خمسينية ‘جون أفريك’ أو النجاح المأخوذ غلابا

حجم الخط
0

مالك التريكي

إذا كان عام 1960 شهد استقلال 17 دولة إفريقية، مثلما ذكرنا الأسبوع الماضي، فقد شهد أيضا ميلاد مجلة ‘جون أفريك’ (إفريقيا الفتيّة) التي أسسها البشير بن يحمد في تونس (باسم ‘أفريك-أكسيون’ أول الأمر). كان بعد في أواخر العشرينيات من العمر عندما عينه الزعيم الحبيب بورقيبة كاتب دولة ثم وزيرا للإعلام في أول حكومة تونسية بعد الاستقلال عام 1956. فلم يمض إلا عام ثم استقال ليركز جهده مع ثلة من الصحافيين والكتاب المغاربيين والأفارقة والفرنسيين على إنشاء هذه الجريدة التي اتخذت من باريس مقرا وعزمت على مواكبة انبلاج فجر إفريقيا الجديدة، حيث كان شعارها أنها ‘أسبوعية عالم جديد’. ولأن ‘جون أفريك’ ولدت في تلك اللحظة التاريخية المشرعة على أفق الأمل، ولأنها نهجت نهج الصحافة الملتزمة بقضايا التحرر الوطني والديمقراطية، فقد كان من بين المساهمين فيها آنذاك، على سبيل المثال، الكاتب الشهير فرانز فانون الذي اقترن اسمه بثورة التحرير الجزائرية، والكاتب الجزائري جان عمروش. وظلت المجلة على مر العقود منبرا لأبرز الساسة والمثقفين من إفريقيا والمغرب العربي. كما اجتذبت كتابا ممتازين مثل السنغالي سيراديو دياللو واللبناني أمين معلوف الذي تولى رئاسة تحريرها في منتصف السبعينيات. وقد حظيت المجلة في بداياتها بدعم مثقفين وصحافيين تقدميين من أمثال الفرنسي جان دانيال والأمريكي توم بريدي. وإذا كانت جردة الحساب في خمسينية الاستقلال الإفريقي مخيبة للآمال، فإنها جردة حساب إيجابية عموما بالنسبة لجون أفريك. فقد ثبتت الجريدة رغم العواصف ورغم تواضع الإمكانيات المالية وأصبحت منتشرة على نطاق واسع في إفريقيا الفرنكوفونية وفي المغرب العربي (رغم أن ستة عشر عاما من المنع -من 1976 حتى 1992- قد أفقدتها جيلا كاملا من القراء في الجزائر). بل إنها صارت مرجعا لا غنى عنه لكل مهتم بالشؤون الإفريقية. صحيح أن تعاطي جون أفريك مع الشأن المغاربي، تحديدا، لم يعد بمثلما كان عليه من الجرأة السياسية، حيث كانت النخب تتلهف على كل عدد جديد، وإذا حدث أن صودر عدد بسبب مقال أو غلاف كان المسافرون العائدون من أوروبا يتكفلون بتهريبه فيتناقل تحت المعاطف. وهو ما يعترف به البشير بن يحمد قائلا إن جون أفريك تنعم اليوم بثلثين فقط من الاستقلالية الصحافية، أما الثلث الباقي فإنها تمتثل فيه للإرغامات التجارية، مما يعني أنها تستطيع أن لا تنشر إلا ما تعتقد أنه الحقيقة، لكنها لا تستطيع أن تنشر كل ما تعرف من حقائق. وصحيح أن البشير بن يحمد يكاد يكون غير معروف في معظم البلاد العربية لأنه يكتب بالفرنسية ويتوجه أساسا لجمهور غير عربي. إلا أن الصحيح أيضا أنه أستاذ مجلّ في فن الصحافة ومعلق سياسي ذو نظر نافذ ورأي حصيف. وأميز ما يميزه، في نظري، خصلتان. الأولى أن كتاباته تنم عن عقلية تركيبية تؤلف بين متباعدات من الوقائع والظواهر فتخرجها مخرج الترابط والاتصال في نسق استدلالي بالغ الصفاء. الثانية أنه ثابت المعيار: لا يميل مع الرأي العام ويكاد لا يخطئ في الحكم على الحكام… هذا فضلا عن أنه أحد ثلاثة تونسيين فقط (مع المرحوم الحبيب شيخ روحه مؤسس جريدة ‘الصباح’، والناشر عفيف بن يدّر مؤسس دار ‘اي سي’ في لندن) نجحوا، أثناء النصف الثاني من القرن العشرين، في إنشاء مطبوعات جادة مستقلة وقابلة للاستمرار. أما المغزى السياسي لمسار بن يحمد، فهو حريّ بالتدبّر: حيث أن الرجل ربما يكون آخر العنقود من نخبة ضئيلة العدد ساهمت في حركة التحرر الوطني لكنها امتلكت الشجاعة الكافية لرفض الانسياق في ثقافة الإجماع الذي كان غالبا على كامل الطبقة السياسية إبان الاستقلال. كان في وسعه، لو أراد، أن يستظل بهالة بورقيبة -الذي كان آنذاك في عز المجد والتألق- فيقضي حياته، على غرار ساسة كثر، متقلبا بين المناصب الوزارية. لكنه لم يستسلم لهذا الإغراء. أي أن الرجل قد أتيحت له فرصة تاريخية من ذهب: أن ينهج نهج محمد حسنين هيكل فيستمد من مجد الزعيم مجدا أو شبه مجد. إلا أنه اختار الاستقلالية، على مجاهلها ومخاطرها… وإذا كان لا بد من مقارنته بعمداء الصحافة العرب، فلست أرى من هو أقرب به شبها من الأستاذ غسان تويني. ربما يكون غيرهما من العمداء قد أدركه التشتت الذهني والإسهال اللفظي. أما هما فلم يزدهما تقدم العمر إلا تعتّق فهم واتّزان بيان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية