سنحس حتما باللذة الثالثة حين نعلم أن الذي ترجم لها هذه القصائد الخمس والأربعين هو شاعر كبير من عيار حسب الشيخ جعفر، العراقي الذي أقرأ قصائده كما لو أن أنني أقرأ لمحفوظ مصيص شاعر الشيلي الأعظم، حيث ما هو إنساني يعلو فوق كل شيء، وحيث الصنعة تصير مجرد زبد يسبق الموج. يسوق المترجم في مقدمته القصيرة قصة الحب اليتيمة التي عاشتها الشاعرة في بداية شبابها، والتي اكملتها وحيدة بقية العمر، فالرجل الذي أحبته غابرييلا قطع ليلة الحب بكابوس الانتحار، فكتبت من أجله مجموعتها الشعرية قصائد حب في ذكري الميت بينما ستنفذ رائحته بالضرورة إلي عدد من قصائدها اللاحقة.

ويكفي أن نصغي إلي رنين الحب والخوف والرهافة والضعف والتوسل والحزن والحرمان في نصها المؤثر شجن:

أنت أبصرت بي وقد انطرحت علي حافة الطريقغير متحسرة علي شيءأنت سمعت ينبوعي وقد جرت سيولهأجراسا ذات رنينوتعرف أنت أن خوفي امام الرؤيا المرعبةلم يكن نزوة جامحةوتعرف أنت كيف ارتعبت وظللت متطلعة إلي معجزة لا توصفوالآن ما زلت، يتيمة، أتلمس أي شيءحيث بيتك، وحيث طريقكفلا تحجب وجهك عني، لا تحرمني نعمة الضوءلا تصمت بحق الإلهأن تقفل بابك، فلن أنسي أبداتعبي ومرارتي، فالعالم في شتاء، والليل يتطلع إلي من كل جهةبعيون مجنونةانظر: من العيون كلها، العيون التي رنت معيإلي الدروب والطرقاتلم يبق معي غير عينيكلكن ـ وا حسرتاه ـ قد أغلقتهما الثلوج. الحب عند غابرييلا مسترال ـ كما عند أمثالها ومثيلاتها ـ هو الحياة، وهو السلاح الذي يجدر بنا أن نحمله في وجه كل غيم يريد أن يكدر علينا صفوها، ألم يقل محفوظ مصيص: فلينظروا إلي عاريا سلاحي الوحيد القبلة وفي يدي بالكاد متسع لميتة شاعر قصة الحب عند غابرييلا مسترال تبدو لي تفاصيلها الطويلة في مقطع شعري موجز لأدريان ميتشل: الحب هو تلك النافذة المفتوحة، ذلك النسيم الذي نتنفسه في غرفة النوم عبر النافذة، الحب هو شجرة دموع شاهقة إن إغلاق هاته النافذة معناه الكف عن تنسم الهواء، معناه بصورة أوضح الموت.

إذا كان صعبا علي امرأة أن تتخلص من صورة حبيبها المنتحر، فكيف سيكون ذلك بالنسبة لشاعرة يبدو قلبها في القصائد أهش من جناح فراشة:

حين التقيت به في درب ريفي لم تكن المياه قد افترقت عن أحلامها بعدلم تكن الورود قد تفتحت في يد ماغير أن اللهب قد أيقظ روحيوهاهو وجه امرأة مسكينةيتغطي بالدموع.

ستعيش غابرييلا طوال حياتها علي ذكري الرجل الراحل الذي أحبته في أول شبابها، والذي أغلقت بعده غرفة الحب دونها، وجلست فيها وحيدة مصرة علي ألا تفتح باب القلب لرجل آخر مهما احتدت الطرقات: أنا يقظي وقلبي نائم في قصيدتها الانتظار عبثا ترسم صورة تلك المرأة التي تنسي أن محبوبها قد مات فتخرج للقائه، تجتاز الوادي وتقف في المكان الذي تعودت علي ملاقاته فيه وتناديه لكن صوت الصدي يعيدها إلي حالة الوعي، وحين تعي فعلا أنه قد مات تركض في كل الطرق المقفرة علي أمل أن تلقاه:

ناسية أن قدميك الخفيفتينقد تحولتا إلي غبارخرجت كما في الأيام الرائعةلأستقبلك في الطريق… تتساقط بذور الخشخاشمحترقة بالقيظو فوق الحقول أهداب ضبابو أنا وحيدة.. وحيدة كل يوم.

هذه الشاعرة التي بدأت حياتها طفلة يتيمة تعمل من أجل طعامها، ثم معلمة في قرية نائية ستشغل فيما بعد منصب قنصل للشيلي في اسبانيا والبرتغال، وستقـــــوم بتدريس الأدب الاسباني في الجامعات الأمريكية، وستحصل علي جائزة نــــــوبل عام 1945 من أجل شعرها الغــنائي الذي ألهمته العواطف القوية فجعل اسمها رمزا للطموحات المثالية للعالم اللاتيني الأمريكي بأكمله حسب ما أورده تقرير الأكاديمية السويدية.

إن قراءة أعمال غابرييلا مسترال تقود إلي خلاصة مفادها أن الشعر العظيم يتولد بالضرورة مما هو إنساني، من تلك الاصطدامات الناجمة عن احتكاك الجسد البشري بالأعمدة والحواجز النابتة في رواق الحياة، من ابتسامة طفل رضيع أو من بكاء كهل علي زوجته الراحلة، من رقصة باليه أو من لحظة قاتمة في جنازة، من إحساس باكتمال الوجود أو إحساس جارف بالتيه والضياع. شاعر وكاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية